عليها، و هذا ما يدلّ على نصاعة مدرسة أهل البيت عليهم السلام و عقائدهم، التي بحيث لا تتهيّب أمام أيّ سجال و حوار علمي موجود.
حول روايات حرمة إعانة الظالم و التقية على ضوء النظرية
لا ريب أنّها ثوابت و توصيات لا محيد عنها، و هي تعطي بصيرة في المشاريع السياسية المختلفة و يجب عدم خلط الأوراق بعضها مع البعض، مثلا في الجهاد يبحث لدينا الإمامية أنّه لو هجمت دولة كافرة علي نظام مستبد اسلامي يجب إدارة المعادلة بنحو لا يصبّ البرنامج الدفاعي الذي نرسمه في إبقاء الظالم و حماية نظامه، و بنحو يجهض المشروع الكافر أو الأجنبي في طمس الإسلام، فلا يكون فيها إعانة الظالم و لا التفريط ببيضة الإسلام و دار المسلمين؛ فهنا تكمن الفطانة و الفراسة من الخبراء السياسيين و العسكريين و الخبراء القانونيين في تفكيك الأوراق.
تفكيك الأوراق هي التي- للأسف- لا تحصل في المشروع السياسي و يصير خلط و افراط و تفريط دائماً؛ فعند ما يقال: أحد بنود المشروع السياسي الاختراق، لا يعني الاختراق بما يدعم الكيان الظالم أو الظالم في ظلمه.
إذن فمن الذكاء في التدبير أن لا تتصادم الثوابت و لا يسوِّف ثابتاً على حساب ثابت آخر.
إنّ القاعدة العامّة في المبادئ و الحدود الإلهية أن يحافظ على الحدّ الالهي و لا يفرط فيه تحت ذريعة احتمال حدّ الهي أهمّ ليس مجزوماً به و لا مقطوعاً به، فهذا يفتح باب الذرائع و التفريط في الحدود الإلهية.
إنّ اللَّه تعالى حينما رسم لنا حدوداً، فهذا يعني أنّ مسئوليتنا في ضمن تلك الحدود لا ما وراء تلك الحدود. نعم نعمل الفطانة و الخبروية الموضوعية و الذكاء في التدبير، كما قلنا أنّها إحدى الآليّات. فإذا كان الإنسان لم يقصّر و قام بمسئولية الإلمام بزمانه، بيئةً و علوماً و ثقافةً و قام بالمسئولية الشرعية و ضمن الحدود
الإسلامية، بعد ذلك تقع المسئولية على البرنامج الإلهي عبر الإمام المعصوم عليه السلام هو المسئول؛ فليس فيه تواكل و لا تكاسل و لا افراط، بل عملية فيها تناسب و رجاء و خوف، سواء من نظرة معرفية أو من نظرة آلية فقهية. الإنسان قد قام بمسئوليته عبر أسباب عديدة فيجب أن يلمّ بها ثمّ يقوم بالمشورة و التوسل و الارتباط باللَّه و الدعاء، فمن يتوكّل على الأسباب و التدبير من دون أن يتوكّل على الدعاء، هذا إفراط أيضاً أو من يتوكّل على الدعاء دون عمل، هذا تواكل و تفريط، فيجب أن يكون الإنسان بين الخوف و الرجاء مذعن أنّ الأسباب من ورائها كلّ شيء بيد اللَّه.
أذكر كنموذج لهذا الدور: قد تصوّر الأمويون و المذاهب العامّة أنّ الإمام الحسن عليه السلام في صلحه سلّم الأمور بالتمام لمعاوية؛ هذا كذب، بل هو نوع من المهادنة المؤقتة مع معاوية أو نقول هدنة مؤقتة لا هدنة تامّة لأجل أن لا يفرط بمصالح أخرى شرعية، و هو قطع المفسدة أو الشر الذي سوف يعيق مسار الايمان و المؤمنين.
و في قضية أخرى: انظر كيف هدّد المامونُ الإمام الرضا عليه السلام بالقتل ان لم يستلم ولاية العهد؛ الإمام يرضى بقدر ما يدفع به هذا، بشرط أن لا يعزل و لا ينصب، يعني ما ذا؟ يعني عملًا لا يشارك في هذا الظلم و العدوان و لا يصبغه شرعية أكثر؛ بل يصير بدل ما يلعب المأمون لعبته كي يشرعن نظامه أو يخمد حركات العلويين المعارضة، فإنّ الإمام الرضا عليه السلام جعل اللعبة تصبّ في مسير الإمامة و الايمان. قال: أقبل الولاية، بتخيل المأمون أن هذا يكفي لشرعنة نفسه، أما أرفض أيّ عزلٍ و أيّ نصب، أي لا يوجد أيّ تفعيل للمنصب، و قد رأى الكلّ أنّ هذا ليس انتصاباً فعلياً إذَن.
ثمّ بعد ذلك هو عليه السلام اخترق السلطة، المنتدى الرئاسي للدولة الإسلامية العلمي ينعكس صداه في كلّ الأصقاع سيما أنّ المأمون قد جلب من أمم أخرى،
النصارى و اليهود و من محافل دولية أخري، و استطاع الإمام أن يبرهن برهانا علميا أنّهم أئمة أهل البيت عليهم السلام بإحاطتهم بالتوراة و الإنجيل و العلوم الغريبة و غير ذلك و هذا هو الظفر للإمام و الإمامة. و لذلك قال المأمون لعبتُ لعبة و لكن أتت بها عَلَيّ.
و هذه قاعدة من قواعد العلوم السياسية و من علائم الحكمة و الذكاء أن تستثمر الضربة التي وجهت لك؛ كيف تعود إلى عدوك؟ أو لعبة أو مؤامرة جرت كيف تستثمرها مؤامرة للمتآمرين عليك؛
قاعدة دفع الأفسد بالفاسد و فرقها عن قاعدة التزاحم و العناوين الثانوية
إنّ المعنى الفاسد لهذه القاعدة هو جواز ارتكاب الفاسد- و لو من الكبائر- لدفع الأفسد الأكبر. هذا لا يبني عليه الإمامية، فما ورد من أنّ التقية في كلّ شيء حتى تبلغ الدماء، فإذا بلغت الدماء فلا تقية؛ ليس إشارة للتقية فقط، بل اشارة لكلّ العناوين الثانوية.
إنّ العناوين الثانوية لاجل البلوغ إلى درجة معينة فرضاً الاضطرار للكذب أو للتصرف في مال الغير و غير ذلك و لكن إذا وصلت إلى الدماء أو إلى ملاكات كبيرة فحينئذ لا يسوغ مثلًا إنّ عنصراً مخابراتياً يرتكب الزنا و اللواط و الفحشاء و القتل و غير ذلك لأجل أن يسترقّ معلومات خطيرة مثلًا عن الكيان الصهيوني هذا لا يسوغ و الغاية لا تبرر الوسيلة. كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: و اللَّه إنّي أعلم ما يصلحكم و لكن هيهات أن أفسد نفسي بصلاحكم.
فلو فتحنا باب العمل بقاعدة دفع الأفسد بالفاسد، لكان فتحاً للفاسد على مصراعيه تحت محتملات الأفسد، و بالتالي يصبح الفاسد هو الأفسد؛ لذلك ترى المشهور يقولون لو أكرهت على أن تقتل زيداً، أو يقتلك الظالم، لا يجوز لك أن تقتل زيداً، و قد شذّ السيّد الخوئي قدس سره بين علماء الإمامية أنّه مخيّر و لكن العلماء كلّهم يفتون بالحرمة، فإنّ حفظ النفس واجب و لكن هل نحن مأمورون أن نخلد
في الأرض؟ لا، حفظ النفس إلى حد الإمكان و في الوسائل المباحة، أمّا في الوسائل غير المباحة فَمن قال أنّه يجب علينا حفظ النفس؟
فالأصل الأولي في الحدود الإلهية أن يتقيّد بها، و ارتكاب المحذور يجب أن يكون بمسوّغ دقيق مضبوط مقولب، و هذه قواعد صعبة التطبيق، و جملة من العلماء لديهم نقد و ابرام حادّ لاجل صعوبة التطبيق فيها و لا سيما مع جهالة غير المعصوم و عدم إلمامه بالدقة بدرجات الكبائر و أنا كنت أمثّل لدولة الحضارة للمعصومين، بهذا المثال:
كيف لو رمى الإنسان حجراً في حوض تتداعى لك الأمواج إلى نهاية الحوض، المعصوم عند ما يرتكب فعلًا يعلم بتموّج هذا الفعل و هذه السيرة إلى آخر أمواج الأجيال البشرية، يعني يعلم عند ما يرتكب هذا الفعل أنّه سوف تأتي أجيال إما ستسترفد منه ايجابياً أو سلبياً. هذا هو عظمة الإعجاز في التدبير الإلهي و ضرورة حاكميّة اللَّه سياسياً عبر المعصوم.
فالقانون الإلهي لا يكفي فيه العصمة في التنظير، بل يجب أن يكون هناك عصمة في التطبيق أيضاً كي لا يطبق القانون بشكل مناقض لأهدافه.
*هل المصلحة في النظام الإسلامى [تسوّغ ارتكاب المحرّمات الأوّلية بقاعدة حكومة مصلحة النظام الإسلامى على الأحكام الأوّلية أم لا؟]
سواء فسّرت بالوصول إليه أو بالمحافظة عليه، تسوّغ ارتكاب المحرّمات الأوّلية بقاعدة حكومة مصلحة النظام الإسلامى على الأحكام الأوّلية أم لا؟
و نسلّط الضوء على ذلك القانون في بنود ثلاثة:
1. تفسير قاعدة المصلحة
2. معانى المصلحة
3. أدلّة القائلين بمشرّعية المصلحة
1. قاعدة مشرّعية المصلحة و تفسيرها
و لهذه القاعدة في نظام الحكم السياسي تفسيران:
الأوّل: إنّه لأجل الوصول إلى الحكم و القدرة أو المحافظة على بقائها يُسَوّغ ارتكاب المحظورات تحت ذريعة أنّ وصول أهل الصلاح و العدل إلى سدّة القدرة و بقائهم فيها يوجب الخير الكثير في مقابل الشر و المفسدة الأقل.
الثانى: إنّ الحاكم يَسُوغ له ارتكاب المحظورات في موارد دفع الأفسد بالفاسد.
2. معاني المصلحة
الأول: حرمة النفس و العرض و المال و رعايتها و سلامة الأنفس و الأعراض و الأموال، سواء بين الجهة الفردية أم المجموعية.
الثاني: سلامة النظام المدني الاجتماعي الضروري للمعيشة، سواء على صعيد الضرورة الأوليّة أم الكمال الثانوي. و لعلّه إلى هذا يشير قول أمير المؤمنين عليه السلام:
لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر، يعملُ في إمرته المؤمن و يستمتع فيها الكافر و يبلِّغ اللَّه فيها الأجل و يُجمَع به الفيء و يُقاتَل به العدوّ و تأمن به السبل و يؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بَرّ و يُستراح من فاجر.[1]
و الظاهر من قوله عليه السلام: «يعمل في إمرته المؤمن»، هو أدنى درجات إقامة البرنامج الديني.
و قوله عليه السلام: «يستمتع فيها الكافر»، أي حصول الكمالات المعيشية.
و قوله: «و يبلِّغ اللَّه فيها الأجل»، أي تقديرات الأمور و بلوغ ما يمكن بلوغه من الأمور إلى غايته.
و قوله: «و يجمع بالفيء»، تنظيم النظام المالي في النظام الاجتماعي.
[1]نهج البلاغة، الخطبة 40.
و قوله: «و يقاتل به ....» إلى آخره، فالمراد به الأمن الداخلي و الخارجي و الأمن القضائي و يتمّ به أدنى درجات العدل النظامي و يُرْدَع المتخلّف عن ذلك.
الثالث: حفظ معالم الدين الأصلية و الأساسية و هما قد يسمّى ببيضة الدين و هو كلّ مَشعَر و مَعْلَم ركني أمَر الشارع بإقامته في بناء الدين سواء على صعيد الاعتقاد أو التشريع التنظيري أو التطبيق العملي و السنن السائرة. الرابع: كلّ ما كان مقدّمة لأداء واجب أو ترك حرام.
لخامس: التزاحم و الورود و التوارد؛ أي مراعاة الأهم و مراعاة ذي الرتبة المقدّمة.
السادس: تبرير الهدف و الغاية للوسيلة.
السابع: ملاكات الأحكام و جهات الحسن و القبح و هو الذي يطلق عليه المصالح و المفاسد و الكمال و النقص. و يشير إليه قوله عليه السلام «إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول» و المعبّر لدينا في الأصول بحكمة المجعول و علل الجعل.
الثامن: أخذ العلم بتحقّق الموضوعات أو العلم بجعل الحكم أيضاً قيداً في موضوعات الأحكام و هذا يلزم منه التصويب في التكوين أيضاً مضافاً إلى التشريع. و الغريب من القائل تفسير ذلك بأنّه قيد التنجيز مع أنّه قيد الفعلية؛ و المعذوريةُ في مقام التنجيز في البحث لا يغني و لا يسمن من جوع.
التاسع: حفظ قدرة الحاكم و الحكومة و بقاؤهما في الحكومة الدينية.
3. أدلّة القائلين بمشرّعية المصلحة
قد يبرّر ارتكاب الوسيلة المحرّمة لأجل الوصول إلى الهدف و الغاية المهمّة تحت ذريعة وجوه كالتالى:
1. قاعدة سدّ الذرائع؛
2. قاعدة المصالح المرسلة؛
3. قاعدة العناوين الثانوية؛
4. قاعدة التزاحم؛
5. قاعدة لا ضرر و لا حرج؛
6. حكم العقل بتقديم الأهمّ؛
7. قاعدة دفع الأفسد بالفاسد؛
8. منطقة الفراغ؛
9. قاعدة الشروط الإلزامية؛
10. دور الزمان و المكان في الاجتهاد؛
11. الحكم الولائى؛
12. قصة داود عليه السلام.
و ندرس تلك الوجوه في ما يلى: