المقدّمة الرابعة في أنّ المانع من التعقّل هو المادّة
الّذي استقرّ عليه رأي الفلاسفة أنّ المادّة مانعة من التعقّل، أمّا أوّلا، فلأنّ المادّة ذات وضع، و التعقّل إنّما هو للصور الكلّيّة، و لا حلول للكلّي غير[1]ذي الوضع في الجزئي ذي الوضع، و إلّا لكان له وضع مع فرض تجرّده، و هذا خلف.
و أمّا ثانيا، فلأنّ التعقّل هو الحصول، و الحاصل في المادّة ليس حاصلا لنفسه بل لغيره فلا يكون عاقلا لنفسه،. إنّما يحصل التعقّل للامور المتعالية عن الموادّ و الأوضاع، و تلك هي «المجرّدات» كالعقول و النّفوس الفلكيّة و الإنسانيّة.
المقدّمة الخامسة في اختلاف النّفوس البشريّة في الذكاء
التجربة و الزمان[2]متطابقان عليه، فإنّا نجد في أشخاص النّوع الإنساني من بلغ في البلادة و جمود الذهن إلى حدّ يعجز عن إدراك أظهر الأشياء و أوضحها، و نجد فيهم من بلغ في الذكاء و الفطنة إلى استخراج المطالب بالحدس الصائب، فليس ببعيد حصول مرتبة- هي أشرف المراتب في جميع المطالب و هي مرتبة النّفس القدسيّة المسمّاة بالعقل المستفاد- لبعض أشخاص البشر، و هم المؤيّدون من اللّه تعالى بجودة الذهن و لطف القريحة بحيث يقع
[1]في الأصل: عن، تصحيف.
[2]في النسختين الآخرتين: و البرهان.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :83««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
حدسهم في جميع المطالب على الحقّ و الصواب، فإنّ النّفوس البشريّة تأخذ من النقصان في الترقّي إلى الكمال على التدريج مرتبة بعد اخرى، فإذا بلغت أقصى مراتب الكمال الممكن لنوع البشر صارت نفسا قدسيّة، المعبّر[1]عنها في القرآن العزيز بقوله تعالى:يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ[2].
المقدّمة السادسة في انقسام أثر النّفس إلى الإدراك و التحريك
اعلم أنّ للنّفس الناطقة قوّتي إدراك و تحريك، أمّا الإدراك فهو تحصيل الصور المعقولة في القوّة العاقلة، و انتقاش النّفس بها بواسطة انتزاع القوّة العاقلة للامور الكلّيّة من الأشياء الجزئيّة المحسوسة، أو المتخيّلة، و ذلك يستدعي التفات النّفس إلى جهة التعقّل، و انصرافها عن الموادّ الجسمانية.
و أمّا التحريك، فلأنّ النّفس لمّا طلبت الاستكمال في المعقولات بواسطة الإحساس المستند إلى الحواسّ الجسمانيّة الحاصلة في البدن، وجب أن يكون للنّفس تعلّق تامّ شديد بالبدن، و اتّصال ما لها به، و الاعتناء بتدبيره، و تحريك الآلات الجزئيّة في الامور النّافعة للبدن، إمّا لجلب[3]نفع، أو دفع ضرر، و لهذا وجب لكلّ ذي قوّة إدراك أن تكون له قوّة تحريك، خصوصا و البدن مركّب من الامور المتضادّة المتداعية إلى الانفكاك، فلو لا الحافظ لها عن الانفكاك لبطل المزاج، فالواجب إثبات هاتين القوّتين للنّفوس البشريّة، و إذا[4]كان التفات النّفس إلى أحد الجانبين يشغلها عن الالتفات إلى الآخر لا جرم حصل التفاوت
[1]في «ش» و «ل»: يعبر.
[2]سورة النور[24]: 35.
[3]في الأصل: بجلب.
[4]في «ش» و «ل»: لمّا.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :84««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
بين النّفوس البشريّة في الاعتناء بالامور المعقولة و الإدراكات المكمّلة للنّفس، أو الاعتناء بالامور البدنيّة المشغلة لها[1]عن تلك الرتبة.
المقدّمة السابعة في اختلاف النّفوس البشريّة في هاتين القوّتين
لمّا كانت النّفس مشغولة بهذين العملين[2]بحيث لا تنفكّ عنهما و هما الإدراك للمعقولات و الالتفات إليها، و التحريك للبدن إمّا بالقوى الباطنة، كما في حال التغذية و التنمية و التوليد، أو بالقوى الظاهرة، كالإحساس بالمحسوسات الخمسة، أو بالقوى الباطنة، كالإحساس بالحس المشترك، و التخيّل، و التوهّم، و الحفظ لهما، و لا شكّ في أنّ أحد الشاغلين يمنع النّفس عن الاستكمال في الفعل الآخر، إلّا أصحاب النّفوس القويّة كأنفس الأنبياء و الأولياء الّتي تكون نفس أحدهم رابطة الجأش[3]لا يمنعها أحد الشغلين عن الآخر، بل يحصل لها كمال الإدراك حالة الاشتغال بكمال التحريك، فإنّ مراتب القوى مختلفة غير منحصرة، و كلّ من كان قادرا على الاشتغال بهذين الفعلين على الوجه[4]الأكمل كانت نفسه أشرف و مرتبته أعلى.
المقدّمة الثامنة في حقيقة الزيادة في العلم
[1]في «ش» و «ل»: المشتغلة.
[2]في الأصل: العلمين، تصحيف.
[3]رابط الجأش: أي شديد القلب كأنّه يربط نفسه عن الفرار و يكفّها بجرأته و شجاعته.
[4]في الأصل: الأوجه.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :85««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
قد عرفت أنّ العلم إمّا تصوّر و إمّا[1]تصديق، و كلّ واحد منهما إمّا ضروري و إمّا كسبي. فالضروري من التصوّرات ما لا يتوقّف على طلب و كسب، كتصوّر الحرارة و البرودة و غيرهما. و الكسبي ما يتوقّف، كتصوّر الملك و الجنّ و غيرهما.
و الضروري من التصديقات ما يكفي في حصوله تصوّر الطرفين. و الكسبي ما يفتقر معهما إلى وسط.
و العلم التصديقي يطلق بالحقيقة على الجامع لامور ثلاثة: الجزم، و المطابقة، و الثبات؛ و بالمجاز على مطلق الاعتقاد الشامل للعلم، و التقليد[2]و الجهل المركّب، و الظنّ.
و الزيادة في العلم بالمعنى الحقيقي إنّما تتحقّق باعتبار المتعلّقات، أمّا بمعنى التعلّقات فلا، لأنّ الزيادة إنّما تتحقّق مع تحقّق التفاوت، و لا يتحقّق التفاوت في الأطراف، لأنّ طرف الشيء نهايته، و النهاية لا تقبل القسمة، و إلّا لكان الآخر[3]من القسمين هو الطرف، لا الأوّل، و إنّما يتحقّق في الأوساط لتعدّد المراتب فيها.
نعم قد يمكن بوجه من الاعتبار حصول الزيادة فيها باعتبار الخفاء و الجلاء في التصوّرات الّتي تضمّنتها التصديقات، و لكن ذلك في الحقيقة راجع إلى زيادة المتعلّقات، لأنّ التصوّرات متعلّقة بالمتصوّرات، فزيادتها و نقصانها ممكن لقبولها الشدّة و الضعف؛ فالتصوّر بالحدّ الحقيقي أشدّ (من التصوّر بالحدّ الناقص، و التصوّر بالحدّ الناقص أشدّ)[4]من التصوّر بالرسوم، و التصوّرات
[1]في «ش» و «ل»: أو.
[2]في الأصل: التقييد، تصحيف.
[3]في «ش» و «ل»: الأخير.
[4]ما بين القوسين سقط من الأصل.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :86««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
بالرسوم متفاوتة باعتبار ظهور اللزوم و الاختصاص في الأوصاف المعرفة، و عدمه.
المقدّمة التاسعة في إمكان سؤال الزيادة
إنّ المعارف العقليّة لمّا كانت غير متناهية، و كانت القوّة البشريّة قاصرة عن إدراكها و وجب التناهي في مدركاتها- قال اللّه تعالى:وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[1]- و أنّ كلّ مرتبة من المراتب المفروضة أقلّ ممّا لا يتناهى تكون متناهية، و أنّه يمكن اتّصاف النّفس بها، أمكن طلب الزيادة.
المقدّمة العاشرة
قد ظهر ممّا تقدّم أنّ المانع من التعقّل هو المادّة لا غير، و لمّا كان نور التعقّل[2]ممنوعا بالمادّة كان نسبة المادّة إليه نسبة الغطاء الظلماني الساتر لنور الأجسام المضيئة بحيث لا يدرك تنوّرها[3]و لا يحسّ بها، فلهذا الستر شبّه مفارقة النّفس للبدن الّذي هو المادّة الجسمانية المانعة عن التعقّل بالكشف للغطاء.
و إذا تقرّرت هذه المقدّمات فنقول: ظهر الجمع بين كلام النبي و كلام الوصي عليهما أفضل الصلوات[4]و كان لكلّ منهما أن يقول مقال الآخر، إذ لا تنافي بينهما، فإنّ نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله أكمل من نفس الوصي عليه السّلام و لمّا كانت نفس
[1]سورة الأنبياء[21]: 22.
[2]في «ل»: العقل، في «ش»: التصوّر.
[3]في «ل»: نورها.
[4]في «ل» زيادة: و أكمل التحيّات.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :87««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
الوصي عليه السّلام قادرة على الجمع بين قوّتي الإدراك و التحريك كان نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله أولى بذلك و لم تحصل له زيادة يقين على ما أدركه حالة المفارقة[1]في الامور الّتي تعلّق بها اليقين، و لمّا كان علم النبي صلّى اللّه عليه و آله قليلا بالنسبة إلى علم الباري تعالى و تقدّس، و كان له أن يقول:رَبِّ زِدْنِي عِلْماًكان أمير المؤمنين عليه السّلام أولى بهذه المقالة، لأنّ علمه أقلّ من علم النبي صلّى اللّه عليه و آله إذ مادّته منه، و استناد علمه إليه.
و في التفسير[2]: إنّ قوله تعالى:وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً[3]أي بالقرآن، لأنّه كان ينزل عليه شيئا فشيئا.
[1]في الأصل: المقاومة.
[2]مجمع البيان 4: 32.
[3]سورة طه[20]114.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :88««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
المسألة الثانية
في وجه الجمع بين قوله تعالى:وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ[1]و قوله تعالى:
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[2]و بين قوله تعالى:فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ[3].
و وجه الجمع من وجوه:
الأوّل:
إنّ التناقض يشترط فيه امور ثمانية: وحدة الموضوع، و المحمول، و الزمان، و المكان، و الشرط، و الإضافة، و القوّة أو الفعل، و الكلّ أو الجزء، و غير معلوم وجود هذه الشرائط في الآيتين الأوّلتين، و في الثالثة، و غير مستبعد اختلاف الأزمنة هنا، فجاز أن يكون زمان إثبات السؤال غير زمان نفيه.
الثاني:
[1]سورة الصافات[37]: 24.
[2]سورة الحجر[15]: 92.
[3]سورة الرحمن[55]: 39.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :89««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
إنّ المحمولات هنا[1]متعلّقة بالامور الخارجة، فإنّ السؤال لا بدّ له من مسئول و مسئول عنه.
و قد ورد من عدّة طرق أنّ الآية الاولى تتعلّق بالمسئول عنه، و هو ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام.
الثالث:
ورد في التفسير أنّ قوله تعالى:فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ[2]معنى سؤال استفهام، بل سؤال توبيخ و تعنيف، و حينئذ يبطل التنافي.
الرابع:
جاز أن يكون المسئول في الآيتين الأوّلتين غير المسئول في الآية الثالثة و يؤيّده قوله تعالى:يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ[3]أي بعلامات لهم، و يكون ذلك إشارة إلى أصناف معينين[4]من الكفّار.
و الحمد للّه وحده و صلّى اللّه على سيّد المرسلين محمّد و آله الطاهرين و سلّم تسليما
[1]لا يوجد في الأصل: هنا.
[2]سورة الرحمن[55]: 39.
[3]سورة الرحمن[55]: 41.
[4]في «ل»: أصناف معشر.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :90««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست