3 أساليب السلطة
على ضوء ما تقدّم في المباحث السابقة- من لزوم تنقيح الموضوع في أدلّة الأحكام و أنّ تنقيح الموضوع يتمّ على مراحل خمسة، أحدها مرحلة تنقيح و تحليل ماهيّة الموضوع و تحديد أجزائها الذاتية من قبل المتخصصين في مجال العلم الباحث عن ذلك الموضوع- فاللازم في المقام تنقيح ماهيّة أشكال الحكومة بحسب أنحاء وجودها، فإنّها قد اتخذت أشكالًا و أطواراً و صياغات و نُظُماً هيكلية عديدة جدّاً عبر التاريخ و تتدخّل عدّة علوم في بيان ذلك كعلم الإدارة و تاريخ القانون و التاريخ الاجتماعي و العلوم السياسية، و قد تناهت الأدبيات الأكاديمية من بعض تلك العلوم إلى أنّ هناك من ظواهر الحكومة البشرية المختلفة الأنواع وراء الحكومات الرسمية المعلَنَة في كلّ عصر، كما سيأتي بيان ذلك
وَ لنَجْرِدْ جملة منها- لا بنحو الاستقصاء-:
الأول: و هو الحكومة الرسمية المعلنة
على السطح- و قد تسمّى بحكومة الأمّ- التي قد تعرّف بالقدرة و القوة الغالبة في النظام الاجتماعي؛ و هي تكون ميزان التوازن لبقية القدرات الاجتماعية. و قد اتخذ هذا النمط من الحكومة أشكالًا مختلفة من النظُم عبر عصور التاريخ، و قد كانت ذات أجزاء و أعضاء بدائية بسيطة و أخذت في التضخّم شيئاً فشيئاً بحسب تنامي العدد البشري و بحسب نُظُم
المدينة و البلدان و طريقة المعيشة في التمدن الإنساني إلى أن آلتْ إلى الأشكال الموجودة في العصر الحديث في تقسّم السلطات إلى ثلاث مع بعض الفقرات الأخرى كالمحكمة الدستورية و مجالس أهل الخبرة و مراكز الدراسات المتنوعة على اختلاف في كيفية التقسيم و الضمّ و الاندراج.
الثاني: و هي الحكومات الصغيرة المتعايشة في ظلّ حكومة الأم
و هذه الحكومات تكون نصف رسمية، فلا هي معلنة تماماً و لا هي خفية تماماً، بل بين بين. و هي ذات أنواع مختلفة كنظام القبائل و العشائر و نظام الطائفة أتباع المذهب الخاص أو الدين الخاص أو النظام الداخلي في أتباع قومية و فِرقٍ خاصّة أو الشريحة الاجتماعية ذات القاسم المشترك، كطبقة التجار و أرباب الأموال الطائلة أو الطبقة المِهَنِيّة العاملة و غير ذلك من الشرائح الاجتماعية، و بالتالي فهذه القوى و القدرات الاجتماعية ذات نفوذ في بقعة من المجتمع إمّا جغرافية أو دينية أو عِرقية أو اقتصادية أو غيرها من الخرائط الاجتماعية.
و هذه القوى في ضمن مساحتها الاجتماعية، لها نفوذها الخاص في الأبعاد المختلفة، سواء في القضاء (التحاكم) و القدرة الماليّة و المسار الثقافي الخاص و المسار القانوني الخاص بها أيضاً في ضمن النظام الداخلي و قد تكون لها قوّة البطش الخاصّة، سواء يكون المسلح أو العسكري أو غيره.
و في تحليل الأدبيات التخصصية الأخيرة قد أدرجت المرجعية الدينية من أيّ دين من الأديان ضمن هذا النمط من الحكومة. و المتتبّع لحياة الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام يجد أنّهم عليهم السلام قد مارسوا هذا النمط من الحكومة و النفوذ كلّهم من دون استثناء حتى بدءاً من أمير المؤمنين عليه السلام خلال الخمسة و عشرين سنة؛ و منه يظهر أنّ التعبير عن تلك الحقبة بأنه عليه السلام جليس الدار تعبير مقلوب لا يتابع الحقيقة من جهة الدور الذي قام به عليه السلام و إن كان الغرض عنه بيان ما قامت به السقيفة من إزوائه و إقصائه عن رأس القدرة.
و كذلك كان دور الحسنين عليهما السلام و عبر هذا المنظار يمكن قراءة صلح الإمام الحسن عليه السلام من قراءة أخرى بأنّ صلحه عليه السلام لم يكن تنازلًا عن القدرة بتمام مراتبها و إنّما الحفاظ على القدرة بالنمط الثاني بعد امتناع تحقّقه بالنمط الأول. من ثمّ كان عامل الضغط بيده عليه السلام على حكومة معاوية كان ذلك العامل باقياً لديه عليه السلام، يقف به أمام جموح معاوية، فكانت لديه عليه السلام تمام الفرصة في محاسبة معاوية و التشديد عليه بنحو أقوى مما كان عليه أمير المؤمنين عليه السلام مع حكومة السقيفة.
و كذلك الحال في سيرة السجاد و الباقر و الصادق عليهم السلام و بلغ ذلك في عهد الكاظم عليهم السلام حتى أنّه جاء في تقرير أحد عيون هارون الرشيد بأنّه لا يمكن وجود خليفتين في أرض واحدة.
و هذا التقرير يوقف الباحث على حقيقة الحكومة و القدرة من النمط الثاني و أنّه يحصل التوازن و التدافع بين القدرة الاجتماعية في النمط الثاني و الحكومة الرسمية في النمط الأول و لعلّ إلى ذلك يشير ما ورد من أنّ الحسين عليه السلام بدا للَّه أن يكون مهدي آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم و كذلك بدا للَّه في موسى بن جعفر عليه السلام أن يكون مهدي آل محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و تلك تشير إلى مدى تنامي الحكومة الاجتماعية للأئمّة عليهم السلام في عهد الحسين و الكاظم عليهما السلام و كذلك يشير إلى ذلك اضطرار المأمون إلى تولية الرضا عليه السلام ولاية العهد بعده، مناورة منه أمام عامل الضغط من القاعدة الاجتماعية و هذا الذي يفسّر إقدام السلطة العباسية في جعل العسكريين عليهما السلام تحت الإقامة الجبرية في سامرّاء.
النمط الثالث: و هي حكومة القِيَم الاجتماعية
و ليس المقصود من تلك القيم، الآراء النظرية، بل تلك التي تحتلّ مكاناً في قناعة أفراد المجتمع و تمادت التربية الاجتماعية عليها بحيث يُرى مسير الشارع الاجتماعي على وفقها و تكون تلك القناعات محرّكات و بواعث تلقائية للمجتمع نحو الأفعال المناسبة لها.
و هاهنا تكمن خطورة أهميّة التواصي بالحقّ و التواصي بالصبر و التعاون على
البرّ و التقوى و عدم التعاون على الإثم و العدوان و التآمر بالمعروف و التناهي عن المنكر و تعارف المعروف و الحقّ و تناكر المنكر و الباطل و القاعدة الشرعية المتواترة بين الفريقين:
من سنّ سُنّة حسنة كان له ثوابها و ثواب من عمل بها إلى يوم القيامة و من سنّ سنّة سيئة ...
و هناك أحكام كثيرة في هذا الباب كلّها تصبّ في الحفاظ على حكومة الدين في هذا الباب نظير الأحكام المتعلّقة بالعادات الاجتماعية كحرمة التشبّه بالكفّار في اللباس و المأكل و نحوهما و كتعظيم الشعائر التي هي إحياء لمعالم الدين في البيئة الاجتماعية؛ فإنّ هذا الباب هو الذي تقوم به الظاهرة الاجتماعية الحاكمة على مسير الأفراد.
و هذه القدرة النافذة للقيم التي تعبّر بحكومة الاجتماع- أي القيم السائدة في المجتمع- لها تناسب معيّن مع الحكومة من النمط الأوّل، فإنّ النمط الأول و إن كان هو الظاهر الرسمي النافذ القدرة، إلّا أنّ النمط الثالث يتحكّم في حدود قدرة النمط الأول و ذلك بسبب تولّد النمط الأوّل من النمط الثالث و كون الثالث بمنزلة البنية التحتية للنمط الأوّل، فلا يقوى الأول على الاصطدام بالثالث، إلّا أن يفرض ممارسة التغيير للقيم و بالتالي تغيير نوعية النمط الثالث و من ثمّ يمكنه التعدّي عن ضوابط القيم السابقة إلى ضوابط القيم الجديدة. مثل ما قامت به الولاة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم و بنو أُمية و بنو العباس مثل ترويج عقيدة الجبر و ترويج القدرية و ترويج الاجتهاد بالرأي و الاكتفاء بالكتاب دون السنّة و سنّة العداء لأهل البيت عليهم السلام و الإزراء بالولاء لهم.
و إلى ذلك يشير ما ورد عنهم عليهم السلام: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول:
لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو
خياركم فلا يُستجاب لهم.[1]
و عن أمير المؤمنين عليه السلام:
قولوا الخير تُعرفوا به و اعملوا به تكونوا من أهله.[2]
و هذه الروايات تشير إلى معلولية نشوء نوعية النمط الأول من النمط الثالث و بملاحظة ذلك يتنبّه إلى البناء الذي شيّده النبي صلى الله عليه و آله و سلم في المسلمين و هو النمط الثالث بحدود معيّنة و درجات مخصوصة بحيث لم يتمكّن مجتمع القَبَلي و مُسلِمة الطُّلَقاء و بادية الأعراب و طوائف المنافقين و الذين برزوا على النفاق و في قلوبهم مرض من إزالة الدين و العود إلى أوثان الشرك.
فيظهر من التمعّن في هذا النمط بالغ خطورته و شدّة أهميّته و أنّه أدنى درجات الحكم بمعنى و أعلى درجاته بمعنى آخر.
أمّا كونه أدنى الدرجات فبلحاظ خفائه في وجود القيم، حيث إنّها إذعانات ذهنية غير مرئية للحسّ و إنّما يتلوّن السلوك الاجتماعي بها و أمّا كونه أعلى الدرجات، فلأنّها من أقوى أنماط و روافد القدرة و الحكومة على النظام الاجتماعي، و لذلك بالغت توصيات القرآن الكريم و السنّة النبوية و سنّة المعصومين عليهم السلام على باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كظاهرة اجتماعية بألسن و عناوين و قوالب متعدّدة مختلفة، و من ذلك يظهر أيضاً أحد الأدوار التي مارسها و قام بها أئمة أهل البيت عليهم السلام من التأثير في مسير الأمّة الإسلامية.
و بالالتفات إلى هذا النمط يتنبّه إلى خطورة الغسيل الفكري و الثقافي الذي تمارسه قُوى الكفر العدوانية بأساليب شتّى و مسخ المفاهيم عن محتواها و تلبيس المفاهيم القبيحة بلباس المفاهيم الحسنة و هذا من أخطر ألوان الانحراف المنطق
[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الأمر بالمعروف، ب 1، ح 5.
[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الأمر بالمعروف، ب 1، ح 16.
الاجتماعي و الفكري أو التركيز على الجانب السلبي في ظاهرة حسنة و إغماض الجوانب الحسنة الغالبة فيها و غيرها من الطرق الملتوية الخادعة.
و من الأمور التي تتّضح في هذا الباب أيضاً أهميّة الشعائر الدينية الإسلامية و كذلك الإيمانية المختصة بالمذهب الحقّ، فإنّ التفريط بتلك الشعائر من القسمين يوجب بروز الزيغ في السلوك الاجتماعي و الفكري و الاعتقادي لدى المجتمع؛ فإنّ الشعائر و الممارسات و الطقوس الاجتماعية هي من أعظم حُرّاس الدين و المذهب في نفوس الناس و هي الواقية لأفراد المجتمع عن الانحراف و الضلال، لأنّه سبب مؤثّر تربوي بالغ الأثر؛ فالتفريط بها على حساب ما هو دونها في الأهميّة غفلة خطيرة.
النمط الرابع: الحكومة الخفيّة و السّرّية
و تعتمد في العصر الحديث على نفوذ العناصر المختلفة في الأقسام السابقة من الحكومة بأن تخترق تلك العناصر مراكز القوّة في الحكومات و التيّارات الاجتماعية و تُدير دَفّة الأمور بنحو خفي في حين تشكيلها لمنظومة شبكة هِرَميّة تكون في القدرة أقدر على التحكّم في مسير الأمور من الأشكال الأخرى للحكومة و هذا النمط من القدرة و الحكومة في النظام الاجتماعي السياسي للبشرية و إن نُظّر في القرن الأخير أو السابق في الأدبيات السياسية إلّا أنّ نشأة هذا النمط ليس وليد هذا العصر المتأخّر، بل عَهِدَته الدول و الحضارات البشرية منذ قديم الأيام و إن كان بصُوَر بدائية إلّا أنّه تطوّر و استفحل مهارة و تدبيراً في الأعصار المتأخّرة.
و لا يتوهّم أنّ المراد بهذا النمط هو جهاز الاستخبارات الذي يكون ساعداً و يداً للحكومة الرسمية أو للقُوى المختلفة، بل المراد من هذا النمط هو كون تمام أجزاء الحكومة و مرافقها تنشط في الخفاء و بالتغلغل في أجهزة الأشكال السابقة للحكومة.
فليس دورها و إطارها يقتصر على جميع المعلومات أو يصبّ في الدائرة الأمنية فقط، بل مرافق هذه الحكومة يتكوّن من المتولّين لكلّ المجالات
الاقتصادية و القضائية و السياسية و العسكرية و الأمنية و الثقافية و التعليمية و الصحّية و غيرها من المجالات، كما لا يقتصر نفوذ هذا النمط في النمط الأول فقط، بل يتمّ الاختراق في النمط الثاني و الثالث أيضاً.
و قد أشارت جملة من الآيات و السور[1]و كذلك روايات الفريقين إلى هذا النمط من القدرة و أنّ خليفة اللَّه في الأرض يتمتّع بمثل هذه القدرة عبر دوائر الأركان و الأوتاد و النجباء و النقباء و الأبدال.[2]
و ليس مقصوراً هذا على زمن الغيبة، بل هو منذ استخلاف آدم، فمن ثمّ كانت تلك الحكومة للرسول صلى الله عليه و آله و سلم قبل البعثة و بعد البعثة و كانت للأئمة عليهم السلام في جميع أعصارهم؛ و في روايات الفريقين إشارة إلى لقطات من أنشطة هذه الحكومة كثيرة.
و الحاصل أنّ الدول العصرية لا تقوم قائمتها بشكل النمط الأول، بل دعامتها هي بهذا النمط فإنّه لا تتمكّن من تحصين نفسها و مجتمعها من الغزو الاقتصادي أو الثقافي أو الأمني أو غيره إلّا بجدار و بُنى هذا النمط الأخير؛ فهو من الضرورات اللازمة لإنشاء الدولة من النمط الأول.
و هذه الضرورة كما مرّ متقادمة في العصور السابقة بالأشكال المعهودة حينذاك. و هذا النمط يمارس دوره أئمّة أهل البيت عليهم السلام بجانب أدوارهم في الأنماط السابقة.
النمط الخامس: الحكومة بتوسّط قوى الخفيّة عن المادّة و الحسّ
و المحسوسات ذات الوجود اللطيف للتحكّم في النظام الاجتماعي السياسي و قد عَهِدَت البشرية استعمال السلاطين و الملوك لمثل هذه القوى كاستخدام فرعون
[1]سورة الكهف، قضية خضر عليه السلام* البقرة/ 30.
[2]بحار الأنوار، ج 27، ص 48 و ج 94، ص 128 و ج 98، ص 401.
للسَّحَرة و استخدام نمرود المنجّمين و الكَهَنة و تسخير بعض الموجودات اللطيفة بتوسّط بعض العلوم المرموزة قديماً و حديثاً و قد يطلق على منظومة هذه القوى الاستعانة بالملكوت الأسفل و قد وظّف علم الأثير و بقيّة شعب علم الروح و قدراتها الخفيّة في باب الاستخبارات العالمية و التنبّؤ للمستقبل و ترسيم السياسات المختلفة، على حذو ما عَهِدَته البشرية قديماً من استعمال الحكّام لهذا النمط من القوى و القدرات. و لم يبتعد الأنبياء و الرسل و الأوصياء عن استخدام هذه القوى أيضاً، بل بالدرجات العالية منه، أي بتوسّط الملكوت الأعلى، كما في المعاجز التي يظهرونها و التي تكون ذات تأثير حاسمة في النفوذ الاجتماعي في جملة من الموارد و بها يطّلعون على مجريات الأحداث المستقبلية وصلة ارتباطها بالماضي و الوضع الحالي فيرسمون السياسات الإلهية في المجتمع و الأجيال عبر ذلك العلم.
و من ذلك يجد الباحثون بالغ الصعوبة في تحليل سياسات الرسل و الأوصياء، حيث أنّهم في كثير من الموارد لا يجدون الظروف الموضوعية المحيطة بالحدث الذي كانوا فيه يتلائم مع السياسة المتّخذة منهم و هذه الصعوبة ناشئة من ضيق الأفق و الظرف الذي تقرأ فيه مواقفهم عليهم السلام.
و قد ألجأت هذه الصعوبة جملة من الكُتّاب إلى تهجين و القول بسذاجة سياسات الأنبياء و الأوصياء؛ هذا مضافاً إلى عدم اطلاع أولئك الكُتّاب على الأهداف الإلهية المرسومة لهم عليهم السلام التي تطغى على حركاتهم بلون الحكمة البالغة و التدبير الفائق إلى حدّ الاعجاز لا سيما و أنّ جملة من تلك الحِكَم تستلزم الخفاء و الإخفاء قروناً متمادية أو طيلة الدهر البشرية كي تجد طريقها إلى التحقّق.
و الحاصل إنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و أئمّة أهل البيت عليهم السلام قد مارسوا هذا الدور أيضاً حتى في الحقب التي لم يتسنّموا النمط الأول من الحكومة.
ثمّ إنّه لا يخفى أنّ استعمالهم لهذا النمط من القدرة ليس بدرجة يُلغي