بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 47


في ظلال الغدير ليس في هذا العنوان أثر لروح شاعرية أو جنوح إلى عاطفة من عواطف الخيال المقتص ، أو ميل إلى ميل إلى شوارد التعبير عما يجول في الخاطر الكليل . . .
وإنما هي حقيقة ناصعة الوجه واليد واللسان حين نقرر أن القارئ " للغدير " يفيئ منه إلى ظل ظليل ، ويلتمس عنده من راحة الاطمئنان ، وحلاوة القرار ، ورضى الثقة ما يجده المرء حين يأوى إلى الواحة المخضرة بعد وعثاء السفر ، في بيداء واسعة المتاهات ، فيجد في ظلالها أنس الاستقرار ، وسلامة المقام ، ودعة المصير .
وأن أكون في هذه الكلمة جانحا إلى خيال ، أو محلقا في جواء من التصور الحالم ، أو الوهم الهائم . . . ولكني سأجتاز هذا " الغدير " عابرا ، مفكرا ، مقلبا النظر في صفحاته الرجراجة بكل فكرة المتموجة بكل مبحث مستخرجا من أصفى لآلئه ، وأكرم عناصره ما يعينني عليه تقليب النظر في شطآنه ، وإطالة الفكر بين دفتيه ، وكثرة الوقوف على مباحثه كما يقف ربى على الديار التي لم يبلها القدم . . .
ولقد بلغ الجزء الأول من " الغدير " ما حسبت معه أن الجهد قد أوفى فيه على الغاية واستشرف على نشر الكمال في صفحاته التي تساوي أيام السنة الهجرية عدا . . .
وقد كان يحسب العلامة المكب الدؤوب الجليل الأستاذ " عبد الحسين الأميني "


صفحه 48


أن يرضي منه بحث " حديث الغدير " بجزء واحد أو بجزئين أو ثلاثة يستوفي فيها الكلام عن رواة " حديث الغدير " من الصحابة ، والتابعين لهم بإحسان ، وطبقات الرواة من العلماء إلى عصرنا هذا ، والاحتجاج بالحديث ، وتحقيق سنده وروايته ، ودلالته على تأكيد الولاية للإمام علي كرم الله وجهه ، سواء كان ذلك المفهوم مشتقا من حرفية الحديث ، أو مستفادا من القرآن الملابسة للحديث حين نطق به الرسول الكريم على مرأى ومسمع ومشهد من الصحابة .
نعم : قد كان يحسب العلامة " الأميني " هذا حين يحتج لحديث الغدير - غدير خم - وحين يحقق روايته وسنده . . . ولكنه ذهب في البحث عن " الغدير " وراء كل مذهب ، وجاوز في تعمق الدرس والتقصي كل حد معروف عند المؤلفين حين يؤلفون ، وعند الباحثين حين يبحثون . . .
نعم : لقد مضى " الأميني " الجليل في البحث على طريق وعر المسالك ، متشعب النواحي ، وكثير المسائل ، ولم يزده السير في الطريق إلا مواصلة السير كوجه البدر المنير يزيدك حسنا إذا ما زدته نظرا . . .
ورأينا كتاب " الغدير " يمتد به الطريق إلى أجزاء تسعة ضخام تبلغ من الصفحات بضعة آلاف . . . ولا يزال الكتاب ينتظر من صبر العلامة " عبد الحسين " وإكبابه وتوفره على التنقير والتنقيب ما يمضي به إلى الغاية التي يستهدفها المؤلف ، حتى يتم الكتاب على الوجه الذي يرضي عنه الله ، والعلم الصحيح ، والضمير السليم .
وقد يكون العلامة " الأميني " النجفي مشربا بحب الإمام علي وشيعته حين يبذل


صفحه 49


من ذات نفسه ، وحين يبذل من ماء عينيه ما يبتغي به الوسيلة عند أهل البيت العلوي الكريم . . . وقد يكون في عمله هذا مستجيبا لنداء المذهب الذي يدين به . . . فإن الحب يفرض على المحب من الالتزامات والارتباطات ما يسقط به وجه الاعتراض .
ولكن الحق الذي يجب أن يجهر به : أن العلامة الأستاذ " عبد الحسين الأميني " لم يكن محبا متعصبا ، ولا ذا هوى متطرف جموح ، وإنما كان عالما وضع علمه بجانب محبته لعلي . وشيعته ، وكان باحثا وضع أمانة العلم ونزاهة البحث فوق اعتبار العاطفة . .
ولا يلام المرء حين يحب فيسرف في حبه ، أو حين يهوى فيشتد به الهوى . . ولكن اللوم يقع حين تميل دواعي الهوى بالمرء عن صحيح وجه الحق . . . وما كان أستاذنا الجليل في شئ من هذا ، وإنما كان باحثا وراء الحقيقة ، كاشفا النقاب عن وجهها ، معينا نفسه بالوصول إليها سافرة الوجه ، واضحة المعالم .
ونجد في الجزء الأول من " الغدير " رواة الحديث من الصحابة رضي الله عنهم وقد رتبهم المؤلف وفق حروف الهجاء ، فبلغوا مائة عشرة من أجلاء أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يبتدون بأبي هريرة وينتهون بأبي مرازم يعلى ابن مرة وهب الثقفي .
والمؤلف هنا لا يكتفي بذكر أسماء الرواة من الصحابة ، بل يذكر الكتب التي جاء فيها هذا الحديث مسندا إلى الصحابي ، ثم لا يكتفي بذلك بل يذكر أجزاء الكتب وأرقام الصفحات .


صفحه 50


وهنا يجد المتصفح " للغدير " سيلا وافرا بل بحرا زاجرا من الكتب كأسد الغابة ، والإصابة ، وتهذيب ، والاستيعاب ، وتاريخ بغداد للخطيب ، وتهذيب الكمال ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ، والبداية والنهاية لابن كثير ، ونخب المناقب ، ومسند أحمد ، وسنن ابن ماجة ، وعشرات وعشرات من الكتب الحديث والتفسير والتاريخ التي روي فيها الرواة من الصحابة حديث الغدير .
فإذا فرغ من ذكر طبقات الرواة من الصحابة أنتقل إلى الرواة من التابعين ، ثم من العلماء مرتبا هؤلاء الأخيرين وفق ترتيب الوفيات قرنا فقرنا مبتدئا بابن دينار الجمحي ، ومنتهيا برواة الحديث في عصرنا الحديث .
ولما كانت واقعة الغدير - غدير خم - من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدل وكان الحديث - حديث الغدير - مما كاد ينعقد إجماع الأمة الإسلامية سنة وشيعة - على صحته . فقد جدث الحجاج به ومناشدته بين الصحابة والتابعين ولهذا عقد العلامة عبد الحسين فصلا في المناشدة والحجاج بحديث الغدير .
وممن احتج به فاطمة بنت الرسول ، والحسن ، والحسين ، وعبد الله بن جعفر وعمر بن عبد العزيز ، والخليفة المأمون العباسي .
ولما كان حديث الغدير قد بلغ من الصحة والتواتر وقوة السند مبلغا لا يحتاج معه إلى إثبات مثبت ، أو تأييد مؤيد ، فقد كان المؤلف الجليل في غنى عن أن يخص صحة إسناد الحديث بفصل ، فإنه لا يصح في الأذهان شئ إذا احتاج النهار إلى دليل . . . ولكنه جرى في المنهج العلمي على سفن الجادة واستقامة القصد فذكر في صفحة 266 وما بعدها كلمات الرواة والحفاظ حول سند الحديث .


صفحه 51


فالترمذي يقول في صحيحه : إن هذا حديث حسن صحيح . والحافظ ابن عبد البر القرطبي يقول بعد ذكر حديث المؤاخاة وحديثي الراية والغدير :
هذه كلها آثار ثابتة . وهكذا يمضي في هذا الفصل حتى يستوفي كلمات الحفاظ حول سند الغدير .
وعلى الرغم من مقاربة الإجماع على صحة حديث الغدير ، فقد نظر إليه بعض رجال المسلمين نظرة تخالف منعقد الإجماع . . . وهنا يظهر صاحب كتاب " الغدير " في مظهر المحب الغاضب . . . على مخالفيه ، فيوقفهم موقف المقاضاة ، وينزلهم منزل المحاكمة ، بل يعقد فصلا عنيفا عن " ابن حزم " الأندلسي الذي فتح الباب واسعا حول الشك في صحة الحديث .
. ولو أن كتاب " الغدير " كان احتجاجا لحديث غدير خم ، وتأييدا لصحته ، وتبيانا لرواته وطرق روايته على مر العصور ، وإثباتا لما يستفاد منه من معنى الولاية للإمام " علي " لكان بذلك كافيا ، ولكن العلامة الأستاذ " عبد الحسين أحمد " أراد أن يجعل من " الغدير " بحرا متلاطم الأمواج ، جياش العباب . . . وشاء أن يجعل منه موسوعة كبيرة تدور حول الكلمات الطاهرة التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم للإمام علي كرم الله وجهه ، فأثبت الشعراء الذين ذكروا الغدير في قصيدهم ، وعطروا بذكره أنفاس أشعارهم ، وصاحبهم المؤلف الدؤوب في موكب رائع الجلال من عهد النبي صلوات الله عليه إلى القرون الإسلامية قرنا فقرنا ، فهو يذكر في كل قرن شعراء الغدير فيه ويذكر غديرياتهم ، ولا يكتفي بذلك كله ، بل يترجم لهؤلاء الشعراء تراجم لا يستغني عنها مؤرخ أو باحث أو أديب : ثم لا يكتفي بذلك ، بل يذكر المصادر الكثيرة الموزعة لهؤلاء الشعراء ، فيقع القارئ من هذه المصادر على ذخيرة من المعرفة بالكتب قل أن تتاح لباحث من باحثي زماننا هذا .


صفحه 52


ولست هنا مبالغا في تقدير هذه التراجم ، فترجمة الشاعر " الكميت " مثلا من شعراء الغدير في القرن الثاني قد بلغت ثلاثين صفحة من الجزء الثاني ، حتى كادت تصلح أن تكون في ذاتها كتابا قائما بدراسة " الكميت " وترجمة " السيد الحميري " الشاعر وتضعه في الإطار الذي يخصه بين شعراء عصره .
وترجمة " ابن الرومي " في الجزء الثالث من " الغدير " تبلغ 26 صفحة . وقس على هذا بقية مواكب الشعراء .
وليست العبرة في طوال التراجم واتساع صفحاتها . . ولكن العبرة في هذا الصبر العجيب الذي تابع به المؤلف حياة الشعراء الذين يترجم لهم ، فقد رجع علامتنا الجليل حين كتب عن " ابن الرومي " إلى عشرات من الكتب في القديم والحديث وجمع أخباره ونوادره من مصادر لم يطلع عليها الأكثرون ولم يكد يفوته كتاب واحد ذكر فيه " ابن الرومي " بخير أو شر . . . حتى مجلة الهدى العراقية ، وكتاب الأستاذ عباس محمود العقاد .
وعلى ذكر المراجع والمصادر نود أن نسجل للحق أن مؤلف " الغدير " الجليل قد أحاط منها بما لا يحيط به إلا من رزقه الله قدرة وصبرا وحسن وقوع على الموارد ، فهو حين يترجم مثلا لأبي تمام الشاعر في الجزء الثاني من " الغدير " يذكر أسماء الأعلام الذين شرحوا ديوان الحماسة ، فيبلغون سبعة وعشرين . . . يبدأون بأبي عبد الله محمد ابن القاسم ، وينتهون بالمرحوم الشيخ سيد ابن علي المرصفي من رجال الأدب في زماننا هذا ، وهو حين يذكر المؤلفين من أخبار أبي تمام وترجمته يعد عشرات يبدأون بأبي الفضل أحمد ابن أبي طاهر من رجال القرن الثالث الهجري . ويبلغ في زماننا هذا الدكتور عمر فروخ من كتاب عصرنا الحديث .


صفحه 53


هذا هو " الغدير " في نظرة عاجلة ، أعجلني بها من أمر الزمان وشغل الحدثان ما كنت أود أن تطول معه الوقفة وتعمق النظرة ، ولكن علامتنا الكبير الأستاذ " عبد الحسين أحمد الأميني " حري أن يغفر لصديقه السني المصري ما لم يسعفه به زمانه .
وأسأل الله أن يجعل من هذا الغدير الصافي صفاء لما بين أهل السنة والشيعة من أخوة إسلامية ، يتجهون بها في كتلة واحدة وبناء مرصوص ، إلى الحياة الحرة الكريمة التي يعتز بها الإسلام ، ويعلو له بها في العالم مقام .
والله يوفق أستاذنا العلامة الجليل[1]محمد عبد الغني حسن القاهرة : / 7 من ربيع الأول سنة 1372 ه‌ 15 من نوفمبر سنة 1952


[1]موسوعة الغدير للعلامة المحقق الأميني الجزء الأول الطبعة الثانية . - المؤلف -


صفحه 54