بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 46


* أهم آثاره : الخطب والمواعظ ، التراجم والسير ، الشريف الرضي حسن العطار ، ابن الرومي .
* له : مؤلفات أدبية وثقافية من الطراز العالي .
* ينتصر للشيعة الإمامية في أهم قضية عقيدية هو : الغدير فيما أثر عنه من الشعر والنثر .


صفحه 47


في ظلال الغدير ليس في هذا العنوان أثر لروح شاعرية أو جنوح إلى عاطفة من عواطف الخيال المقتص ، أو ميل إلى ميل إلى شوارد التعبير عما يجول في الخاطر الكليل . . .
وإنما هي حقيقة ناصعة الوجه واليد واللسان حين نقرر أن القارئ " للغدير " يفيئ منه إلى ظل ظليل ، ويلتمس عنده من راحة الاطمئنان ، وحلاوة القرار ، ورضى الثقة ما يجده المرء حين يأوى إلى الواحة المخضرة بعد وعثاء السفر ، في بيداء واسعة المتاهات ، فيجد في ظلالها أنس الاستقرار ، وسلامة المقام ، ودعة المصير .
وأن أكون في هذه الكلمة جانحا إلى خيال ، أو محلقا في جواء من التصور الحالم ، أو الوهم الهائم . . . ولكني سأجتاز هذا " الغدير " عابرا ، مفكرا ، مقلبا النظر في صفحاته الرجراجة بكل فكرة المتموجة بكل مبحث مستخرجا من أصفى لآلئه ، وأكرم عناصره ما يعينني عليه تقليب النظر في شطآنه ، وإطالة الفكر بين دفتيه ، وكثرة الوقوف على مباحثه كما يقف ربى على الديار التي لم يبلها القدم . . .
ولقد بلغ الجزء الأول من " الغدير " ما حسبت معه أن الجهد قد أوفى فيه على الغاية واستشرف على نشر الكمال في صفحاته التي تساوي أيام السنة الهجرية عدا . . .
وقد كان يحسب العلامة المكب الدؤوب الجليل الأستاذ " عبد الحسين الأميني "


صفحه 48


أن يرضي منه بحث " حديث الغدير " بجزء واحد أو بجزئين أو ثلاثة يستوفي فيها الكلام عن رواة " حديث الغدير " من الصحابة ، والتابعين لهم بإحسان ، وطبقات الرواة من العلماء إلى عصرنا هذا ، والاحتجاج بالحديث ، وتحقيق سنده وروايته ، ودلالته على تأكيد الولاية للإمام علي كرم الله وجهه ، سواء كان ذلك المفهوم مشتقا من حرفية الحديث ، أو مستفادا من القرآن الملابسة للحديث حين نطق به الرسول الكريم على مرأى ومسمع ومشهد من الصحابة .
نعم : قد كان يحسب العلامة " الأميني " هذا حين يحتج لحديث الغدير - غدير خم - وحين يحقق روايته وسنده . . . ولكنه ذهب في البحث عن " الغدير " وراء كل مذهب ، وجاوز في تعمق الدرس والتقصي كل حد معروف عند المؤلفين حين يؤلفون ، وعند الباحثين حين يبحثون . . .
نعم : لقد مضى " الأميني " الجليل في البحث على طريق وعر المسالك ، متشعب النواحي ، وكثير المسائل ، ولم يزده السير في الطريق إلا مواصلة السير كوجه البدر المنير يزيدك حسنا إذا ما زدته نظرا . . .
ورأينا كتاب " الغدير " يمتد به الطريق إلى أجزاء تسعة ضخام تبلغ من الصفحات بضعة آلاف . . . ولا يزال الكتاب ينتظر من صبر العلامة " عبد الحسين " وإكبابه وتوفره على التنقير والتنقيب ما يمضي به إلى الغاية التي يستهدفها المؤلف ، حتى يتم الكتاب على الوجه الذي يرضي عنه الله ، والعلم الصحيح ، والضمير السليم .
وقد يكون العلامة " الأميني " النجفي مشربا بحب الإمام علي وشيعته حين يبذل


صفحه 49


من ذات نفسه ، وحين يبذل من ماء عينيه ما يبتغي به الوسيلة عند أهل البيت العلوي الكريم . . . وقد يكون في عمله هذا مستجيبا لنداء المذهب الذي يدين به . . . فإن الحب يفرض على المحب من الالتزامات والارتباطات ما يسقط به وجه الاعتراض .
ولكن الحق الذي يجب أن يجهر به : أن العلامة الأستاذ " عبد الحسين الأميني " لم يكن محبا متعصبا ، ولا ذا هوى متطرف جموح ، وإنما كان عالما وضع علمه بجانب محبته لعلي . وشيعته ، وكان باحثا وضع أمانة العلم ونزاهة البحث فوق اعتبار العاطفة . .
ولا يلام المرء حين يحب فيسرف في حبه ، أو حين يهوى فيشتد به الهوى . . ولكن اللوم يقع حين تميل دواعي الهوى بالمرء عن صحيح وجه الحق . . . وما كان أستاذنا الجليل في شئ من هذا ، وإنما كان باحثا وراء الحقيقة ، كاشفا النقاب عن وجهها ، معينا نفسه بالوصول إليها سافرة الوجه ، واضحة المعالم .
ونجد في الجزء الأول من " الغدير " رواة الحديث من الصحابة رضي الله عنهم وقد رتبهم المؤلف وفق حروف الهجاء ، فبلغوا مائة عشرة من أجلاء أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يبتدون بأبي هريرة وينتهون بأبي مرازم يعلى ابن مرة وهب الثقفي .
والمؤلف هنا لا يكتفي بذكر أسماء الرواة من الصحابة ، بل يذكر الكتب التي جاء فيها هذا الحديث مسندا إلى الصحابي ، ثم لا يكتفي بذلك بل يذكر أجزاء الكتب وأرقام الصفحات .


صفحه 50


وهنا يجد المتصفح " للغدير " سيلا وافرا بل بحرا زاجرا من الكتب كأسد الغابة ، والإصابة ، وتهذيب ، والاستيعاب ، وتاريخ بغداد للخطيب ، وتهذيب الكمال ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ، والبداية والنهاية لابن كثير ، ونخب المناقب ، ومسند أحمد ، وسنن ابن ماجة ، وعشرات وعشرات من الكتب الحديث والتفسير والتاريخ التي روي فيها الرواة من الصحابة حديث الغدير .
فإذا فرغ من ذكر طبقات الرواة من الصحابة أنتقل إلى الرواة من التابعين ، ثم من العلماء مرتبا هؤلاء الأخيرين وفق ترتيب الوفيات قرنا فقرنا مبتدئا بابن دينار الجمحي ، ومنتهيا برواة الحديث في عصرنا الحديث .
ولما كانت واقعة الغدير - غدير خم - من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدل وكان الحديث - حديث الغدير - مما كاد ينعقد إجماع الأمة الإسلامية سنة وشيعة - على صحته . فقد جدث الحجاج به ومناشدته بين الصحابة والتابعين ولهذا عقد العلامة عبد الحسين فصلا في المناشدة والحجاج بحديث الغدير .
وممن احتج به فاطمة بنت الرسول ، والحسن ، والحسين ، وعبد الله بن جعفر وعمر بن عبد العزيز ، والخليفة المأمون العباسي .
ولما كان حديث الغدير قد بلغ من الصحة والتواتر وقوة السند مبلغا لا يحتاج معه إلى إثبات مثبت ، أو تأييد مؤيد ، فقد كان المؤلف الجليل في غنى عن أن يخص صحة إسناد الحديث بفصل ، فإنه لا يصح في الأذهان شئ إذا احتاج النهار إلى دليل . . . ولكنه جرى في المنهج العلمي على سفن الجادة واستقامة القصد فذكر في صفحة 266 وما بعدها كلمات الرواة والحفاظ حول سند الحديث .


صفحه 51


فالترمذي يقول في صحيحه : إن هذا حديث حسن صحيح . والحافظ ابن عبد البر القرطبي يقول بعد ذكر حديث المؤاخاة وحديثي الراية والغدير :
هذه كلها آثار ثابتة . وهكذا يمضي في هذا الفصل حتى يستوفي كلمات الحفاظ حول سند الغدير .
وعلى الرغم من مقاربة الإجماع على صحة حديث الغدير ، فقد نظر إليه بعض رجال المسلمين نظرة تخالف منعقد الإجماع . . . وهنا يظهر صاحب كتاب " الغدير " في مظهر المحب الغاضب . . . على مخالفيه ، فيوقفهم موقف المقاضاة ، وينزلهم منزل المحاكمة ، بل يعقد فصلا عنيفا عن " ابن حزم " الأندلسي الذي فتح الباب واسعا حول الشك في صحة الحديث .
. ولو أن كتاب " الغدير " كان احتجاجا لحديث غدير خم ، وتأييدا لصحته ، وتبيانا لرواته وطرق روايته على مر العصور ، وإثباتا لما يستفاد منه من معنى الولاية للإمام " علي " لكان بذلك كافيا ، ولكن العلامة الأستاذ " عبد الحسين أحمد " أراد أن يجعل من " الغدير " بحرا متلاطم الأمواج ، جياش العباب . . . وشاء أن يجعل منه موسوعة كبيرة تدور حول الكلمات الطاهرة التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم للإمام علي كرم الله وجهه ، فأثبت الشعراء الذين ذكروا الغدير في قصيدهم ، وعطروا بذكره أنفاس أشعارهم ، وصاحبهم المؤلف الدؤوب في موكب رائع الجلال من عهد النبي صلوات الله عليه إلى القرون الإسلامية قرنا فقرنا ، فهو يذكر في كل قرن شعراء الغدير فيه ويذكر غديرياتهم ، ولا يكتفي بذلك كله ، بل يترجم لهؤلاء الشعراء تراجم لا يستغني عنها مؤرخ أو باحث أو أديب : ثم لا يكتفي بذلك ، بل يذكر المصادر الكثيرة الموزعة لهؤلاء الشعراء ، فيقع القارئ من هذه المصادر على ذخيرة من المعرفة بالكتب قل أن تتاح لباحث من باحثي زماننا هذا .


صفحه 52


ولست هنا مبالغا في تقدير هذه التراجم ، فترجمة الشاعر " الكميت " مثلا من شعراء الغدير في القرن الثاني قد بلغت ثلاثين صفحة من الجزء الثاني ، حتى كادت تصلح أن تكون في ذاتها كتابا قائما بدراسة " الكميت " وترجمة " السيد الحميري " الشاعر وتضعه في الإطار الذي يخصه بين شعراء عصره .
وترجمة " ابن الرومي " في الجزء الثالث من " الغدير " تبلغ 26 صفحة . وقس على هذا بقية مواكب الشعراء .
وليست العبرة في طوال التراجم واتساع صفحاتها . . ولكن العبرة في هذا الصبر العجيب الذي تابع به المؤلف حياة الشعراء الذين يترجم لهم ، فقد رجع علامتنا الجليل حين كتب عن " ابن الرومي " إلى عشرات من الكتب في القديم والحديث وجمع أخباره ونوادره من مصادر لم يطلع عليها الأكثرون ولم يكد يفوته كتاب واحد ذكر فيه " ابن الرومي " بخير أو شر . . . حتى مجلة الهدى العراقية ، وكتاب الأستاذ عباس محمود العقاد .
وعلى ذكر المراجع والمصادر نود أن نسجل للحق أن مؤلف " الغدير " الجليل قد أحاط منها بما لا يحيط به إلا من رزقه الله قدرة وصبرا وحسن وقوع على الموارد ، فهو حين يترجم مثلا لأبي تمام الشاعر في الجزء الثاني من " الغدير " يذكر أسماء الأعلام الذين شرحوا ديوان الحماسة ، فيبلغون سبعة وعشرين . . . يبدأون بأبي عبد الله محمد ابن القاسم ، وينتهون بالمرحوم الشيخ سيد ابن علي المرصفي من رجال الأدب في زماننا هذا ، وهو حين يذكر المؤلفين من أخبار أبي تمام وترجمته يعد عشرات يبدأون بأبي الفضل أحمد ابن أبي طاهر من رجال القرن الثالث الهجري . ويبلغ في زماننا هذا الدكتور عمر فروخ من كتاب عصرنا الحديث .


صفحه 53


هذا هو " الغدير " في نظرة عاجلة ، أعجلني بها من أمر الزمان وشغل الحدثان ما كنت أود أن تطول معه الوقفة وتعمق النظرة ، ولكن علامتنا الكبير الأستاذ " عبد الحسين أحمد الأميني " حري أن يغفر لصديقه السني المصري ما لم يسعفه به زمانه .
وأسأل الله أن يجعل من هذا الغدير الصافي صفاء لما بين أهل السنة والشيعة من أخوة إسلامية ، يتجهون بها في كتلة واحدة وبناء مرصوص ، إلى الحياة الحرة الكريمة التي يعتز بها الإسلام ، ويعلو له بها في العالم مقام .
والله يوفق أستاذنا العلامة الجليل[1]محمد عبد الغني حسن القاهرة : / 7 من ربيع الأول سنة 1372 ه‌ 15 من نوفمبر سنة 1952


[1]موسوعة الغدير للعلامة المحقق الأميني الجزء الأول الطبعة الثانية . - المؤلف -