بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 294

و الأخوة في قوله تعالى:

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ»[1]

و قوله تعالى:

«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى»[2]

و قوله تعالى:

«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ»[3]

فاللازم على الحاكم سنّ إقامة النُّظُم و القوانين المؤدّية إلى ذلك.

ثالثة: المَيْز في الأحكام المستفادة من النصوص بين الأحكام الثابتة و الأحكام التدبيرية المتغيرة كما في جملة من الموارد من النواهي في الأرضين و باب الإجارة و الثروات المشتركة الطبيعية فإنّها عُلّلَ بعدم الضرر و الضرار، كالنهي عن الاحتكار في البيوعات.

الرابعة: الغايات التي حدّدت للحاكم أن ينجزها كمسئولية تقع على عاتقه.

و فيه:

أولًا- ما مرّ من عدم خلو أيّ واقعة من الحكم الشرعي و هذا ليس من الفراغ في التشريع بقدر ما هو تطبيق للثابت التشريعي على المتغيّر الموضوعي في الحقول المختلفة.

ثانياً- إنّ الأصول التشريعية- و هو ما قد يعبّر عنه بأصول القانون أو فقه المقاصد أو روح الشريعة و مذاقها على حسب اختلاف النظريات المعالجة

[1]المائدة/ 8.

[2]النحل/ 90.

[3]الحجرات/ 13.


صفحه 295

لأسس التشريع- و إن كانت تشريعات أوليّة فوقية لا سيما على وفق النظرية الأولى إلّا أنّ ذلك لا يعني رفع اليد عن التشريعات النبوية الأخرى التي هي في طول تلك الأصول التشريعية و نحو من التنزيل لها. و كذلك التشريعات أو البيانات التشريعية من الأئمة عليهم السلام هي في طول التشريعات النبوية أيضاً في المراتب اللاحقة و لا معنى لرفع اليد عن مدارج التشريع النازلة تحت ذريعة أنّها أحكام تدبيرية متغيّرة غير ثابتة، فإنّ البناء على ذلك بنحو العموم بدعوى اقتضاء الأصول التشريعية الفوقية لذلك، لازمه التخلّي عن التسليم بولاية الرسول و الأئمة عليهم السلام و عدم التبعية لهم و بالتالي القفز على ذلك و تخطّيه هو مروق و الانفساخ عن ولايتهم و التأسّي بهم و الطاعة و الانقياد لهم؛ فمقتضى ولايتهم و طاعتهم و التسليم لهم في طول ولاية اللَّه و أحكامه هو اقتضاء ذلك البناء على ثبات التشريعات النبوية و الأحكام المبنيّة من قبلهم عليهم السلام إلّا ما نصّ عليه الدليل الخاص كما في جملتها من الموارد الدالّة على أن حكمهم هو من التدبير الخاص بذلك المورد.

ثالثاً- إنّ مقتضى هذا التقريب هو بيان الأصول القانونية للتشريع و ذلك لا يقتضي ثبوت صلاحية التشريع للفقيه على مصراعيه، بل اللازم حينئذٍ مراعاة قواعد أصول القانون و ضوابطه و هي تشتمل على موازين عديدة قد طفح و برز تنقيحها في التحقيقات الأخيرة في علم أصول الفقه.


صفحه 296

جعل الشروط الإلزامية

و استدلّ بإمكان تعاقد الدولة و النظام مع أفراد الأمّة و المؤسّسات الخاصّة بانشاء عقود و عهود مشروطة تلزمهم بالمصلحة الّتي تشخّص و ذلك بازاء ما تقوم به الدولة من توفير خدمات و امكانات مادية لهم؛ فعبْر نظام العقود و الشروط تتمكّن الدولة من إقامة الأنظمة المختلفة المقترحة المتوفّرة على المصلحة المدركة، سواء النظام الاقتصادي أو نظام العمل أو نظام التجارة و نظام الأحوال الشخصية و الأسرة و نظام البلدية و العمران و نظام الزراعة و غيرها من الأنظمة الأخرى. فتتوصّل عبر نظام العقد و الشروط إلى الوصول إلى عملية التغيير المطلوبة في أنظمة النظام الاجتماعي السياسي في الموارد التي تضطر الأمّة و الشعب في سدّ حاجتها إلى خدمات وظائف الدولة. فالعقد و الشروط صياغة قانونية لتنفيذ السياسات العامّة للإلزام أو للحظر في الموارد المختلفة و للرخصة و للمنع.


صفحه 297

و يرد عليه:

أوّلًا- إنّ الشروط إنّما تشرع إذا لم يستلزم منهما تغيير الأحكام الأوليّة لا سيما إذا فرضت تغيير ماهيّة الأنظمة الّتي قرّرتها الشريعة و الّتي هي مجموعة أحكام أساسية أصليّة.

ثانياً- إنّه قد تقرّر أنّ ما هو واجب لا يصح اتخاذ الأجرة عليه و العوض لا سيّما الوالي لاعتبار الشارع ذلك الوجوب كون المكلّف مقهوراً عليه فلا يكون متوقفاً على طيب نفسه و لا تكون له حرمة و يكون أكلًا للمال بالباطل و لعلّ وجهه في الوالي و غيره أنّ تلك الأفعال لم يجعلها الشارع مصدراً و منبعاً للمال.

نعم، قد ورد في أراضي الأنفال أنّه للإمام- عجل اللَّه فرجه- أن يأخذ العوض عليها.[1]

و قد يفهم من ذلك جواز أخذه عليه السلام على مطلق ما كان فيئاً و نفلًا لا سيّما أنّه قد علّل في الرواية جواز أخذه ذلك بأنّ الأرض كلّها لهم، أي تحت ولايتهم.[2]

و لكن ذلك لا يعني أخذ الشروط و التعاقد بهما بنحو يخالف الكتاب أو السنة أو يحرّم حلالًا أو يحلّل حراماً كما مرّ في الملاحظة الأولى مضافاً إلى ما مرّ ذكره من الملاحظات الكثيرة على الوجوه المزعومة لمشروعيّة المصلحة.

[1]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، أبواب احياء الموات، باب 3، ح 2، صحيحة أبي خالد كابلي.

[2]الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، باب 1، ح 1، 3، 10 و 12. و أبواب الأنفال، باب 4، ح 12 و 13 و أبواب كتاب الجهاد.


صفحه 298

دور الزمان و المكان في الاجتهاد

و استدلّ بأنّ الزمان و المكان لهما تأثير ملحوظ في الأحكام الشرعية و استنباطها و اجتهاد الفقهاء ممّا ينبّه على أنّ الجانب المتغيّر في البيئة المحيطة للبشر لها واضح التأثير في تحديد الأحكام المنطبقة عليها أو المتعلّقة بها؛ فكما أنّ في الشريعة جانب ثبات هناك جانب تغيّر أيضاً.

و لذلك قيل بأنّ كلّ ما له تأثير في حفظ النظام الإسلامي، أي إنّ عدم مراعاته يوجب اختلاله و التفريط به يوجب الفساد أو الحرج فاللازم مراعاته ما دام ذلك الموضوع بهذا الوصف.

و فيه:

إنّه إن أريد انطباق كليات العناوين الأولية على المصاديق هو بنحو متغيّر فهذا متّجه و لكن لا صلة له بتصوير المصلحة المزعومة وراء الأحكام الأولية.

و بعبارة أخرى: إنّ نظام الموضوع و درجات وجوداته و مصاديقه يتصوّر فيه عدم الثبات في المراتب التحتانية فقد يكون مصداقاً جزئياً ينطبق عليه عنواناً موضوعياً ما ثمّ يؤول الأمر إلى انتفاء ذلك العنوان و انطباق عنوان آخر عليه و هذا ما يعبّر عنه بالطروء الثانوي في الجانب الموضوعي و هو يغاير حالة الأحكام الثانوية فإنّ الثانوية، فيها هي بلحاظ الحكم و قد مضى أنّ اللازم على الوالي مراعاة


صفحه 299

عدم وقوع التدافع بين الأحكام لا التشبث المستمر بتكييف الأحكام على البيئات الموضوعية، بل تكييف الموضوعات على نهج الأحكام و إلّا لعاد الحكم الثانوي أولياً.


صفحه 300

قصةُ داود

و قد يستدلّ لمشرعية المصلحة بما قَصَّه اللَّه عزّ و جلّ من فعل الملائكة في قوله تعالى:

«وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ* إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ* إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ* قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ»[1]

حيث إنّ الخصومة التي حكاها الملكان لم يكن لها تحقّق في الواقع و إنّما قاما بحكايتها امتحاناً من اللَّه تعالى لداود عليه السلام، فالمصلحة اقتضت الامتحان و إن كانت بحكاية غير مطابقة للواقع فلم تقع الواقعة و لا كان هناك متخاصمان في الحقيقة و لا نعجة و لا نعاج في البين؛ فالمصلحة تقتضي حينئذٍ انتهاج ما هو

[1]ص/ 21- 24.


صفحه 301

محظور بطبعه الأولي.

و فيه:

إنّه لو سلّم بأنّ المتخاصمين ملكان- لا رجلان- فإنّ ذلك ليس من المجيء في عالم المحسوس المادي، بل قد يكون من باب التمثّل كما في قوله تعالى:

«فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا».[1]

و كان رسم الحكم من داود المعلّق في ظرف التمثّل كما لو كان رآه في ما يرى النائم. فصورة الحدث كالصورة في عالم الرؤية و هي تعكس الميول الباطنة في النفس الإنسانية فهي إمّا من التمثّل المنفصل أو المتصل و هي الرؤيا لا من الحدث في الحس المادي.

[1]مريم/ 17.