بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 107

بحث كهذا سيضع الاثنين أمام مساءلة لن يجدا مناصا من الإجابة عليها ، ورد ما يمكن رده ، وقبول ما يمكن قبوله والمالكي تناول من قبل أطروحة العودة عن ابن سبأ ص ١٧٥ من كتابه ( نحو انقاذ التاريخ الإسلامي ) بحيث أشار إلى أربع ملاحظات هامة ، ما كان يسع العودة السكوت عليها ، ولا سيما أنه يدعي امتلاك الوثائق التي تحمل المالكي على التراجع عن شيء من رأيه وعن بعض ملاحظاته.

والبحث الذي بين يدي للدكتور العودة يعول فيه على روايات لم تكن عن طريق سيف بن عمر في سبيل اثبات شخصية ابن سبأ.

والهلابي ومن بعده المالكي ، ومن قبلها العسكري ، يقتصرون في إنكار وجود شخصية ابن سبأ على رواية سيف بن عمر المجروح عند المحدثين ، وربما أخذا هذا الموقف التحفظي من منهج أسد رستم حول المصدر الواحد للقضية وكم كنت أتمنى لو ان ( الهلابي والمالكي ) لم يجعلا ضعف سيف بن عمر سبيلا لنسف حقيقة ابن سبأ ، ذلك أن الضعف في الرواي قد لا يحمله على اختلاق الشخصية من العدم ، واختلاق أحداث لها ، وإنما قد يحمله على نسبة أشياء لا تصح نسبتها إليه. وشخصية ابن سبأ مستفيضة في كتب التاريخ ، والعقائد ، وعند علماء التاريخ ، وعلماء الكلام ، وليس أحد من السلف ـ فيما أعلم ـ أثار هذه الإشكالية كإثارة الأخوين ، ولا أرى مبررا لنسف هذه الشخصية من أساسها. وسيف بن عمر ( عمدة في التاريخ ) كما يقول ابن حجر ، مع ان هناك روايات لم تأت عن طريق سيف بن عمر أشار إليها الدكتور العودة ، ويقال عن ( القعقاع ) ما يقال عن ( ابن سبأ ) ، ولا سيما أن القعقاع من عشيرة سيف بن عمر ، وهو أدرى به وبأخباره والمأخذ على سيف ربما يقتصر على تضخيم الدور ،


صفحه 108

والتركيز على الشخصية لدافع قبلي أو عقدي لكنني لا أتصور اختلاق شخصيات من الوهم والخيال للتشيع ، إذا ليست الأمة وعلماؤها من الغفلة والذاجة ، بحيث تصنع لها شخصيات وهمية ، وتمرر عليها. أحسب ان ذاكرة الأمة أوعى من هذا الاستغفال وعلماء الحديث الذين كتبوا في الطبقات ، وفي تاريخ الرجال ، ذكروا القعقاع ، ولم يشكوا في ثبوت وجوده ، كشخصية فاعلة في الفتوح والغزوات. وقد نبهني بعض الزملاء إلى أطروحة دكتوراه كتبها طالب عراقي عن القعقاع بين الحقيقة والخيال ، وكم أتمنى الحصول عليها. وعلى ضوء ذلك فان ما يكتبه المالكي تحصيل حاصل ، وتسخين طبيخ. فلا أحسبه يضيف شيئا أكثر من تاكيد ما قيل. يقال هذا فيما سبق إليه ، ولامساس فيما بادر إليه من دراسات قيمة لا يهمنا الحديث عنها الآن.

وبصرف النظر عن كل ما سبق ، فانه يجب علينا في حالة الدخول في مثل هذه المضائق الحساسة ان نتجرد من الهوى ، وان نتوفر على المعلومات وان نتملك آليات الاجتهاد ، وأن نتحرى الدقة ، وأن نستخدم كل مانملك من إمكانات ، وان نكون واثقين من أنفسنا ، مستقبلين لكل اعتراض بصدر رحب ، فيما يتعلق بقضايا مثل هذه القضايا ، ولا سيما إذا كانت تلك القضايا قد سبق إلى التشكيك فيها مستشرقون مشبوهون ، وأصحاب ملل مستفيدون من هذا التشكيك. وعلى الذين يهزون الثوابت ويحملوننا على إعادة ترتيب معلوماتنا ، ان يستمعوا لنا بأدب جم ، وأن يحاورونا باحترام ، وان يتلطفوا بازالة الشك ، والارتياب ، بعلمية مهذبة ، وان لم يفعلوا فما بلغوا رسالتهم ، وفق أصول البحث العلمي وفي المقابل علينا ان نحسن الظن بمن لم يبد عواره ، ولم يثبت ارتيابه ، ولن نتحامى الحكم على النوايا فلا يحصل ما في الصدور إلا الله ، ولا يبلو السرائر


صفحه 109

إلاّ خالقها ، ولا ينجو إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

وثقتي بالأستاذ الدكتور الهلابي ومن بعده الأستاذ حسن المالكي قوية ، وأرجوا ألاّ يحملاني على زعزعة الثقة بالنفار أو بالإستهتار. ومع ذلك لا يمكن ان ارفعها فوق المساءلة ، والنقد ، والشك في امكاناتهما. وعتبي الشديد على اخواننا أساتذة التاريخ في جامعة الامام وفي الجامعات المماثلة ، وبخاصة المتخصصين منهم في التاريخ الإسلامي القديم فهم الأجدار بالمواجهة. وليس من اللائق أن ننازل عنهم ، فقد يخرج علينا من يقول : ( ليس هذا العش عشك فادرجي ) ، ولو وجدنا فسحة من الوقت وفضلة من الجهد لكنا اندى صوتا ، وأصلب عوداً. ولكننا كخراش وضبائه ، فالى الله المشتكى وما أفعله الان على الأقل من باب الغيرة ، وفك الاشتباك ، وأرجو ألا يقال لي « زادك الله حرصا ولا تعد » وأرجو ممن يجد الأهلية من نفسه ، مع توفر الوقت ، والقدرة ، أن يدخل دخولاً علميا لا تسفيه فيه ، ولا سخرية ، ولا لجاجة ، ولا هجاء مخلاً بحشمة العلماء ووقارهم ، ومسيئا لمكانة القضايا مجال النقاش ، فكم من مقتدر يمنعه من الدخول في الحوار ما يؤول إليه من مهاترات ، وتراشق بكلمات السباب ، والاتهام ، وما يخشاه من دخول أدعياء إذا ريع أحدهم اهتاج اعزلا على حد :

( ينيلك منه عرضا لم يصنه

ويرتع منك في عرض مصون )

لقد كان صمت المتخصصين مريباً ، واحجامهم مخلاً في الثقة بهم. فالصحافة الآن وقبل الآن تشتغل في تخصصهم ، وتدك حصونهم ، وهم صامتون إن عليهم ان يوظفوا قدراتهم ليحقوا الحق ويبطلوا الباطل ، ولا يعجب الانسان أن يقول أخطأت ، ويعود إلى الصواب ونصف العلم لا أدري ومن قال


صفحه 110

لا أدري فقد أفتى إذا كان سيف بن عمر متكأ المنكرين ( عمدة في التاريخ ) عند ابن حجر ( ويروي عند البخاري في التاريخ ) فالأمر فيه متسع ، ( فابن حبان ) و ( الذهبي ) ، و ( ابن حجر ) ، و ( المزي ) ، وغيرهم قالوا بضعفه ، وكذبه ووضعه ، وزندقته. على اختلاف فيما بينهم ، وتخفظ منهم على بعض التهم وكثير غير ابن عمر اختلف العلماء حولهم فمن موثق ومن مضعف ولكن لم يقل احد منهم ـ فيما أعلم ـ برد رواياته التاريخية ، ويكفيه تزكية في مجال التاريخ على الأقل ، شهادة ابن حجر ، ورواية البخاري له ، وأحسب أن الرجلين شاهدا عدل ، ولا يمكن استبدال الأدنى بالذي هو خير ، وفي تعليق القلعجي على العقيلي قال كان اخباريا عارفا إلا أنه في الحديث ضعيفا ) ولم يقل في التاريخ ، وقضية الزندقة اتهام تحفظ عليها الكثيرون. وعلى ضوء ذلك يحسن ب‌ ( الهلابي والمالكي ) مراجعة الموضوع.

وإشكالية المالكي الاولى : أنه يعيش عقدة « سيف بن عمر » وما وصم به من جرح قادح في روايته في الحديث ، دون التاريخ ، ومن ثم يشكل المنفذ الوحيد لمرافعته ضد بعض أحداث التاريخ وشخصياته.

واشكاليته الثانية : اصراره على تطبيق منهج المحدثين على الاطلاع ، في تمحيص المروي من طريق تتبع طرق الرواية ، ومعرفة الرجال.

واشكاليته الثالثة : انه ما يزال في اطار المثار ، ولم ينفرد بشيء بعد.

واشكاليته الرابعة : انه يقف حيث تكون أحداث الفتنة الكبرى وهي شائكة وحساسة وللسف في ذلك موقف أسلم وأحكم وتطبيق منهج المحدثين على الروايات التاريخية دون قيد ، فيه ما فيه من المحاذير ، وللسلف الصالح موقف عدل في هذا الأمر ولعل مشروع الدكتور ضياء العمري الذي وظف له


صفحه 111

وظائفه من الدراسين كان مغرياً لكثير من اللاحقين ، إذ من اليسير على ضوء هذا المنهج نسف التاريخ بكامله ، فهذا الطبري وهو من هو يعتمد على وضاعين ، وطائفيين كابن مخنف مثلاً ، ولو قرأناه بتلك العيون لما أبقينا على متنه نصاً صحيحاً ، ومشروع ضياء العمري يقف عند تاريخ الصدر الأول المؤثرة أحداثه بأمور الشريعة ، والعقيدة ، والعبادة ، كسيرة الرسول (ص).

وإذا كانت الروايات الآتية من طريق سيف بن عمر ، ضعيفة عند المحدثين ، حجة عند المؤرخين ، والاخباريين ، فلا يمكن معها ان ننسف الظاهرة كلها. فابن عمر ليس من أهل البدع ، والأهواء ، وان اتهم بالزندقة تحاملاً من ابن حبان حيث قال « وكان قد اتهم بالزندقة » ، وليست كل رواياته مخالفة لنص قطعي الدلالة والثبوت ، وانما هي روايات تأتي في سياق معهودات مستفيضة ، « فابن سبأ ، والقعقاع » ، مثلا شخصيات تداولها ، وقبل بوجودها علماء التاريخ ، وعلماء الحديث ، وعلماء الجرح والتعديل ، وعلماء الكلام ، والمؤرخون للملل والنحل وبخاصة ابن سبأ فهم يذكرونها في سياق ما يكتبون ، ولم يكن اعترافهم بهذه الشخصيات إلاّ لأنها مستفيضة على الألسن يتداولها الناس ، وعلماء الجرح والتعديل انصفوا سيف بن عمر حتى لقد قال ابن حجر العسقلاني عنه : « ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ » وأردف : « أفحش ابن حبان القول فيه » وقال العقيلي : « يحدث عنه البخاري » أي : في التاريخ ، ولو اننا طبقنا منهج المحدثين على بقية العلوم على اطلاقه مثلما يفعل البعض مع الروايات التاريخية ، ولتكن مثلا على روايات الجاحظ في « البيان والتبيين » وفي « الحيوان » ، أو على روايات أبي الفرج الاصفهاني في « الأغاني » ، أو على روايات علماء النحو والصرف واللغة ، والبلاغة ، كما لا نقبل أن يكون هذا الشعر لذلك الرجل


صفحه 112

المنسوب اليه لوصوله عن طريق مجهول الحال أو الذات ، أو يكون مجروحاً ، وهذا يمتد بنا إلى انكار الشخصيات ، كما أنكرها الهلابي ، والمالكي ، ومن قبلهم المستشرقون والمذهبيون.

واحتياجنا إلى منهج المحدثين في الجرح والتعديل قائم ، ولكنه ليس على اطلاقه ، وانما يقوم متى قامت الحاجة ، وذلك إذا تعارضت الروايات بين المؤرخين ، بحيث جاءت الواقعة عند مؤرخ مناقضة لواقعة اخرى عند مؤرخ آخر ، ولزم التوفيق بينهما ، أو عندما يأتي مقتضى الرواية التاريخية حكم شرعي ، او عقدي ، أو تعبدي ، أو عقلي ، ففي اختلاف المؤرخين نحاول الجمع ، فان أمكن صرنا اليه ، وان لم يمكن الجمع نظرنا إلى رجال السند ، فاثبتنا ما كان رجاله ثقات ، اسقطنا ما كان في رجاله قول. ومعارضة الرواية التاريخية للنص الثابت ، أو القطعي تسقط الرواية ولا كرامة ، وخروج الرواية على المعقول يسقطها عقلاً والذين درسوا مناهج التاريخ وضعوا ضوابط للنقد وحصروا مآخذ كل ضابط وفرقوا بين النقد السلبي والايجابي ، ونقد النص ، والاشخاص والوثائق ، وما يعرف بالنقد الظاهري ، والباطني ، ومع ذلك فما أحد منهم أفاض في منهج النقد على طريقة المحدثين ، وبخاصة عندما لا تقوم الحاجة لهذا المنهج كما أشرت.

وإذا جاء الناقد التاريخي إلى واقعة متعارف عليها ، متداولة بين المورخين ، مقبولة عند علماء الجرح والتعديل ، ممن ضعفوا راوي الواقعة التاريخية وقبلوها منه ، مثلما يفعل ابن حجر ، ومن قبله البخاري في التاريخ الكبير ، وهي أيضاً مستفيضة لدى كافة العلماء ، ثم تعمد نسفها من اساسها ،


صفحه 113

لمجرد أن في سندها مجروحين ، فذلك أمر لا يمكن القبول به ، ولا سيما إذا كان الحدث ، او الظاهرة ، مستفيضة ، ولم يكن لاحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين من امثال ابن حجر والذهبي وغيرهما ، ومن جاء بعدهم ممن عرفوا ان ابن سبأ ، ـ مثلاً ـ لم يأت إلاّ من طريق سيف بن عمر ، ومن الذين درسوا الملل والنحل ، وعرضوا للسبئية ولم ينكروا وجود ابن سبأ واشكالية ابن سبأ انه لم يعد شخصية تاريخية وحسب كالقعقاع مثلا ، فكل متحدث عن الفتنة وعن العقائد وعن التاريخ عرض لهذه الشخصية.

لقد مرت بهؤلاء على مختلف تخصصاتهم ، في الحديث ، والتاريخ والملل ، والنحل ، وعلى مختلف العصور ، شخصيات كابن سبأ والقعقاع ، وقضايا ، وأحداث ، وما أحد منهم نظر في حقيقة وجودها ، لمجرد انه لا يوجد طريق إلاّ طريق سيف بن عمر المجروح عند المحدثين. وما أحد من علماء السلف المعتبرين من شكك بوجود هذه الشخصيات ، هذا فيما اعلم وفوق كل ذي علم عليم وكما أشرت فان ضعف الراوي في مجال التاريخ يحملنا على استخدام العقل ورد المبالغات التي لا تعقل إذا لم يترتب على ردها تعطيل لسلطة النص القطعي الدلالة والثبوت ، ورد الاحداث التي لا يتوقع صدورها من شخص ، أو جيل توفرت لدينا المعلومات الكافية لتزكية ، لا رد الحدث أو الظاهرة المعقولة والمبررة والمستفيضة ، فالرواية الضعيفة في بعض احاديث الصلاة لا تنفي الصلاة نفسها ، وثبوت شخصية ابن سبأ والقعقاع لا يلزم منه ثبوت كل ما نسب اليهما. ثم ان ثبوت شخصيتيهما مستفيضة ، ومعروفة ، ولم يشك احد من المعتبرين بوجودهما. وما أثار مثل ذلك إلاّ المستفيدون من انكار مثل هذه الشخصيات. والسلفيون ليس لهم فائدة من انكار شخصية كابن سبأ فلماذا


صفحه 114

نتواصل مع غيرنا لصالح الغير. وأي اجحاف بحق المصداقية التاريخية يحصل لو صرفنا النظر عن مثل هذه الأمور.

وظاهر الانتحال في الشعر العربي التي التقطها مرجليوث حين حقق كتاب الحموي ، تعيد نفسها بشكل آخر مع حسن المالكي ، ومع سلفه الذين أمدوه بالمادة وبالمنهج ، فهو حين نظر إلى شخصيات مثيرة كابن سبأ ، والقعقاع ، وليس لها طريق غير طريق سيف بن عمر المجروح راح يتقصى الروايات المنسوفة من قبل ليعيد نسفها من جديد رواية رواية من خلال آليات المحدثين ، متناسياً تباين القيمة الروائية بين المؤرخين والمحدثين ، وفاته ، أو ربما فوت على نفسه ما تعارف عليه العلماء ، والمؤرخون من التفريق بين شروط الرواية في الحديث تثبت حكماً شرعياً أو تعبدياً ، او عقدياً يمس أحوال الناس ، وقد يقدح في معقولية الحكم أما الرواية في التاريخ فأمر مختلف جداً ما لم يترتب على ذلك ضرر من أي وجه. كما انه لم يفرق بين الاستفاضة في الظاهرة ، وارتباطها بالرواية دون استفاضة ، وفاته أو فوت على نفسه ـ ما توصل اليه العلماء من تقرير قواعد ، وأصول ، لكل علم. وما اتخذه الفقهاء دليل على تغير الحكم بتغير سياقاته ، ولهذا قال الفقهاء تقبل شهادة الصبيان فيما بينهم والرجوع إلى أهل الخبرة ومراعاة الاحوال في بعض الاحكام رؤية اصولية فالقاضي محتاج إلى الصانع والمزارع والطبيب في القضايا المتعلقة بمهنهم. ومن ثم يرتكب بعض الباحثين أخطاء فاحشة عندما يعزلون القضية ـ أي قضية ـ من سياقها الزمني ، أو من سياقها المعرفي ، متجاهلين ـ لحاجة في النفس ـ الضوابط والسياقات المعرفية. واذكر انني وأنا اتقصى مذهب عبد الله القصيمي الالحادي الهالك تبين