إذا لم تكن المنفعة المقصودة منه مشروطة الطهارة فالدهن المتنجس أو العجين المتنجس إذا باعه أو وهبه يخبر بتنجسه. و أما لو أراد بيع الفرش المتنجس أو الكتاب أو الثوب المتنجس فلا يجب الإعلام بالنجاسة. ففي المحكي عن كتاب قرب الإسناد قال سألت الصادق (ع) عن رجل أعار رجلا ثوباً فصلى فيه و هو لا يصلي فيه قال (ع): لا يعلمه. قلت: فإن أعلمه قال يعيد.
(و منها) وجوب حفظ المساجد عن النجاسات بمعنى حرمة تلويثها بالنجاسة و وجوب إزالتها عنها بجميع أجزائها من أرضها و سقفها و جدرانها و أبوابها و شبابيكها و كل ما عد من أجزائها وجوباً كفائياً فوريا فورية عرفية.
(و منها) وجوب إزالة النجاسة عن الأواني في مقام استعمالها بما هو مشروط بالطهارة كالأكل و الشرب و الغسل و الوضوء إذا استلزم استعمالها تنجس المأكول و المشروب و الماء الذي فيها.
(و منها) حرمة أكل و شرب النجس و المتنجس. نعم لا بأس بذلك للأطفال إذا لم يكن مضراً لهم و إلا يجب على الولي أن يردعهم عنها كما يحرم سقيهم المسكرات.
(و منها) إنه يجب إزالة النجاسة للطواف واجباً كان أو مندوباً. نعم يعفى من ذلك ما عفي من النجاسات في الصلاة.
(و منها) وجوب إزالة النجاسة عن مكان سجود الجبهة في الصلاة دون باقي الأعضاء إلا إذا كانت النجاسة تسري لبدنه أو ثوبه.
(و منها) إن النجاسة و هكذا الطهارة تثبت بالعلم الوجداني و بالاستصحاب و بالبينة و بإخبار الواحد إذا كان خبره يورث الوثوق و الاطمئنان و بإخبار ذي اليد إلا في العصير إذا أخبر ذو اليد انه طبخ و ذهب ثلثاه و كان ظاهر الحال يخالفه فانه لا يقبل قوله.
(و منها) إن النجاسة إذا تعددت فإن تساوت في الحكم تداخل مقتضاها و ان اختلفت في الحكم كانت الطهارة تابعة لأكثرها أثراً فمثلًا لو أصاب الثوب مني و دم كان الواجب بعد الإزالة لعينهما هو الغسل مرة واحدة و لو أصابه بول و مني كان الواجب في مقام تطهير الثوب هو الغسل مرتان لأن البول يقتضي ذلك.
المطهرات
الماء
(الأول منها) هو الماء المطلق دون المضاف و يشترط في التطهير به سواء كان كثيراً أو قليلًا أمور:
(أحدها) وصول الماء إلى المحل الذي وصلت إليه النجاسة من ظاهر المتنجس أو باطنه. فلو كان الماء لا يصل إلى باطن المتنجس كالذهب و الفضة و الرصاص إذا تنجست عند ذوبانها ثمّ انجمدت فانه يغسلها لا يطهر إلا ظاهرها دون باطنها.
(ثانيها) زوال عين النجاسة حتى لو غسل المتنجس عدة غسلات و كانت عين النجاسة باقية لم يطهر ذلك المتنجس. نعم بقاء أثر النجاسة كالريح و الطعم و اللون لا يمنع من الطهارة بالغسل. فالمتنجس بالدم إذا بقي لون الدم فيه لا يمنع من تطهيره بالغسل و هكذا بقاء رائحة الميتة بل لا يضر حتى بقاء خشونة المحل إذا كانت عين النجاسة قد زالت.
(ثالثها) بقاء المتنجس على حقيقته التي هو عليها إذ لو خرج عن حقيقته بالتطهير لم يكن التطهير له بل لغيره فمثلا إذا كان الطين أو السكر أو القند متنجساً بنجاسة ممتزجة
بجميع أجزائه فإن طهارته إنما تكون بالغسل له بالماء على نحو يصل الماء لجميع الأجزاء المتنجسة و حينئذ تذهب حقيقة الطين و السكر و القند لانتشار أجزائها في الماء و اختلاطها به و عنده لم يكن هذا الغسل غسلًا و تطهيراً لها لانتفاء الموضوع نظير استهلاك البول في الماء الكثير فانه ليس بتطهير للبول.
(رابعها) عدم صيرورة الماء مضافاً فلو كان المتنجس عند غسله و تطهيره يصير الماء مضافاً لم يطهر بهذا الماء فلو كان المتنجس عند إلقائه في الكر يصير ماء الكر مضافاً لم يطهر بهذا الماء و هكذا لو صار عند صب الماء عليه مضافاً. نعم لو صار بعد الغسل به مضافاً طهر به.
(خامسها) أن لا يتغير أوصاف الماء الثلاثة اللون و الطعم و الرائحة بنجاسة المتنجس عند غسله و تطهيره بالماء، فلو تغير الماء بنجاسة المتنجس قبل انتهاء الغسل به لم يطهر بهذا الماء و لا يكفي عدم تغير الماء قبل ملاقاة المتنجس بل لا بد من عدم تغيره إلى حين تحقق الغسل به. نعم لو تغير الماء بالمتنجس دون نجاسته أو تغير بالنجاسة بعد تحقق الغسل به لم يضر ذلك بطهارة المتنجس.
(سادسها) طهارة الماء المستعمل في التطهير قبل الغسل به.
(سابعها) التعفير في الولوغ فانه شرط للتطهير سواء كان بالقليل أو المعتصم. و يختص (التطهير بالماء القليل) بشروط زائدة على هذه المذكورات فانه لا بد فيه مع الشروط المذكورة أمور:
(أحدها) الغسل بالماء دون الصب بعد إزالة عين النجاسة: و الغسل يختلف بحسب اختلاف الموارد، ففي بعض الموارد يحتاج تحققه إلى عصر المغسول و في بعضها إلى كبسه أو تغميزه أو فركه أو دقه أو تثقيله و نحو ذلك مما يوجب صدق الغسل عرفاً، و الميزان هو صدق الغسل بأي نحو كان دون الصب. و لو فرض في مورد صدق الغسل بالصب كفى.
و الحاصل انه من المواضيع العرفية يتبع في تحققها نظر العرف و يستثنى من ذلك بول الصبي قبل أن يأكل الطعام سواء أصاب البدن أو الثوب و أبوال ما لا يؤكل لحمه إذا أصابت البدن فانه يكفي الصب عليها و إن فرض أن الغسل لا يصدق عليه كما سيجيء إن شاء اللّه، هذا إذا كان التطهير بالماء القليل و أما إذا كان بالماء المعتصم كالكر و المطر فلا يعتبر في التطهير به الغسل بل يكفي استيلاء الماء على المتنجس بعد إزالة عين النجاسة و إن لم يصدق الغسل.
(ثانيها) ورود الماء على المتنجس فلو ألقي المتنجس على الماء القليل لم يطهر به. نعم في التطهير بالمعتصم كالمطر و الكر لا يعتبر فيه ذلك.
(ثالثها) تعدد الغسل أو الصب و هو معتبر في التطهير من البول و تطهير الأواني بالماء القليل بعد إزالة عين النجاسة فقط، أما في باقي النجاسات و في غير الأواني من المتنجسات و في التطهير بالماء المعتصم فلا يجب تعدد الغسل في التطهير بعد إزالة عين النجاسة.
(رابعها) إزالة الغسالة المزيلة لعين النجاسة بالعصر و نحوه و لو بالتجفيف بحيث لم يبق منها إلا الذي لم يعتد به عرفاً كالباقي بعد العصر و الباقي على البدن بعد إزالة النجاسة عنه بالماء فانه لا يضر بالتطهير بالماء القليل و أما في الماء المعتصم فلا يعتبر ذلك.
التطهير من البول
يعتبر في التطهير من البول بالماء القليل إذا أصاب الثوب أو كل ما يرسب فيه البول كالفرش و نحوه الغسل مرتين و إذا أصاب البدن أو كل ما لا يرسب فيه البول كالحجر الأملس الصلب الصب مرتين و لا فرق في ذلك بين بول الإنسان أو غيره من أبوال ما لا يؤكل لحمه. نعم بول الصبي قبل أن يأكل الطعام يكفي الصب عليه بالماء مرة واحدة سواء أصاب البدن أو الثوب أو نحوهما و يستثنى من ذلك كله الأواني فان لها حكم خاص سيجيء إن شاء اللّه عن قريب كما إن الاستنجاء من البول يجيء الكلام فيه إن شاء اللّه عن قريب.
و الظاهر أن ما ذكرناه إنما هو بعد زوال عين النجاسة بالجفاف أو الماء أو غير ذلك. و الغسل أو الصب المزيل للعين لا يحسب منها و ماؤه نجس بخلاف الواقع بعده من الغسل أو الصب فهو طاهر كما تقدم إن الغسلة المزيلة نجسة و المطهرة طاهرة. و لا يقوم مقام الغسلتين أو الصبتين استمرار صب الماء، و أما التطهير بالماء المعتصم كالكر و المطر فلا يعتبر فيه ذلك بل يكفي فيه استيلاء الماء على موضع النجاسة بعد إزالة عينها.
التطهير من سائر النجاسات
و سائر النجاسات ما عدا البول يكفي في التطهير منها بعد إزالة عينها بأي نحو كان الغسل مرة واحدة في الماء القليل و في الماء المعتصم يكفي بعد إزالة عينها استيلاء الماء عليها ما عدا الأواني فان لها حكماً خاصاً سيجيء إن شاء اللّه عن قريب، و هكذا المتنجس بالمتنجس بها فان حكمه حكم المتنجس بسائر النجاسات.
تطهير الأواني
يعتبر في تطهير الأواني المتنجسة بالماء القليل غسلها بالماء ثلاث مرات بعد إزالة عين النجاسة عنها بأي نحو كان و الغسلة المزيلة للعين لا تحسب منها، و يستثنى من ذلك أمران:
(أحدهما) الإناء الذي ولغ فيه الكلب فانه لا يطهر إلا بغسله بالتراب مرة ثمّ بالماء مرتين و يلحق بالولوغ لطع الكلب للإناء و لا يلحق بذلك عرق الكلب و لا سائر رطوباته و لا إدخال أعضائه في الإناء بل حكم ذلك حكم سائر النجاسات إذا أصابت الإناء كما لا يلحق بالإناء باقي الأشياء التي تتنجس به بل حكمها حكم المتنجس بسائر النجاسات من الغسل مرة. و يجزي الغسل بالتراب و لو بواسطة الآلة كما لو كان رأس الإناء ضيقاً. و لا يجب التكرار لو ولغ فيه عدة كلاب قبل التطهير.
(ثانيها) الإناء المتنجس بشرب الخنزير منه و الإناء الذي مات الجرذ فيه فانه يعتبر في تطهيرهما غسل الإناء سبعاً. و أما إناء الخمر و إن كان ورد في تطهيره الدلك باليد مع غسله ثلاث مرات لكن الظاهر أن المراد بالدلك إزالة عين النجاسة فيكون حكمه حكم المتنجس بسائر النجاسات و لا خصوصية له عليها. هذا كله في تطهير الأواني بالماء القليل، أما تطهيرها بالماء المعتصم فيكفي فيه استيلاء الماء عليها مرة واحدة فيما عدا ولوغ الكلب فانه لا بد من الغسل بالتراب أول مرة ثمّ غسله في الماء المعتصم مرة واحدة.
تطهير العجين و نحوه
إذا أصاب ظاهر العجين نجاسة دون باطنه فانه يطهر بعد إزالة عين النجاسة عنه بصب الماء عليه أو استيلاء الماء المعتصم عليه. و أما إذا تنجس باطنه كما لو عجن بماء متنجس فيمكن تطهيره بأن يخبز أو يجفف نفس العجين و يوضع في الماء المعتصم كالكر و نحوه حتى يعلم وصول الماء إلى سائر الأجزاء المتنجسة. و في مرسلة الصدوق قال دخل أبو جعفر (ع) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوك معه فقال (ع): تكون معك لآكلها إذا خرجت فلما خرج قال (ع) للمملوك: أين اللقمة؟ قال أكلتها يا ابن رسول اللّه (ص). فقال (ع) انها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة فاذهب فأنت حر فاني أكره أن استخدم رجلا من أهل الجنة.
المائعات المتنجسة
هي كما عرفت لا تطهر و إذا استهلكت بالماء المعتصم خرجت عن الإضافة و صارت ماءً مطلقاً و معه تنتفي حقيقتها. نعم لو أمكن إخراجها بعد ذلك منه كانت طاهرة كما يقال في ماء الحصرم إذ استهلك في كر فانه بعد غليانه يبقى ماء الحصرم و حينئذ فيكون طاهراً، و هكذا الدهن المتنجس إذا وضع في ماء يبلغ كراً و قد غلى فيخلط الدهن به حال غليانه فإن الدهن بعد برودة الماء يجمد و يكون طاهراً ما لم يخرج الماء عن الإطلاق.
تطهير الذهب و الفضة
و هكذا علم حال الذهب و الفضة و الأواني الفرفورية أو الزجاجية فانها إن تنجس ظاهرها أمكن تطهيرها بالماء القليل و الكثير و إن تنجس ظاهرها و باطنها كما لو صنعت من مادة متنجسة كان ظاهرها يطهر بالماء القليل أو الكثير دون باطنها لعدم وصول الماء إليه فلو زال ظاهرها كأن كثر استعماله و ظهر من باطنها المتنجس شيء وجب تطهيره.
تطهير الأرض
و هكذا يعلم حال الأرض المتنجسة و الخزف و الآجر و الترب التي يسجد عليها و الحبوب كالحنطة و الشعير و السمسم المتنجسة فان النجاسة إن كانت لم تنفذ إلى باطنها ازيل عينها وصب عليها الماء و قد طهرت حتى الأرض لان ماء الغسالة المطهرة كما عرفت طاهر. نعم إزالة عين النجاسة يكون بغير الماء إذا كان الماء ينفذ فيها لان ماء الغسالة المزيل للعين نجس كما عرفت، و إن كانت النجاسة قد نفذت لباطنها فلا بد من تطهيرها من استيلاء الماء المعتصم كالكر و الجاري على أجزائها المتنجسة بحيث يصل إليها دون أن يخرج عن الإطلاق و لو بوضعها مدة في الماء المعتصم. و منه يعلم حال الصابون إلا انه يخفف الأمر فيه إنه لو تنجس بعد صيرورته صابوناً لم تصل النجاسة إلى باطنه كما ذكر لي ذلك بعض الأفاضل و لا اقل من الشك و هو كاف في المقام.
تطهير اللحوم و نحوها
أما اللحوم و الشحوم و اللبن الرائب و الجبن إن تنجس ظاهرها فيكفي غسل ظاهرها و لا تمنع الدسومة التي عليها من التطهير فانها كالدسومة الّتي علي بدن الإنسان و لو تنجس ظاهرها و باطنها فمقتضى ما ذكرناه هو عدم الطهارة ما لم يعلم بوصول الماء المطهر لباطنها كأن توضع في الماء المعتصم حتى ينفذ في أعماقها. نعم يمكن أن يمنع من وصول
النجاسة لباطن اللحم و الشحم حتى لو طبخ في متنجس و إنما البخار و الحرارة هي التي تطبخ باطنه و يكفينا في هذا المقام الشك و حينئذ يمكن تطهيره فيمكن تطهيره بالماء القليل بصبه و قد ورد عن أبي عبد اللّه (ع) ان أمير المؤمنين (ع) سأل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة قال: يراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل.
تطهير الثوب المصبوغ
و مما ذكرنا يعلم حال الثوب المصبوغ بالمائع المتنجس فان الصبغ إن لم يكن له جرم و إنما هو لون فقط كان حكم الثوب حكم الثوب المتنجس بالنجاسة و إن كان له جرم فلا بد في تطهيره من حصول العلم بنفوذ الماء إلى جميع أجزائه على نحو لا يوجب خروج الماء عن الإطلاق إلى الإضافة و هكذا حال الصبغ على البدن إذا كان متنجساً كالحناء و نحوها مما يصبغ الشعر به فانه بعد إزالة جرمه و إن بقي لونه يطهر البدن منه بالماء.
تطهير الملح و السكر
و هكذا يعلم حال السكر و القند و الملح فانه لا يطهر حتى بالكثير إذ أنه لا ينفذ إليه الماء إلا و صار مضافاً فيكون الماء حال التطهير به مضافاً و قد عرفت انه لا بد و ان يكون مطلقاً. إلا إذا تنجس ظاهره و أمكن إزالة عين النجاسة منه.
فائدة مهمة
انه قد ظهر مما قدمناه انه بعد إزالة عين النجاسة عن المتنجس سواء كان البدن أو الثوب أو الفرش أو الإناء أو غير ذلك فعند غسله و تطهيره إذا أصاب الماء ما اتصل بالمحل المتنجس أو المحل المنفصل عنه أو المحل المنضم إليه لم يتنجس به لأن ماء الغسالة المطهرة كما تقدم منا ليس بنجس فلو كان زنده متنجساً و بعد إزالة عين النجاسة عنه صب عليه الماء و أصاب كفه لم يتنجس كفه. و عليه فما تعارف هذه الأيام في غسل الكأس و القدح بعد إزالة عين النجاسة من أن يوضع فيه الماء ثمّ توضع اليد على أعلاه ثمّ الماء فيه و هكذا بصنع ثلاث مرات فالمتقاطر منه على الإنسان و الذي أصاب اليد ليس بنجس.
التطهير بالاستنجاء
و هو تطهير مخرج البول أو الغائط. و يعتبر في تطهير مخرج البول أن يكون غسله بالماء دون غيره و يكفي في الغسلة الواحدة المزيلة لعين النجاسة. و لا فرق بين مخرج البول للذكر أو الأنثى أو الخنثى و بين المخرج الطبيعي و غيره و المعتاد و غيره. و لا يجب دلك مخرج البول عند تطهيره إلا إذا صار مع البول شيء لا يزول إلا بالدلك كالمذي. و مع الشك في صيرورة مثل ذلك مع البول يبنى على عدمه. و أما تطهير مخرج الغائط فيكفي فيه الغسل بالماء لما ظهر منه إذا تلوث بالغائط عند خروجه منه دون باطنه فانه لا يجب غسله بإدخال الأصابع في الدبر. و يكفي الغسلة الواحدة الموجبة لنقاء المحل من الغائط و لا يضر بقاء الرائحة أو اللون بعد نقاء المخرج بالماء. و عليه فما تعارف في هذه الأيام في الفنادق الحديثة من إيجاد مقعد يخرج منه الماء بقوة منقية لمخرج الغائط يكون مطهراً للمخرج. و يجزي في خصوص التطهير من الغائط دون البول الأحجار المزيلة لعين النجاسة بشروط:
(أحدها) أن لا تكون الأحجار أقل من ثلاثة و ان زالت عين النجاسة بأقل من ذلك و لا يكفي استعمال الحجر الواحد من ثلاث جهات من غير فرق بين استيعاب الأحجار للمحل في كل مسح و بين توزيع المسحات على أجزاء المحل:
(ثانيها) إن لا يتعدى الغائط عن المخرج على وجه لا يصدق عليه الاستنجاء.
(ثالثها) أن تزداد الأحجار على الثلاثة إذا لم تذهب عين الغائط بالثلاثة حتى تزول العين.
(رابعها) أن لا تكون الأحجار متنجسة و يمسح بالموضع المتنجس منها.
(خامسها) أن لا تكون في الحجر رطوبة مسرية و إلا لتنجست تلك الرطوبة و يكون ما يستنجي به متنجساً.
(سادسها) أن لا يكون مع الغائط نجاسة أخرى كأن خرج معه دم أو أصابه من الخارج نجاسة كالبول. و يقوم مقام الأحجار بالشروط المذكورة غيرها من الأجسام الطاهرة القالعة للنجاسة كالكرسف و الخزف و الخرق ففي صحيحة زرارة ان علي بن الحسين (ع) كان يتمسح من الغائط بالكرسف و لا يغتسل و يستثنى من ذلك الروث و العظم و الأعيان النجسة و الأجسام الصقيلة التي لها صيقلة و ملامسة تمنع من قلع النجاسة بها الذي هو شرط التطهير. و عليه فيصح الاستنجاء من الغائط بالكاغد المزيل لعين النجاسة بشروط الستة المذكورة. نعم لا يجوز الاستنجاء بالأجسام التي لها حرمة تمنع من الاستهانة بها.
و يلحق في المقام مطلبان الأول في التخلي و الثاني في الاستبراء:
التخلي
و يجب في التخلي أن يجلس المتخلي بحيث لا يرى عورته إنسان و لو لظلمة أو بعد عن الناس أو عدم الناظر و يستثنى من ذلك الزوج بالنسبة لزوجته و للزوجة بالنسبة لزوجها و المملوكة بالنسبة لمالكها إذا كان يجوز له وطؤها و المحللة بالنسبة إلى المحلل له و الطفل غير المميز و المضطر سواء كان في حال التخلي أو غيره. و العورة في الرجل هي الدبر و القضيب و البيضتين، و في المرأة هي الدبر و الفرج.
و هكذا يحرم عند التخلي استقبال القبلة و استدبارها في الأبنية و الصحارى و لا يحرم ذلك عند الاستنجاء. و المراد بالاستقبال و بالاستدبار هو المعنى العرفي لاستقبال البدن و استدباره لا الاستقبال و الاستدبار بالعورة فقط.
كيفية الاستبراء و فائدته
و فائدة الاستبراء بعد البول صحياً هو عدم تخلف البول في المجرى إذ تخلفه فيه ينتج أمراضا مرهقة و التهابات مزمنة بل له نوع تأثير على النسل حيث يختلط بالمني فيفسد الرحم و يؤثر على جهازه و انتاجه. و فائدته الشرعية هي عدم جريان حكم البول على الرطوبة المشتبهة الخارجة من المجرى بعد البول و الأفضل فيه أن يخرط بالوسطى من يده اليسرى من المقعد إلى أصل الذكر أعني الانثيين ثلاثاً و يعصر من اصل الذكر إلى طرفه ثلاثا ثمّ ينتره ثلاثاً. و لا يعتبر في التنحنح. و الصبر قبله هنيئة و إذا شك من لم يستبرء أنه خرجت منه رطوبة مشتبهة أم لا بنى على عدم الخروج و إن ظن الخروج. و ليس على المرأة الاستبراء. و القول بأنها تستبرئ عرضاً أو تصبر قليلا و تتنحنح و تعصر فرجها عرضاً لا دليل عليه و الرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة و عدم الناقضية للوضوء.
تطهير الميت
قد عرفت إن الإنسان إذا مات تنجس و لكن تغسيله ثلاث مرات الأولى بماء مصاحب للسدر و الثانية بماء مصاحب للكافور إلا إذا كان محرماً فلا يجعل فيه و الثالثة بماء القراح كغسل الجنابة موجب لتطهيره و عدم نجاسته على تفصيل سيجيء إن شاء اللّه في مبحث الاغسال و تقدم قسم منه في مبحث الميتة.
الشمس
(الثاني من المطهرات) الشمس و إنما هي تطهر الأرض بتوابعها من الرمل و الحصى و التراب و المعدن و تطهر الأبنية بتوابعها كالجداران و الآجر و الشبابيك و الجص و القير و الطين و تطهر النباتات و الأشجار بتوابعها كالأوراق و الأثمار و الأزهار، لكن كل ذلك ما دامت تابعة لمواضيعها المذكورة فإذا انفصلت عنها لم تطهر بها و تطهر الحصر و البواري و كل ما لا تجري العادة بنقله كالظروف المثبتة في الأرض. و لا فرق في التطهير بالشمس بين البول و سائر النجاسات و لكن يشترط في التطهير بها أمران:
(أحدهما) زوال عين النجاسة منها و لذا لا تطهر الشمس المجزرة و لا الكنيف لوجود عين النجاسة فيها.
(ثانيهما) أن يحصل التجفيف عن النجاسة بإشراق الشمس عليها و لو بفعل المكلف بأن يرش الماء على موضع النجاسة. و بعبارة أوضح لا بد من رطوبة المحل ليستند ذهاب النجاسة إلى إشراقها و أصابتها فلو جف قبل الإشراق ثمّ أشرقت الشمس عليه لم يطهر كما لو جف ما تحت الظل و إن استند إلى حرارة الشمس لم يطهر. و هكذا لو وضع حصير على حصير أو حجر على حجر و كانا متنجسين لم يطهر بالشمس إلا ما أصابته منهما دون الآخر. نعم إذا كانت رطوبة النجاسة التي أصابت الأرض أو الحصير و نحوهما قد أثرت في الباطن و جف الظاهر و الباطن بإشراق الشمس على الظاهر طهر الظاهر و الباطن جميعاً. كما انه يكفي في مطهرية الشمس استناد الجفاف إليها عرفاً فلا يقدح مدخلية الريح أو حرارة الهواء فيه بحسب الدقة العقلية إذا كان يصدق عرفاً استناد التجفيف إلى إشراق الشمس.
الاستحالة
(الثالث من المطهرات) الاستحالة إلى الطاهر و هي الانتقال من حقيقة إلى حقيقة أخرى لا مجرد طريان اسم آخر بل كلما انتقل النجس أو المتنجس إلى موضوع آخر عند العرف بحيث يكون في نظرهم انه تبدل إلى موضوع مغاير له لا انه تبدل حال من حالاته أو صفة من صفاته. إلا انه قد تقدمت الإشارة إلى ان عد مثل ذلك من المطهرات مبنى على التسامح، و كيف كان فالبول و الغائط بل و سائر الأعيان النجسة إذا استحالت إلى بخار أو دخان أو رماد كان طاهرا و هكذا الماء النجس إذا استحال بولًا أو لبناً أو عرقاً أو لعابا لحيوان مأكول اللحم يكون طاهراً. و من هذا الباب صيرورة الغائط و البول و الدم و الغذاء النجس جزءا من البقول أو الأثمار أو الحبوب فانها تكون طاهرة. و هكذا لو استحالت العذرة دوداً فإن الدود يكون طاهراً. و مثل ذلك الكلب و الخنزير و سائر الأعيان النجسة إذا وقعت في التراب أو الملح فاستحالت ترابا أو ملحا فانه يكون طاهرا. نعم لو كانت رطوبة مسرية تعدت نجاستها إلى الملح أو التراب الذي وقعت فيه بخلاف ما إذا لم تكن رطوبة مسرية كان الجميع طاهراً، و مع الشك في وجود الرطوبة المسرية فالأصل الطهارة للشك في عروض النجاسة على التراب أو
الملح. و لا فرق في ذلك بين الأعيان النجسة و بين المتنجسة و لو شك في ان المستحيل إليه حقيقة أخرى عند العرف أم لا يحكم أيضا بالطهارة كما لو شك في ان صيرورة الخشب المتنجس فحماً من قبيل تبدل الموضوع إلى موضوع آخر عند العرف أو من قبيل تبدل الحالات و الصفات فانه يحكم بالطهارة أيضا.
الانقلاب
(الرابع من المطهرات) الانقلاب و الفرق بينه و بين الاستحالة هو ان التبدل فيها إنما يكون تبدلًا بالحقيقة كصيرورة الخشب رماداً بخلاف الانقلاب فان التبدل فيه إنما يكون بالوصف أو الحال مع بقاء الموضوع و كيف كان فالانقلاب إنما يطهر الخمر بل سائر المسكرات المائعة إذا انقلبت خلًا بنفسها أو بالعلاج بشرط عدم تنجسها بنجاسة أخرى كأن وقع عليه دم أو نحوه. و متى طهرت بانقلابها خلًا يتبعها في الطهارة إناؤها و الآلات المصاحبة لها المتصلة بها حال الانقلاب دون المنفصلة عنها في هذا الحين و هكذا يطهر الانقلاب سائر الأجسام التي جعلت في المسكرات بانقلابها خلًا كالملح و الخل التي تجعل في الخمر لقلبه خلًا. و لو نقص المسكر عن الإناء بعد كونه مملوءاً به فانقلب المسكر خلًا طهر الجزء الأعلى من الإناء و لا يجب ثقب الإناء من أسفله لإخراج الخل. و لو استهلك الخمر في الخل تنجس الجميع و على هذا تنزل رواية أبي بصير عنه (ع) عن الخمر يجعل خلًا قال (ع) لا بأس إذا لم يجعل فيها ما يغلبها. و لو شك في الانقلاب يحكم بالنجاسة.
ذهاب الثلثين
(الخامس من المطهرات) ذهاب الثلثين و هو إنما يكون مطهراً للعصير العنبي عند ما يكون مسكراً. و لا فرق في ذهاب الثلثين بالنار أو بالشمس أو بغير ذلك كما لا فرق بين ذهاب ثلثيه بالمساحة أو الكيل أو الوزن و مع الاختلاف تقدم المساحة و كما يطهر العصير المسكر بذهاب ثلثيه كذلك يطهر بتبعه انائه الذي ذهب فيه ثلثاه و الآلات التي يزاولها العامل حال ذهاب ثلثيه. و لو شك في اسكار العصير بنى على عدمه. و لو شك في ذهاب الثلثين بنى على عدمه.
الانتقال
(السادس من المطهرات) الانتقال و هو قريب من الاستحالة فانه عبارة عن حلول النجس في محل آخر حكم الشارع بطهارته عند نسبته لذلك المحل و يعتبر فيه صدق النسبة إلى ذلك المحل الآخر على سبيل الحقيقة فلو شك في صدق النسبة بعد الانتقال كما إذا دخل شيء من النجاسات في بطون بعض الحيوانات المأكولة اللحم و لم يستقر فيها حتى يعلم صدق نسبته إليها لم يحكم بالطهارة كما لو شرب الحيوان الدم و لم يستقر في جوفه حتى ذبح و اخرج منه كان الدم باقيا على نجاسته لعدم إحراز صدق نسبته إليه و لهذا كان دم العلق بعد مصه من الإنسان نجس بخلاف دم البق و البرغوث و القمل و الحر مس و أشباهها. و لا فرق بعد صدق النسبة حقيقة بين الحيوان و بين غيره و لا بين الدم من النجاسات و بين غيره فلو شرب الشجر أو النباتات متنجسا طهر لصدق النسبة للشجر و النبات حقيقة و التحقيق إن الانتقال إذا لم يرجع إلى تبدل الموضوع عند العرف لم يكن مطهراً و أما دم البق و البرغوث فهما طاهران لورود الأخبار بذلك. و لعل من ذلك نقل عين الميت أو يده أو نحو ذلك إلى الحي.