قاعدة سدّ الذرائع و المصالح المرسلة
و يرد عليهما ما هو محرّر في علم الأصول من الخدشة في صحتهما لا سيّما مع بيان النقاط الآتية.
مع أنّ المصالح المرسلة ليست قاعدة لتشريع الأحكام و أمّا هي- على القول بها في التدبير السياسي في موارد المباحات- فكيف يتصور رفع اليد بها عن الأحكام الأولية من دون وجود تزاحم أو ورود أو عنوان آخر من عناوين معالجة الحكم في ما لو كانت هذه المصلحة تؤول إلى إقامة أغراض شرعية ملزمة.
و في القول بتخصيص عمومات الكتاب و السنّة بالمصالح المرسلة خَلْطٌ بين مقام التشريع و مقام التطبيق.
و أمّا العناوين الثانوية
فيرد على التمسك بها:
أولًا- إنّ العنوان الثانوي لا يسوغ التمسك به بنحو الدوام و إلّا لانقلب الثانوي إلى أولي و الأولي إلى ثانوي.
ثانياً- إنّ العنوان الثانوي يرجع في المآل إلى قاعدة التزاحم كما حُرّر في علم الأصول.
و أمّا قاعدة التزاحم
فيرد على التمسك بها بنحو دائم كثير:
أولًا- إنّ الحاكم السياسي أو الشرعي يجب عليه أن يتحفّظ على الملاكات و الأحكام الشرعية و إقامتها بقدر الوسع المستطاع بتدبير يتكفّل مراعاتها أجمع مع ما أمكن إلى ذلك سبيلًا.
أي يجب عليه الممانعة عن التفريط بأيّ منها و عدم التشبّث بذريعة أهمية بعضها للتفريط بالمهم، فيجب عليه الممانعة عن وقوع التزاحم أو المسير في مسار يُؤدّي إلى الاضطرار أو إلى التمسّك بالعناوين الثانوية و نحو ذلك؛ لأنّ كلّ هذه الحالات هي خلاف الغرض من الحكم التنفيذي و إجراء الأحكام الذي هو إقامة جميع الأحكام، بل لو قُدّر و فرض وقوع التزاحم أو حالات الاضطرار اتفاقاً فاللازم عليه التحرّي سبيل عدا موضوع التزاحم و الاضطرار أوّلًا، لا المسارعة في التشبّث بمقتضى التزاحم و الاضطرار.
و بعبارة أخرى: هدف الإسلام أن يغير الظروف الاجتماعية المريضة إلى المرام التي هو فيها لا أن يتأثّر منه و إلّا إنّ النظام الرأسمالي أو النظام الشيوعي ضرورة عصرية. فالضرورة عنوان فضفاض لا بدّ أن يحدّد إن كان يرجع إلى بديهيات عقلية و إن كان يرجع إلى نظريات علمية و يصادم الأحكام الشرعية
الأولية فلا يعول عليه.
و على ضوء هذا الأصل- أي لزوم تحفّظ الحاكم على الأغراض الشرعية و الأحكام الأولية- كان اللازم الفحص في الشبهة الموضوعية للحاكم؛ لأنّ إقامة الأحكام و أداء الأغراض الشرعية لا يتمّ إلّا بذلك؛ لا أن يعالج هذه الموضوعات العامّة بعَفوِيّة و بالإدراك السطحي الظاهري لها، بل عليه أن يفحص جوانبها و جهاتها درءاً عن التدافع بين الأحكام فضلًا عن التطبيق الخاطئ لها.
و من ثمّ ذكرنا من بحث الربا أنّ التوسّل بالحيل الشرعية الثانوية أو تسويغ ارتكاب بعض محرّمات الربا في النظام المصرفي و المالي تحت ذريعة الاضطرار غير سائغة، بل اللازم على الحاكم هو تعبئة أهل الخبرة في الموضوعات المختلفة لتكييفها و بنائها على الصورة الشرعية للأحكام لا تكييف و عطف الحكم على وجودات الموضوعات بحسب بنائها القائم الراهن.
فالمسئولية تقع على أهل الخبرة و الاختصاص في كلّ مجال لصياغة و بناء بُنى النظام المدني على هيئة الأحكام الشرعية لا عطف الأحكام على صورة الموضوعات و البُنى كيف ما كانت كمنع عمر عن زواج المتعة، فإنّه بدل عن أن يحافظ على أصل التشريع و يسعى لتنظيم طرق الإجراء، منع عن أصل الحكم الإلهي.
و بعبارة أخرى: إنّ اللازم في الحكومة السياسية هو المهارة في تطبيق الأحكام و أصولها على الموضوعات المختلفة، كما أنّ اللازم في الظروف المستجدّة و الموضوعات المختلفة المتولّدة هو فطنة الفقيه في الوصول إلى الأصل التشريعي المناسب في التطبيق و استكشاف المنطبق منها على تلك الموضوعات لا تجميدها- و هو تحكيم صيغة المصلحة عليها- هذا أوّلًا.
ثانياً- إنّه لا يسوغ إجراء قواعد التزاحم، لا سيما في النظام السياسي الحاكم في الأموال و الأعراض و النفوس فضلًا عن إقامة معالم الدين، بمجرد احتمال
التدافع لا سيّما بين موضوع فعليّ قائم و موضوع مستقبليٍ محتمل؛ فإنّ بمجرّد الاحتمال لا يجوز رفع اليد عن الملاك الملزِم الحاضر و هذا الميزان جارٍ حتى بالإضافة إلى الحكم ذي الملاك الأهمّ مع فرض مجرّد احتمال تحقّق موضوعٍ مستقبلًا.
و على ضوء هذا الميزان و هذه الضابطة عند الجواب سابقه و لاحقه عُرفت عدّة قواعد في التشريع الإسلامي متولّدة من ذلك:
نظير: لا عقوبة قبل الجناية و لا حدّ قبل ارتكاب الموجِب و نظير ما عُرّف من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام مع مُناوِئيه من قبيل الخوارج أو بغاة الجمل إنّه لم يُقِم عليهم الردع السياسي ما لم يتورّطوا بارتكاب المواجهة المسلحة.
و نظيره ما جرى من اعتراضات النبي موسى عليه السلام على خضر عليه السلام فإنّه- و ان بيّن الخضر وجه الحكمة بتوسّط العلم اللدني الذي أعطاه اللَّه إيّاه الذي هو ليس ميزان عملٍ للتشريع العامّ في النظام المدني البشري و لا النظام الفردي عدا المعصوم- فإنّه دالّ على أنّ الميزان العامّ في الشريعة و التشريع هو على لزوم التحقّق و العلم به من الطرق المعتبرة لدى الشارع لا بمجرد الظن السياسي و الحدس النفسي لدى الحاكم السياسي فضلًا عن التعويل على الكَهَنَة و المنجّمين و نحو ذلك.
و من تلك القواعد التي نشأت من هذه الضابطة، ما عُرف لدى الإمامية من ردّ قاعدة المصالح المرسلة، فإنّ عمدة ما أشكل به على قاعدة المصالح المرسلة هو أنّها إقامة لباب التزاحم في المورد المحتمل غير المحقّق.
و في سيرة أمير المؤمنين موارد عديدة رفض عليه السلام منها التدرّع بقاعدة التزاحم للوصول إلى الحفاظ على جملة من الأغراض و الأهداف الشرعية بالتفريط في جملة أخرى كما في قوله المشهور:
أ تَأمرونّي أن أطلب النصر بالجور في من وُلّيتُ عليه و اللَّه لا أطُورُ به ما سَمَرَ
سمير و ما أمَّ نجم في السماء نجماً.[1]
بل إنّ في سيرته شواهد على ما تقدّم في الجواب الأول من أنّ وظيفة الحاكم رفع موضوع التزاحم.
و من تلك القواعد التي نشأت من ردّ التدرّع بقاعدة التزاحم ما عرّف في الفكر القانوني الإسلامي من أنّ الأهداف لا تبرّر الوسيلة.
ثالثاً- إنّ تحديد و معرفة درجات الأهمية في الملاكات و موازنتها بعضها مع البعض و موازنة درجة التدافع بينها لا سيما بحسب اختلاف أفراد موضوعات كلّ منهما لا يتيسّر إلّا للمعصوم و أمّا غيره فليس له حظّ من ذلك إلّا في موارد محدودة؛ و على ذلك فلا يسوغ له الخوض في إعمالها بالتّضنّي و التحدّس.
بيان ذلك: أنّه قد استفاض عنهم عليهم السلام «إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول»، أي أنّ علل التشريع الإلهي و حِكمه لا تحيط بها العقول المحدودة فضلًا عن أن تحيط بتفاصيل ملاكات و درجاتها و لأجل ذلك كانت الضرورة و الحاجة من البشر إلى بعثة الرسل و هداية اللَّه بإبلاغ الشرائع.
هذا مع أنّ الحال في الأحكام الشرعية بحسب مجموع المجتمع البشري و نظامه أكثر تعقيداً منه بحسب الحال الفردية لا سيّما بالإضافة إلى تعدّد شعب النظام الاجتماعي و مرافقه.
رابعاً- إنّ التزاحم و العناوين الثانوية كما حُرّر في محلّه لا توجب رفع الحكم الفعلي فضلًا عن الملاك، بل غاية ما توجب هو رفع التنجيز و كذلك الحال في موارد التقية، فإنّ غاية ما تقتضيه العذر دون تبدّل الواقع عمّا هو عليه و في موارد إجزاء العمل بالتقية يكون من قبيل إجزاء الأبدال الاضطرارية عن الوظيفة الأوليّة من دون تبدّل الأمر الأولي عمّا هو عليه.
[1]نهج البلاغة/ خ 126.
و من ذلك يتبيّن قاعدة شريفة في الأحكام الشرعية و هي ثباتها و دوامها في كافّة الأحوال، غاية الأمر طروّ المعذورية أو جعل البدل في مقام الامتثال؛ و على ذلك فالتشريعات لا تتبدّل عمّا هي عليه في مختلف الظروف و الأحوال؛ و من ثمّ تحدّ ولاية الولاة بعدم مخالفة التشريعات الأولية كما في قوله صلى الله عليه و آله و سلم:
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
و قوله صلى الله عليه و آله و سلم:
المؤمنون عند شروطهم إلّا شرط خالف الكتاب و السنّة.
و أمّا التدافع بين التشريعات في مقام التحقّق و الموضوع الخارجي و الامتثال فقد مرّ أنّ وظيفة الوالي هي التجنّب عن وقوع ذلك و السعي إلى التحفّظ على مراعاة ملاكاتهما بقدر الوسع.
خامساً- إنّ فتح الباب للموازنات الظنية و الاحتمالية بعنوان تشخيص المصلحة سوف يؤدّي إلى تغيّر معالم الأحكام الشرعية إلى معالم الأحكام الوضعية البشرية؛ لأنّ رسم بقاء الأحكام لن يكون الحالة الغالبة فيه الثبات، بل ستكون الحالة الغالبة فيه التغيّر أو بنحو المختلط بين ثبات بعضها و تغيّر و اختلاف جملة وافرة أخرى؛ لا سيّما و أنّ مجريات الحال في الموضوعات الخارجية إذا بني على الانقهار و الانفعال عنها سوف تكون قاصرة بدل أن تكون مقهورة و سوف توجب تكييف أنّ الأحكام معها بدل أن تتكيَّف هي على وفق الأحكام و هذه عين الجدلية القائمة بين المدرسة العلمانية و المدرسة الدينية.
سادساً- إنّ مقتضى تقديم و ترجيح الحكومة السياسية الظاهرة و ولاية الحكم السياسي على كلّ الفروع هو موضوعيته الذاتية في قبال تلك الأحكام فلا يصحّ حينئذٍ تعليل أهميتها و ثبوتها بأنّه يتوصّل بها إلى إقامة الأحكام و لحفظ بيضة الدين، لأنّ هذا التعليل يقتضي أهمية الغاية على ذي الغاية لا العكس، مع أنّ
مقتضى القول بأهمية الحكومة على كلّ فروع الدين هو كون الحكومة غاية بنفسهما لا أنهما وسيلة للأحكام الشرعية. فبين هذه الدعوى و دليلها تدافع بيّن.
و كيف يحتمل أن تكون الحكومة السياسية لغير المعصوم أهمّ من الحكومة السياسية للمعصوم التي وصفت في الأدلّة الشرعية بأنّهما وسيلة لإقامة الحق في قوله عليه السلام في نهج البلاغة:
و اللَّه لهي[1]أحبّ إليّ من إمرتكم إلّا أن أُقيم حقّاً أو أدفع باطلًا.[2]
و لا يصحّ مقايسة ولاية غير المعصوم في الحكومة السياسية بأصل ولاية أهل البيت عليهم السلام و ذلك لما اتّضح من أنّ الحكومة السياسية للمعصوم هي أحد شئون ولايته لا كلّ ولايته و أنّ الحكومة السياسية الظاهرة للمعصوم ليست في حدّ و درجة أصل ولاية المعصوم، فكيف بالحكومة السياسية الظاهرية لغير المعصوم.
و الغريب التفسير للمصلحة الدينية بنفس الحكومة السياسية و بقائه ثمّ الاستدلال على ذلك بفعل أمير المؤمنين عليه السلام في الخمسة و عشرين سنة، حيث غضّ الطرف عن المواجهة المسلّحة مع حكومة السقيفة لأجل عدم التفريط لمصالح الدين.
وجه الغرابة: أنّ معالم الدين إذا كانت أهمّ من الحكومة السياسية الظاهرية للمعصوم، فكيف يكون هذا دليلًا على أهمية الحكومة السياسية الظاهرية لغير المعصوم على معالم الدين و إذا فسّرت المصلحة بالأحكام الأولية و معالم الدين فكيف تفسّر تارةً أخرى بالحكومة السياسية الظاهرية. مع أنّ الحكومة التي هي الضرورة هي آلية لإقامة الأحكام الأولية فإذا فقدت حيثية الآلية مسخت و تبدّلت ماهية الحكومة!
ثمّ إنّ هذا الاستدلال المتدافع ينطوي على مغالطة أخرى أيضاً و هي تصوير
[1]أي: النعل.
[2]نهج البلاغة/ خ 33.