بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 182


على أساس أن مذهب الأئمة أسبق منها .
وبالتالي : أدعى إلى الوثوق به ، وأولى بالتبعية من سواه ، حيث كان عليه المسلمون في القرون الثلاثة الأولى للإسلام .
وباب الاجتهاد فيه مفتوح إلى اليوم .
وكذلك لم يؤثر بالمذهب الشيعي الصراعات السياسية طوال التاريخ الإسلامي . وكلها أمور يمكن طرحها للمناقشة والحوار بروح التسامح والتسامي من أجل وحدة الهدف المشترك ، والغاية النبيلة ، البعيدة عن الأغراض والأهواء .
كما يرى بعض العلماء من المذهبين أن أفضل وسيلة يمكن بها تحقيق ذلك .
أو على الأقل ، الحد الأدنى منه . . هو أن ينظر أهل السنة إلى المذهب الشيعي باعتباره مذهبا خامسا بجانب المذاهب الأربعة السنية سواء بسواء .
وهنا تحضرني فتوى لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت عندما كان رئيسا للأزهر . نشرت عام 1959 م بمجلة " رسالة الإسلام "[1]في العدد الثالث من السنة الحادية عشرة ص 228 يقول فضيلته .
" إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه مذهب معين ، بل نقول : إن لكل مسلم الحق في أن يتبع أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا ، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة بها ، ولمن قلد مذهبا


[1]تصدرها جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة 19 شارع حشمت باشا بالزمالك .


صفحه 183


من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك " .
ثم قال فضيلته :
" إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية .
هو مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة . فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك ، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة " .
إن أمام العرب والمسلمين اليوم فرصة كبيرة ، بما حققوه على الصعيدين العسكري والسياسي ، واستثمارها إلى أقصى حد لخير الإسلام والمسلمين جميعا على اختلاف مذاهبهم وأجناسهم ، وكسب مغانم كثيرة يرضونها لأنفسهم ولأوطانهم . ونيل حقوقهم من مغتصبيها ، وامتلاك إرادتهم حرة قوية منيعة ، وبسط نفوذهم على ما تحت أيديهم من ثروات ، وما وهبهم الله من كنوز ، والتصرف فيها وفق مشيئتهم وما تمليه عليهم مصالحهم ومصالح أجيالهم من بعدهم . وما يساعدهم على اللحاق بأقصى درجات التطور والتقدم العلمي والصناعي والحضاري الذي هو سمة العصر وآية الرقي . .
وفي النهاية تشكيل قوة متحدة متماسكة ، تستطيع أن تفرض إرادتها واحترامها ، وتبرز للعالم أصالة تراثها الديني والحضاري ، وتعطي للعالم زادا جديدا من الحضارة الروحية والخلقية الممتزجة في الوقت نفسه بالحضارة المادية . تنال به إعجابه ، ومن ثم . . تأييده والانحياز إليه والانضمام تحت لوائه . بعد أن يكونوا قد بلغوا الغاية في الوحدة الصافية ، وساروا في تيار واحد يجرف ما يعترضه من عوائق وحواجز . يعطي الخير والنماء للإسلام .


صفحه 184


وأهله كما تعيد إليه صورته المشرقة ، ورسالته الحقة . " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " .
لقد آن الأوان لأن نصنع حدا لهذه الفرقة . . التي أوجدها أعداء الله ، أعداء الإسلام ، وأصحاب الأهواء والأغراض والأطماع طول القرون الماضية . .
وشغلونا بأنفسنا ومعاشنا عن واجبنا المقدس نحو نصرة دين الله والتمكن له في الأرض ، وأدخلونا في جدل عقيم ، وتسلطوا على مقدراتنا ، وشوهوا كل مقوماتنا ونحن عاجزون عن صدهم ، مستسلمون لكيدهم . .
ليس أمامنا من سبيل - والله - إلا الوحدة . .
الوحدة بكل أهدافها ومراميها وأغراضها السامية ليس من أجلنا فحسب ، ولكن من أجل البشرية جمعا ، وفي إعتقادي أن الوحدة تسبقها الوحدة الدينية ، والتعاطف المذهبي . .
تعطي المثل والقدوة . . وترفع الراية . .
وحدة دينية هادئة ، تحمل المشعل وتضئ الطريق للوحدة السياسية ، وتصنع الأساس للقوة الإسلامية الكبرى التي تستطيع أن تحقق السلام على الأرض . .


صفحه 185


وترفع راية الحق والعدل فوق ربوعها من جديد .
إن العبء الأكبر في لم شمل المسلمين ، وتوحيد كلمتهم . . يقع أول ما يقع على رجال الدين . .
هذه هي رسالتهم الأولى ، وواجبهم الأسمى ، قبل أي شئ آخره . . فإن لم يؤدوها ويسعوا إلى تحقيقها . . فما أدوا الرسالة ولا قاموا بواجبهم ، ولا أدوا فريضة الجهاد في سبيل الله . . فلا سبيل إلا بالوحدة أساس العزة والمنعة .
إن جماعة مخلصة من كبار رجال الدين من كل المذاهب الإسلامية .
يؤمنون بهذه الرسالة ويتحررون من قيود حياتهم وأغلال منافعهم الذاتية ، يخلصون النية لله وحده ولدينه القويم وتتحد أفكارهم وغايتهم . .
يستطيعون أن يحققوا هذا الأمل الكبير ، أو على أقل القليل ، يضعون اللبنة الأولى ، والنواة الصالحة في الأرض الطيبة ، يرعاها بعدهم غيرهم حتى تنبت وتزدهر ، وتينع وتثمر ، وتؤتي أكلها الطيب الشهي ، ولنثق . . أن الله سينصر دينه ، ويتم نوره ولو كره الكافرون[1].
القاهرة في 17 / 11 / 1975 محمد فكري أبو النصر


[1]جاء نشر هذا التقديم في كتاب " المراجعات " وهي : الأبحاث التي دارت بين الأستاذ الأكبر الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر وبين الإمام شرف الدين العاملي حول أصول المذهب والإمامة العامة وطبعت لأول مرة بمطبعة العرفان - صيدا لبنان عام 1355 ه‌ - 1936 م ، وصورنا هذه الطبعة بالأوفست بالقاهرة بمطبعة الأستاذ سعيد رأفت .


صفحه 186


مع رجال الفكر في القاهرة - 2 - بسم الله الرحمن الرحيم الحديث عن كتاب : " مع رجال الفكر في القاهرة " هو بالضرورة حديث عن شخص مؤلفه الكريم في المقام الأول .
والكتاب ثمرة لجهوده ونشاطاته ولقاءاته المعقودة بالجم الغفير من العلماء ، والباحثين ، والمفكرين في مصر . . وأحاديثه معهم في أمور الدين بعامة ومذهب الإمامية الجعفرية . . المعروف بالمذهب الشيعي الإمامي . . بصفة خاصة . . مما أتاح له القرب منه وفي قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم . . فأحبهم وأحبوه ، ووثق فيهم ووثقوا فيه ، وأعجب بهم وأعجبوا به وإخلاصا منه لهم من جهة ولمذهبه الشيعي الإمامي من جهة أخرى - قدم هذا الكتاب ترجمة لهم وإبرازا لآرائهم في المذهب الشيعي الإمامي وما يرونه جميعا من وجوب اطلاع أهل السنة على تراث إخوانهم الشيعة الإمامية في العقائد وفي الفقه من مصادره وأسانيده الحقة ، لا من مصادر خصومهم الذين لا يرعون


صفحه 187


فيهم إلا ولا ذمة ، بدافع من دافع مغرض ، أو اعتمادا على مصادر مشكوك في صحتها ، وينسون أو يتناسون أن الشيعة الإمامية يستندون في تشيعهم للإمام علي وذريته رضي الله عنهم أجمعين ، إلى شواهد ثابتة وصحيحة من الكتاب والسنة .
وما يهزني حقا أن المكتبة العربية في مصر بل والأزهرية للأسف الشديد . . تكاد نكون خلوا من كتب الشيعة الإمامية بالذات . . اللهم إلا ما يغذيها من آن لآخر " الأستاذ مرتضى " وما يهديه منها لأصدقائه العديدين من أعلام الفكر والثقافة . .
وما يوجد بالمكتبات غير ذلك فلا يشفي غلة ، ولا يعكس صورة صادقة للعقائد الشيعية الإمامية وفلسفتها وتحليلها لأمور الدين ونوازع الخلافات حول الخلافة . .
وإيمان الشيعة المطلق بأن الإمام عليا وآل البيت النبوي الكريم كانوا أحق بها وأهلها صلاحا لأمر الإسلام والمسلمين إلى يوم الدين . . وهو ما يؤمن به ويتفق معهم صفوة كبيرة من علماء السنة كذلك . فلا يستطيع سني واحد أن يذكر هنة مهما كانت بسيطة إلى الإمام علي كرم الله وجهه من عبادة الأوثان من دون الصحابة رضي الله عنهم ولا إلى أهله وذريته من آل البيت النبوي " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " .
فأي سني ينكر على آل البيت طهرهم ، وأحقيتهم في الخلافة الدينية للمسلمين ، أو ينكر تشيعه لهم والاستضاءة بنورهم ؟ ! كل ما هنالك خلافات على الفروع في العبادات لا ترقى إلى درجات الشقاق والخصومة بأي حال .


صفحه 188


والذين تناولوا المذهب الشيعي بالبحث والدرس والتنقيب قديما وحديثا وقعوا في أحكام خاطئة لا تستند إلى أدلة . أو شواهد نقلية جديرة بالثقة وتداول بعض الناس هذه الأحكام فيما بينهم بلا روية أو تمحيص . .
وأي باحث منصف يتصدى للبحث عن تاريخ الشيعة أو عقائدهم أو أحكامهم الفقهية ، لا مناص له من الاعتماد أساسا على تراث الشيعة أنفسهم وتحرى الصدق والنزاهة في الروايات التاريخية في كتب خصومهم ، والتجرد من كل هوى مذهب سابق قد يؤثر عليه في إصدار أحكامه ، وصولا إلى الحقيقة ذاتها . .
ولا يخفى كذلك أن الاستعمار الغربي كان من بين أهدافه التفريق بين المسلمين وإثارة الخصومات والفتن فيما بينهم ، وبخاصة في الشرق العربي ، وتوسيع هوة الخلاف بين السنة والشيعة . . جناحي الأمة الإسلامية ، وبذلك تصاب بداء الفرقة والانقسام ، تمكينا لأهدافه ومراميه . . وذلك عن طريق دفع بعض المستشرقين من رجاله وأعوانه إلى تحقيق هذه الغاية باسم البحث الأكاديمي الحر . . فيأخذ عنهم باطلهم وزورهم بعض الباحثين من المسلمين ، بلا دراية ، ويروجون آراءهم ، دون أن يفطنوا إلى حقيقة مراميهم وأغراضهم وللحق . . لم نر حتى الآن في عصرنا الحديث . . مسلما سنيا كان أو شيعيا يهب للدفاع عن دينه وعن مذهبه ، ويعمل بكل هذا الإخلاص والجد على التقريب بين المذهبين الكبيرين - بمثل ما يفعل الصديق العزيز الأستاذ مرتضى الرضوي . . هجرة دائمة دائبة إلى بلاد الإسلام وبخاصة مصر . .
وصبر طويل في كفاحه وسعيه ، يغش الأندية والمحافل الدينية والعلمية ،


صفحه 189


ويطرق أبواب العلماء ، والباحثين ، دارسا ، باحثا ، منقبا ، ومجاهدا في سبيل الله بعلمه وبدنه وماله . . على محياه ترتسم آيات العلم والتواضع والخلق السمح الكريم . . مما يجعل القلوب تهفو دائما إلى طلعته ، والأبواب مفتوحة أمامه ، والآذان صاغية إلى أحاديثه والقلوب صافية في حبه . . جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا ، ووفقه في سعيه ، وأمده بأسباب القوة ، وحقق على يديه آمال الغيورين على ضم الصفوف . . حتى يعود الإسلام قويا عزيزا مرهوبا بأهله - هاديا للبشرية بنقاء تعاليمه . والله ولي التوفيق والسداد .
فكري أبو النصر جريدة الأهرام - بالقاهرة القاهرة : 7 / 5 / 1976 م