بالرسوم متفاوتة باعتبار ظهور اللزوم و الاختصاص في الأوصاف المعرفة، و عدمه.
المقدّمة التاسعة في إمكان سؤال الزيادة
إنّ المعارف العقليّة لمّا كانت غير متناهية، و كانت القوّة البشريّة قاصرة عن إدراكها و وجب التناهي في مدركاتها- قال اللّه تعالى:وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[1]- و أنّ كلّ مرتبة من المراتب المفروضة أقلّ ممّا لا يتناهى تكون متناهية، و أنّه يمكن اتّصاف النّفس بها، أمكن طلب الزيادة.
المقدّمة العاشرة
قد ظهر ممّا تقدّم أنّ المانع من التعقّل هو المادّة لا غير، و لمّا كان نور التعقّل[2]ممنوعا بالمادّة كان نسبة المادّة إليه نسبة الغطاء الظلماني الساتر لنور الأجسام المضيئة بحيث لا يدرك تنوّرها[3]و لا يحسّ بها، فلهذا الستر شبّه مفارقة النّفس للبدن الّذي هو المادّة الجسمانية المانعة عن التعقّل بالكشف للغطاء.
و إذا تقرّرت هذه المقدّمات فنقول: ظهر الجمع بين كلام النبي و كلام الوصي عليهما أفضل الصلوات[4]و كان لكلّ منهما أن يقول مقال الآخر، إذ لا تنافي بينهما، فإنّ نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله أكمل من نفس الوصي عليه السّلام و لمّا كانت نفس
[1]سورة الأنبياء[21]: 22.
[2]في «ل»: العقل، في «ش»: التصوّر.
[3]في «ل»: نورها.
[4]في «ل» زيادة: و أكمل التحيّات.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :87««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
الوصي عليه السّلام قادرة على الجمع بين قوّتي الإدراك و التحريك كان نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله أولى بذلك و لم تحصل له زيادة يقين على ما أدركه حالة المفارقة[1]في الامور الّتي تعلّق بها اليقين، و لمّا كان علم النبي صلّى اللّه عليه و آله قليلا بالنسبة إلى علم الباري تعالى و تقدّس، و كان له أن يقول:رَبِّ زِدْنِي عِلْماًكان أمير المؤمنين عليه السّلام أولى بهذه المقالة، لأنّ علمه أقلّ من علم النبي صلّى اللّه عليه و آله إذ مادّته منه، و استناد علمه إليه.
و في التفسير[2]: إنّ قوله تعالى:وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً[3]أي بالقرآن، لأنّه كان ينزل عليه شيئا فشيئا.
[1]في الأصل: المقاومة.
[2]مجمع البيان 4: 32.
[3]سورة طه[20]114.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :88««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
المسألة الثانية
في وجه الجمع بين قوله تعالى:وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ[1]و قوله تعالى:
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[2]و بين قوله تعالى:فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ[3].
و وجه الجمع من وجوه:
الأوّل:
إنّ التناقض يشترط فيه امور ثمانية: وحدة الموضوع، و المحمول، و الزمان، و المكان، و الشرط، و الإضافة، و القوّة أو الفعل، و الكلّ أو الجزء، و غير معلوم وجود هذه الشرائط في الآيتين الأوّلتين، و في الثالثة، و غير مستبعد اختلاف الأزمنة هنا، فجاز أن يكون زمان إثبات السؤال غير زمان نفيه.
الثاني:
[1]سورة الصافات[37]: 24.
[2]سورة الحجر[15]: 92.
[3]سورة الرحمن[55]: 39.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :89««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
إنّ المحمولات هنا[1]متعلّقة بالامور الخارجة، فإنّ السؤال لا بدّ له من مسئول و مسئول عنه.
و قد ورد من عدّة طرق أنّ الآية الاولى تتعلّق بالمسئول عنه، و هو ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام.
الثالث:
ورد في التفسير أنّ قوله تعالى:فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ[2]معنى سؤال استفهام، بل سؤال توبيخ و تعنيف، و حينئذ يبطل التنافي.
الرابع:
جاز أن يكون المسئول في الآيتين الأوّلتين غير المسئول في الآية الثالثة و يؤيّده قوله تعالى:يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ[3]أي بعلامات لهم، و يكون ذلك إشارة إلى أصناف معينين[4]من الكفّار.
و الحمد للّه وحده و صلّى اللّه على سيّد المرسلين محمّد و آله الطاهرين و سلّم تسليما
[1]لا يوجد في الأصل: هنا.
[2]سورة الرحمن[55]: 39.
[3]سورة الرحمن[55]: 41.
[4]في «ل»: أصناف معشر.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :90««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
(المسألة الثالثة)
أمّا بعد حمد من تقدّس بوجوب وجوده عن مشاركة الممكنات، و تنزّه بقدمه و أزليّته عن مشابهة المخلوقات، و الصلاة و السلام على أشرف الأنام محمد المصطفى، و عترته البررة الكرام.
فإنّني لمّا حضرت بين يدي المخدوم الأعظم، الصاحب الكبير المعظّم، مولى النعم و مفيض الجود و الكرم، مخدوم وزراء الممالك شرقا و غربا، و بعدا و قربا، المخصوص بالنفس القدسيّة، المتميّز عن بني نوعه بالرئاسة الإنسيّة، الحائز لكمالات النّفس، الفائز بالسّهم العلى من حضيرة القدس، ربّانيّ الزّمان، و أوحد الأقران، فريد عصره، و وحيد دهره، المترقّي بنظره الثاقب إلى ذروة العلى، و المتعالي بفكره الصائب إلى أوج المجد و السّنا، مربّي العلماء، و مقتدى الفضلاء «رشيد الملّة و الحقّ و الدّين» أعزّ اللّه بدوام دولته الإسلام و المسلمين، و أمدّه بالسعادات الأبديّة، و أيّده بالعنايات الربّانيّة.
فوجدته بحرا زاخرا تتلاطم أمواجه، و تبارا فائضا لا يدرك فجاجه، قد
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :91««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
أحاط بالقوّة الإلهيّة على جميع ما حصّله الحكماء، و أشرف بالعناية الأزليّة على دقائق أنظار العلماء، تتفجّر ينابيع الحكمة على لسانه، و تنطبع صور المعقولات كما هي في قلبه، و جنانه موهبة من اللّه تعالى لديه، و إنعاما منه فائضا عليه.
فجرى في بعض مجالسه سؤال من بعض الفضلاء على قوله تعالى:وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ[1].
فقال: هاتان مقدّمتان متّصلتان اشتركتا في حدّ أوسط على هيئة الشّكل الأوّل، جامعتان لشرائط الإنتاج، و هما صادقتان، فيجب صدق النّتيجة، و إنّما يتمّ صدقها لو لم يكن بين تاليها و مقدّمها تناف، لكنّ التالي هنا لا يجامع المقدّم، لأنّ النتيجة حينئذ هي: و لو علم اللّه فيهم خيرا لتولّوا و هم معرضون، و العلم مطابق للمعلوم، و لا فرق بين وضع العلم و وضع المعلوم، فالمقدّم يتضمّن ثبوت الخير و تحقّقه، فيكون فرض علم الخير بتضمّن فرض الخير، و لا يمكن أن يكون فرض الخير و وجوده ملزوما لتولّيهم معرضين.
فأجاب خواجه رشيد الدّين عزّت أنصاره بوجوه:
الأوّل:
المنع من اتّحاد الوسط، لأنّ التالي اخذ في الصغرى على تقدير وضع المقدّم و هو ثبوت الاستماع على تقدير علم الخير، و المقدّم اخذ في الكبرى على تقدير ثبوته في نفس الأمر، لا على تقدير فرض علم الخير و وضعه، فيصير تقدير القياس: و لو علم اللّه فيهم لأسمعهم على تقدير العلم بثبوت الخير
[1]سورة الأنفال[8]: 23.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :92««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
فيهم و تحقّقه، و لو أسمعهم في نفس الأمر، لا على تقدير علم الخير فيهم لتولّوا و هم معرضون، و التقدير أنّهم غير مؤمنين في نفس الأمر، فيكون الاستماع في نفس الأمر مجامعا لعدم الخير فيهم، الملزوم لعلم عدم الخير، لأنّه تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، و حينئذ يظهر عدم اتّحاد الوسط بين المقدّمتين.
الثاني:
المنع من حصول شرائط القياسيّة هنا، لأنّ هذا القياس من الشكل الأوّل، و شرطه[1]كلّية الكبرى، و هذا الشرط منتف هنا، لأنّ «لو» يدلّ على مطلق الاتّصال مع الدّلالة على عدم المقدّم، و لا يدلّ على حصر القضيّة، و لا على كلّيّتها و جزئيّتها، و إذا لم يكن هنا دليل على كلّيّة المتّصلة كانت مهملة، و هي في قوّة الجزئيّة، و إذا كانت الكبرى جزئيّة لم يحصل الإنتاج لفوات شرطه؛ و لأنّ الكبرى دلّت على الملازمة بين إسماعهم و تولّيهم، و لا يجوز أن تثبت هذه الملازمة على تقدير مقدّم الصغرى الّذي هو ملزوم لتاليها، لأنّ فرض مقدّم الصغرى و هو علم الخير، فرض لثبوت الخير، فإنّ العلم تابع للمعلوم، و إنّما يتحقّق التابع بعد تحقّق المتبوع، و على تقدير ثبوت الخير و تحقّقه لا يكون الاستماع الثابت على تقديره ملزوما لتولّيهم، لأنّه عدم الخير، و إذا لم تثبت الملازمة على تقدير مقدّم الصغرى كانت جزئيّة، فلا يكون شرط الإنتاج حاصلا.
الثالث:
[1]في النسخة: شرطية.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :93««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست
المنع من كيف النتيجة، فإنّ الاتّصال يصدق و إن كان المقدّم و التالي محالين، لما ثبت من جواز استلزام المحال للمحال، لقوله تعالى:لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا[1]فإنّ المقدّم و هو ثبوت آلهة غير اللّه محال، و كذا فسادهما محال أيضا، مع ثبوت التلازم بينهما، فجاز صدق النتيجة و هي: و لو علم اللّه فيهم خيرا لتولّوا و هم معرضون، فإنّ المقدّم هنا محال، لأنّ العلم مطابق للمعلوم، و علم الخير ممّن لا خير فيه محال، فجاز أن يستلزم المحال، فهذا خلاصة ما قاله أدام اللّه ظلاله، و بلغه في الدّارين آماله، و ضمّ بالصالحات أعماله.
و الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على سيّد المرسلين محمّد النّبي و آله الطيّبين الطّاهرين و سلّم تسليما، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه بلغ عرضا و قبالا بنسخة الأصل الّتي بخط المصنّف دام ظلّه، فصحّ إلّا ما زاغ عنه النّظر و حسر عنه البصر، و كتبي في شوّال سنة اثني عشرة و سبع مائة، كذا في المنتسخ. ابن محمد إبراهيم، خليل اللّه الحسيني شهر شوّال سنة 1077.
[1]سورة الأنبياء[21]: 22.
نام کتاب :استقصاء النظر في القضاء و القدرنویسنده :العلامة الحليجلد :1صفحه :94««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»فرمت PDFشناسنامهفهرست