بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 286

المخالفة كسنّة باطلة في النظام الاجتماعي، حيث أنّ عامّة طبقات المجتمع على دين ملوكهم، أي تَسْتَنُّ في منهاجها بسنن النظام الحاكم.

و هذا من أخطر محاذير ارتكاب المحظورات و عدم حفظ الحدود الإلهية و لو تحت ذريعة التزاحم أو الأهمّ و المهم أو العناوين الثانوية أو غيرها من القواعد العذرية.

رابعاً- إنّ فرض تدافع الأهمّ و المهم إنّما هو من الاغفال عن حلول موضوعية و الالتجاء إلى الحلول الحُكْمية مع أنّ العكس هو المتعيّن؛ إذ إنّ اللازم تكييف البيئات الموضوعية على طبق التشريع و هو هدف التشريع لا تكييف التشريع على طبق البيئات الموضوعية المرضية في الحقول المختلفة.

خامساً- إنّ فرض التزاحم و التدافع و التنافي بين إقامة الأهمّ و المهم إنّما هو لتصوير فرض خاطئ مبتنٍ على أنّ وسيلة إقامة الأهمّ منحصرة بشكل الحكومة الرسمية، مع أنّ هناك أشكالًا مختلفة أخرى غير صيغة الحكومة الرسمية أي عبر أشكال القدرة الاجتماعية المختلفة يمكن إقامة الأحكام بلا تدافع بينهما.


صفحه 287

دفع الأفسد بالفاسد

و هذه القاعدة في الغالب تستعمل و يستدلّ بها لارتكاب المحظورات في دفع ما هو أشدّ حرمة و أكثر ضرراً و فساداً و هي مع التأمّل الدقيق ترجع إلى تطبيق قاعدة التزاحم و الأهمّ و المهم في مورد المحرّمات.

فيرد عليها ما تقدّم من التمسّك بذيل القاعدتين.

مضافاً إلى اختصاصها ببعض آخر:

أولًا- إنّ دفع الأفسد ليس من المسئولية و التكليف الشرعي إلّا ضمن الحدود المشروعة و أمّا ما وراء ذلك فليس هو من المسئولية الواقعة على عاتق المكلّف إلّا في ما أذن الشرع فيه بالخصوص و من ثمّ تسالم فقهاء الإمامية على أنّ التقية في كلّ شيء و أمّا إذا بلغت الدماء فلا تقية. فلو دار الأمر بسبب الإكراه أن يقتل مجنوناً مسلماً غير بالغ في قبال أن يحفظ دم نفسه، فإنّ التقية لا تجوّز ذلك، أي إنّ الأدلّة العذرية برمّتها لا تجوّز له ارتكاب ذلك المحظور و من ثمّ استفاد الفقهاء من قاعدة «لا تقية في الدماء» أنّ النفي هنا بمعنى النهي يفيد الحرمة ممّا يدلّل على أنّه لا يسوغ ارتكاب المحرم لأجل التوصّل إلى دفع المفسدة إلّا في المورد الذي ورد الترخيص الشرعي فيه بالخصوص، كمثل قتل المسلمين المتَتَرَّس بهم في


صفحه 288

الحرب مع الكفّار و ما ورد من تحريم التداوي بالخمر و أنّه لم يجعل اللَّه الشفاء في الخمر و نظيره ما قاله جملة من الفقهاء من أنّه لا يسوغ تشريح جثث الميت لأجل معالجة مرضى الأحياء بتركيب الأعضاء فإنّ الواجب في انقاذ حياة الأحياء ليس واجباً مطلقاً بلغ ما بلغ، بل إنّما اللازم هو اتخاذ الوسائل المشروعة و كم له نظير في الفقه.

ثانياً- إنّ فرض اطلاق وجوب دفع الأفسد بلغ ما بلغ يبتني على فلسفة في التشريع و هي أنّ مسئولية إصلاح النظام الاجتماعي مفوّضة تماماً إلى الإرادة الاختيارية البشرية و إلى الإرادة التشريعية، مع أنّ هذه النظرية هي إفراط في مقابل نظرية المرجئة و القدرية التي تفترض الجبرية و تتبّناها في المسرح النظام الاجتماعي السياسي، أي اعطاء المساحة و الدور إلى الإرادة التكوينية الإلهية فقط مع إلغاء دور الإرادة الاختيارية البشرية في ظل الإرادة التشريعية بخلاف النظرية الوسطية التي هي الأمر بين الأمرين، فإنّها لا تتبنّى رؤية اليأس كما في النظرية الثانية كما أنّها لا تتبنّى رؤية الاستقلال التفويضي كما في النظرية الأولى و هذا معنى لزوم تقيد الإرادة الاختيارية في ظل دائرة التشريع و التكليف و قد قال تعالى:

«وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً»[1]«إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً»[2]

فالتقيّد بالحدود الإلهية هو سبيل المَخْرَج، ففي ظلّ الصراع السياسي و الاقتصادي و الفكري و الاعتقادي أو المالي و التجاري أو العسكري و الأمني، التقيد بالحدود الإلهية (و الحافظون لحدود اللَّه) هو السبيل و المخرج من المأزق لا ارتكاب المحظورات كما هو سبيل الانتهازيين و عصابات المرتزقة السياسية. ثالثاً- إنّ العقل لمّا يحكم بمؤدّى هذه القاعدة لا بمعنى ارتكاب الفاسد

[1]الطلاق/ 2.

[2]الأنفال/ 29.


صفحه 289

و ايجاد العقل المختار لذلك الفساد بيده، فإنّ قبح الفساد لا يزول بذريعة المزاحمة و إنّما بمعنى أنّه إذا اضطرّ المختار إلى أحد الخيارين بحيث يكون ما فيهما من الفساد هو من قبل الغير إلّا أنّ أحد الطريقين أكثر من الآخر؛ فالعقل يحكم بأنّ تحمّل أحد الضررين أهون من تحمّل الضرر الآخر فمورد القاعدة ما إذا كان الفساد حاصلًا من قبل الغير و اضطرّ المختار إلى سلوك أحد الطريقين أو الموردين الذين فيهما ذلك الفساد.

و أمّا ما ذكره الفقهاء في تولّي ولاية الجائر و غيرها من الموارد من جواز تولّيهما إذا خاف على نفسه و لو استلزم إلحاق الضرر بمؤمن إذا كان الضرر الّذي يتهدّده أشدّ من الضرر القليل على الغير تمسّكاً منهم بمشروعيّة التقية إلّا إذا بلغت الدم، فكلامهم هذا ناظر إلى ما لو كان دوران الأمر بين الضرر المزبور و بعض الموارد القليلة عدداً لا ما إذا دار الأمر بين ذلك الضرر على نفسه و بين الإضرار بنوع المؤمنين في جملة عديدة من الموارد بسبب طبيعة ذلك العمل.

هذا مع أنّ في الفرد الأوّل أيضاً لم ينفوا الضمان الوضعي و لا مبغوضية الفعل بل غايته معذورية الفاعل و بالجملة فتطبيق قاعدة دفع الأفسد بالفاسد و تزاحم الأفسد مع الفاسد إذا طبّقت بنحو مستمر متكرّر و السنّة العملية المتصلة فسيئول الأمر إلى ارتكاب مجموعة موارد الفاسد و هي أكثر فساداً من الأفسد الواحد.

و بعبارة أخرى، فاللازم هو تحمّل الأفسد الذي يرتكبه الغير في مقابل ارتكاب الفاسد بنحو المستديم. و مثل ذلك ما لو فرض أنّ عامّة المؤمنين يرتكب الفاسد دفعاً للأفسد كسنّة منتشرة شائعة بينهم بنحو يؤدّي إلى زوال محذوريّة الفاسد في العادة لعمليّة لديهم أو يستلزم ذلك منهم ارتكاب البقية للفاسد في صورة عدم المدافعة مع الأفسد و نحو ذلك من الصور و الفروع. فإنّ في مثل هذه الموارد لا يكون من دفع الأفسد بالفاسد إلّا صورياً و هو في الحقيقة من دفع الأفسد بما هو أفسد منه في اللبّ و حقيقة المآل و لأجل ذلك يشدّد على أصحاب


صفحه 290

الولايات و المناصب في النظام الاجتماعي السياسي من ارتكاب الأعذار، فإنّ أفعالهم حيث تكون متصلة بسلسلة حلقات النظام فلأجل ذلك يصعب احراز دائرة اطراف التزاحم و التدافع و تداعيات كلّ طرف أي لوازمه و مستلزماته و لا يمكن قصر النظر على خصوص المتدافعين مباشرة و من ثمّ لا يحيطوا بتداعيات و تلازمات الموضوعات و الحالات في أنظمة النظام الاجتماعي و السياسي بنحو لا يشذّ عن الحيطة و الإحاطة شيء إلّا من لديه علم لدنّي و هو المعصوم الذي يتنزّل عليه كلّ أمر في ليلة القدر بخلاف غيره، فإنّ اللازم عليهم التحفّظ على الحدود الأوليّة و عدم المبادرة لارتكاب مخالفتهما بذريعة التدافع.

هذا، مضافاً إلى ما مرّ عن مجمل الأجوبة عن قاعدة التزاحم و العناوين الثانوية كلزوم تكييف الموضوع مع التشريع لا التشريع مع الموضوع.


صفحه 291

منطقة الفراغ

و ممّا استدلّ به على مراعاة المصلحة و شرعيّتها و مداريّتها في نظام تدبير السياسي وجود منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي و هي منطقة المباحات؛ فإنّ فلسفة وجود مثل هذه المنطقة و هذه المساحة من الفراغ هو لأجل مواكبة التشريع و ملاءمته من للأدوار البشرية المختلفة و الظروف البيئية المتغيّرة و هي نحو مرونة في التشريع الإسلامي مع الجانب المتغير في الحياة البشريّة.

و قد يصاغ هذا الدليل بتقريب آخر و هو أنّ التشريع الإسلامي لم يتعرّض إلى تفاصيل النظام السياسي أو النظام الاقتصادي أو المالي أو القضائي أو الأمني أو العسكري أو الثقافي أو الصحّي و البيئي أو غيرها من الأنظمة المختلفة و إنّما تعرّض إلى أسس فوقية كليّة و الحكمة في ذلك هي دوام بقاء التشريع و أهداف ضمن الظروف البشرية المختلفة و التكيّف معهما في إطار المحافظة على الأغراض و المصالح الشرعية الأساسيّة من دون نظر إلى التفاصيل الجزئية المتناوبة.

و يرد عليه:

أولًا- إنّه قد استفادت الدلالات الشرعيّة على عدم خلوّ أي واقع عن حكم


صفحه 292

اللَّه تعالى مثل قوله تعالى:«وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ»[1]

و قوله تعالى:«ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ»[2]و غيرها من الآيات الدالّة على أنّ كلّ صغيرة و كبيرة و كلّ شيء مستتر في الكتاب المبين مضافاً إلى الروايات المستفيضة و المتواترة على أنّ ما من واقع إلّا و للَّه فيه حكم.[3]

فالتعبير بالفراغ في الشريعة الإسلاميّة لا يخلو عن مسامحة واضحة و إرادة منطقة المباحات من ذلك لا يصحّح اطلاق هذه التسمية عليهما.

ثانياً- إنّ حصول المصالح الملزمة و تصادقها مع المباحات في جملة من الموارد ليس له معنى محصّلٌ و لا تفسير صحيح إلّا بارادة انطباق العناوين الأوليّة الإلزاميّة على الموضوعات المباحة و إلّا فمن أين يتصور الإلزام من دون أن يكون قد شرّع في الأحكام الأولية و من ثمّ أشكل على العامّة في اعتمادهم على المصالح المرسلة و سدّ الذرائع مع أنّ كلتا القاعدتين عندهم هي بلحاظ الأحكام الإلزامية الأولية و الحيطة عليها و الحفاظ عليها إلّا أنهم حيث جعلوا التأدية إلى التفريط بهما و لو احتمالًا أو ظنّاً لازم الرعاية.

و قد يقرّب بأنّ الفقيه مَلأ منطقة الفراغ، فإنّ في التشريع الإسلامي قسماً ثابتاً و هو ما قد يعبّر عنه في الأثر الشريف «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة»[4]و هناك قسم غير ثابت متغير حسب الظروف المختلفة لكنه مشروط و متأطّر بعناوين القسم الأول و يطلق عليه منطقة الفراغ و مَلأ هذا القسم المتغير هو العارف بأحكام القسم الأول هو الخبير باستنباط أحكام القسم الثاني بنحو لا يتعارض مع أحكام القسم الأول و لا يتمكن من ذلك إلّا الفقيه.

[1]النحل/ 89.

[2]الأنعام/ 38.

[3]الكلينى، الكافي، ج 1، كتاب فضل العلم، ب 20، ص 59.

[4]الكلينى، الكافي، ج 1، كتاب فضل العلم، ب 19، ص 58، ح 19.


صفحه 293

و الضوابط المرعيّة في ملأ منطقة الفراغ:

الأولى: و هي الأهداف و العلل المنصوصة للأحكام الثابتة كما في تعليل جعل الفيء للَّه و للرسول و لذي القربى كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم أي لا تتكدّس الأموال بين الأغنياء، بل يكون لصالح الدولة و الأمّة. فهذه العلّة كضابطة حدّدتْه الآية و باستطاعة الفقيه تشريع بعض القوانين الممانعة من تكدّس الأموال عند الأغنياء كفرض الضرائب على أموالهم و نحو ذلك لتحقيق الهدف المنصوص عليه في الآية.

و نظيره ما عُمل في روايات الزكاة من أنّ غايتها إلحاق الفقير بالمستوى المعتاد في المعيشة، كما في معتبرة أبي بصير عن الصادق عليه السلام:

و ما أخذ من الزكاة فَضَّه على عياله حتى يلحقهم بالناس.[1]

و نظيره ما ورد أيضاً من ان من له جارية و دار و غلام و جمل له أنّ يأخذ من الزكاة.[2]

فهذا التعليل يفيد أنّ مِن حق الوالي إذا عجزت أموال الزكاة عن هذا الهدف أن يشرّع المزيد من الزكاة لأجل ذلك.

و مثلها الأهداف المستنبطة من مجموعة أحكام كقاعدة «لا ربح بلا عمل» من جملة من الأحكام الأخرى كعدم تملك الأرض من دون إحياء و عدم ملكية المعدن إلّا بمقدار ما استخرج و عدم مشاركة الربح إذا كان صاحب رأس المال ماله مضموناً و المستأجر لا يؤجر بأزيد من أجرته إلّا إذا أحدث حدثاً.

الثانية: القيم الاجتماعية التي أكّدت عليها النصوص كالعدالة و المساواة

[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب المستحقين للزكاة، ب 8، ح 4.

[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الزكاة، أبواب المستحقين للزكاة، ب 10.