إنّ أحد دواعى الخوض في هذا البحث و كتابته هو ما انطبع خطأً عند جملة من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى و أهل الحلّ و العقد عندهم أنّ مذهب الإمامية حيث تبنّى في الآونة الأخيرة إقامة الحكومة الرسمية، فهو بمثابة الإعلان منهم بالتخلّى من اشتراط العصمة في الإمامة و القيادة السياسية العُليا و أنّ النظام آل عندهم بنائه على قاعدة الشورى- بمعناها المقرّر عندهم و هى حاكمية الأكثرية، لا بمعناها القرآنى و هي المداولة العلمية الفكرية و جمع الخبرات و المعلومات و الانفتاح الفكرى و العلمى و المعلوماتى- و أنّ هناك حالة تمذهب جديد و ظهور لمذهبية بازغة للتوِّ فيهم و هى و إن كانت غير محسوسة لدى الروّاد عندهم فضلًا عن أوساط قاعدتهم بنحو متميّز إلّا أنّ ظهور المذهبية في طبيعة بَدْوِها لا يُستشعر بها إلّا أنّها تأخذ في التنامى و الظهور و التشكّل و البروز كلّما تمادى المسار، فتبدأ من إطار فكري مبتني على متبنيّات عقديّة يرتكز عليها و لو بنحو الإبهام فتُضفي بظلالها على المنهاج الفقهى و السياسى و منابع التراث و مستنداتها.
و كلّ ذلك الوهم ناشئ من عدم القراءة العلمية العميقة إلى الأسس الاعتقادية التى يتبنّى عليها النظام السياسي عند الإمامية و كيفية تأثير تلك الأصول الاعتقادية على طابع النظام السياسي، مضافاً إلى عدم تفرقتهم بين سعة دائرة الدين و الشريعة و ضيق دائرة النظام السياسي الاجتماعى و أنّ الإمامية متقيّدة في كلّ صغيرة و كبيرة بالكتاب و العترة و أنّ موقعية حجّية العترة لديهم هى الحجّية الذاتية نظير حجّية الكتاب، لا كحجّية طريقية كفتاوى الفقهاء و أخبار الرواة، سواء على مستوى المعارف الاعتقادية أو الفروع العملية و إذا كانت دائرة الفروع العملية أوسع بكرّات و مرّات من دائرة النظام السياسى، فضلًا عن دائرة المعارف الاعتقادية و الآداب و السنن، فكيف يتوهّم انحصار موقعيّة الإمامة في ضيق تلك الدائرة فقط؟
فهذا الوهم الخاطئ ناشئ- في أحسن تقاديره لو حمل على الصحّة- من السطحية في القراءة الأديانية و المذهبيّة و حقيقة موقعية الإمامة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ فإنّ خليفة المسلمين بالفعل في العصر الراهن في اعتقاد الإمامية و الإمام المنصوب مِن قِبل
اللَّه تعالى إنّما هو المعصوم- و هو المهدى عجل اللَّه ظهوره على السطح عياناً أمام الملأ- و أنّه الذى تنتهى إليه الولايات و الصلاحيّات و أنّ كلّ التشريعات العامّة و الأحكام و القواعد مأخوذة عن الكتاب و العترة، فأين تخلّى الإمامية عن ذلك؟ و هل نبذت الإمامية اتّباع أهل البيت و الأخذ عنهم بما هم أسباب اتصال بين الأرض و السماء و أنّهم الكتاب المبين الناطق الذى نصبهم اللَّه و رسوله قَيّمين على المصحف، مبيِّنين للوح المحفوظ و الكتاب المكنون، لا بما هم رواة و فقهاء؛
فهل رَسى النظام العقائدى للإماميّة الراهن القائم في هذا اليوم إلّا على ذلك و على معارف أهل بيت النبوة و كذلك نظام السنن و الآداب عندهم و نظام القضاء و نظام الفتيا و التشريعات العامّة و غيرها من الأنظمة و هل استحلّ أحد من علماء الإماميّة لنفسه نبذ ذلك؟ و رفع يده عن التمسك بكلّه؟
و هذا البحث في الحقيقة محاولة للقراءة الاعتقادية لأسس النظام السياسى الذى ترسمها الإمامية في عصر غيبة الخفاء و السرّية لحركة الإمام المهدى- عجل اللَّه فرجه- و نشاطه و أن هذا الأساس كلّه مبنىّ على النظام العقائدى عند أهل البيت عليهم السلام.
و أنّ مناعة البُنى العقائدية في منهاج أهل البيت عليهم السلام يلجئ التابعين لهم إلى البصيرة و الحصانة عن الانزلاق و الانتهاج إلى سبل الزائغة الأخرى، فإنّ الذاكرة التاريخية تتحفظ لنا بمحن و امتحانات مرّت بها الطائفة من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بقي فيها منهاج أهل البيت صلباً منيعاً لم تزلزله العواصف، بل ازداد تشعشعاً و وضوحاً و شَعتْ معالمه بأنوار كشفت المبهمات و أنارت السبيل بجلاء واضح، كلّ ذلك لما اشتمل عليه هذا الدين من إعجاز في نسيج مكوّناته؛ كيف و قد وعد اللَّه بإظهار دينه و إتمام نوره.
و قد بحثنا عن منظومة السياسة و السلطة وفق معطيات الشيعة الإمامية و مكتب أهل البيت عليهم السلام في برنامجنا الدراسية و قد قام بتحرير و تأليف ما تداولناه من هذه البحوث كلّ من العلّامة النبيل السيّد محمد حسن الرضوي و العلّامة الفهّامة الشيخ مصطفى الإسكندري- أدام اللَّه تأييدهما لخدمة الشريعة الغرّاء و الصراط الحق للفرقة الناجية- و هذا
الكتاب بمثابة الحلقة الأولى التي ستتبعها بقية الحلقات بمشيئة اللَّه تعالى.
محمّد السند
قم المقدسة
25- محرم الحرام- 1426 ه
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
إليكم
إنَّ جوهر الموقف الشرعى الشيعى من السلطة على وجه العموم يستجلى ممثّلًا- بعد الكتاب و السنّة- في المصنفات الفقهيّة الشيعية التى لم تتناول في معظم الأبحاث السياسية إلّا لماماً؛ فالسياسة الشرعية الشيعية بعدَ كون جذورها في الأصول الاعتقادية- خاصة الإمامة- هى موضوع فقهى و تتحدّد معالمها و أحكامها في المجال الفقهى.
و بدأنا رحلة شائكة لاقتفاء جذور الفقه السلطانى الشيعى منذ عصر النص الى الوقت الراهن و حاولنا قراءة في الجذور من زاوية كلامية و فقهية لاستكشاف الأسس التى رسمها مكتب أهل البيت عليهم السلام في مجال النظرية و التطبيق.
و استفدنا لخطواتنا في هذه الرحلة الشائكة من إرشادات و إفادات شيخنا الأستاذ المحقّق الفقيه آية اللَّه الشيخ محمّد السند- حفظه اللَّه تعالى- و قد قمنا بتحرير أبحاثه الأنيقة لفتح باب جديد في التحقيق.
و قد تداول شيخنا الأستاذ عرض تلك المباحث ضمن حلقات دراسيّة و محاضرات و مقالاتٍ من سنة 1417 إلى سنة 1426 الهجرية و افتخرنا بتلقّى هذه الدراسات و تدوينها و تنظيمها بجهدٍ و تتابعٍ طوال تسع سنوات.
و أبواب و فصول الكتاب الإجمالية تنقسم بشكل رئيسى إلى مجموعة مباحث في الحكومة تارة و أخرى في الحاكم و ثالثة في المحكوم.
كما أنّها ستتوزّع المباحث في السلطات المتنوعة التشريعية و التنفيذية و القضائية و كذلك في سلطة الإعلام و سلطة الرقابة و في الثوابت و القواعد الأساسية في النظام الاجتماعى السياسى و نظام الحكم و منظومات الأنظمة المختلفة، كما سيتمّ التطرق إلى ضرورة الحكومة و الجدل الدائر حول ذلك في عصر الغيبة و حقيقة دور المعصوم في هذه الفترة و دور نيابة الفقهاء و حقيقة الشورى في الحكم عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام و أنّها بمعنى اعتماد منهج الكيان و النظام الاستشارى و المؤسّسات العلمية أو أنّها بمعنى سُلْطَوي لتحكيم إرادة الأكثرية المتغلّبة، كما سيتمّ استيفاء البحث في الفصول التى هى مثار جدل وسيع في عصرنا الحاضر من بحث حقوق الأقلّيات و المعارضة و اختلاف تشكيل الأحزاب و حقوق الإنسان و حقوق المرأة و العدالة الاجتماعية و العولمة.
و قد احتوى هذا المجلد على بابين يتضمّنان فصولًا في المباحث العامّة الكلّية في الحكومة و الحاكم.
و يعدّ هذا الجزء كالحلقة الأولى من هذه الموسوعة السياسيّة و نسأل اللَّه تبارك و تعالى أن يوفّقنا لإنجاز ذلك المشروع الضخم الثري و نستمدّ من صاحب الولاية الكبرى الإلهية أن يشرقَ مسيرتنا بأنوار البصيرة و يفيض علينا الحكمة الربانيّة و يجعلنا خادماً للشريعة، و آخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
قم المقدسة/ ذو الحجة 1424 ه
محمّد حسن الرضوي
مصطفى الإسكندري
خطوات تمهيدية
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة