النصح ( سراً ) ولكني عدت إلى نفسي ، فرأيت ان ( الكتاب ) وأفكار ( الكاتب ) منشورة على الملأ ، وان النصح ( لعامة ) المسلمين لا يقل أهمية عن النصح ( لخاصتهم ).
ولن أتوقف ـ طويلاً ـ عند عبارات الأخ ( حسن ) ( الجارحة ) بمناهج جامعاتنا ، وهزال رسائلنا ، وضعف من المختصين في التاريخ عندنا ..! فقد كفيت من جانب ـ بمن سبقني في الكتابة ـ ولان الثقة بمناهجنا ومختصينا لا تهتز بمثل هذه المقولات الجائرة والاحكام المتعجلة من جانب آخر.
وإن كنت ( أعجب ) كغيري ، من بعض العبارات التي سطرها ( المالكي ) في كتابه ، كيف استساغها ، وكيف تم نشرها في كتاب ( حليته ) العلم وشعاره ( الانقاذ ) !
وقبل البدء بتدوين الملحوظات أشير إلى عدة أمور منها :
١ ـ ساقتصر في ملحوظاتي على الكتاب على ( فصوله الاولى ) رأيت أنها أقرب إلى تخصصي من جانب ، ولاأدع لاصحاب الشأن فرصة الحديث عن تخصصهم من جانب آخر وحين ( أتحاشى ) الحديث عن ملحوظاته على كتابي ( عبدالله بن سبأ .. ) فلا يعني ذلك موافقتي على ملحوظاته ، قدر ما يعني البعد عن الانتصار للذات.
٢ ـ وأشفق على الاخ ( حسن ) وهو ( يتعاظم ) في نفسه ، و ( يزكي ) عمله حين يقول : « وها آنذا طالب لم يحصل على شهادة في التاريخ ، ولكنني لما تمسكت بمنهج أهل الحديث فندت أقاويل من سبقوني بعقود في كتابة التاريخ الاسلامي !! » ص ٤٠.
وفي مقابل ذلك ( يزري ) بالآخرين ( ويستهجن ) عملهم ، ولا ( يتورع )
في الحاق التهم بهم.
٣ ـ ولا أظنك يا أخ حسن ممن يهوى ( الصعود ) على ( أكتاف الآخرين ) ولا أرغب لك ( عالم الشهرة ) على حساب ( الحقيقة العلمية ) ، ومن بوابة ( الاثارة الاعلامية ).
٤ ـ ولست أدري كيف تحول التاريخ في ذهنك وانحسر ( الانقاذ ) في منهجك في ( بيعة علي ) رضي الله عنه وارضاه فحسب ، فمعظم دراساتك ( النقدية ) تتمحور حول هذه القضية ، ـ ومع أهميتها ـ ، فالانقاذ ( الحق ) ينبغي أن يكون أشمل ، وثمة أحداث في ( تاريخ الخلفاء الراشدين ) رضي الله عنهم لا تقل عنها أهمية.
٥ ـ يا أخانا الكريم ، ولئن كنا ـ معاشر المؤرخين ـ ( نأنف ) من اقامة التاريخ على شفا جرف هار تخونه الروايات الضعيفة ، ويشتط بتاويل احداثه الرواة المتهمون فاننا ( نرفض ) الجنوح نحو ( انكار ) الصحيح ، وابطال الحق ، وتسفيه الأحلام.
٦ ـ وحين أقدم لك هذه ( النصائح الأولية ) فلا يسبق إلى ( ظنك ) أنها مجرد ( عواطف ) بل ساتبعها بما فتح الله من ( حقائق ) لا أدعي العصمة فيها ، لكنها على الاقل ( تخالف ) ما قطعت به ، وأودع لك الفرصة لتاملها بعين ( الانصاف ) و ( التجرد ) للحق فقد ( شجعني ) في الكتابة اليك ، رغبتك في قبول الحق ، واستعدادك للتنازل عن أي رأي يثبت لك خلافه ـ كما ذكرت في الكتاب ـ أكثر من مرة وأرجو ألاّ يكون الهدف ( التجهز ) لمعركة طويلة الاجل كما ذكرت في ردك على الاخ ( عبدالله العسكر ) ص ٨٩ ، إذ ليس مما ( يتفاخر به ) المرء ( تعوده على الردود على بعض الفقهاء أو مشاغبي التاريخ ) كما قلت في
الصفحة نفسها.
وسيكون الحديث اليك وإلى غيرك غبر المحاور التالية :
١ ـ ابن سبأ من غير طريق سيف بن عمر
٢ ـ التحقيق في المرويات.
٣ ـ سيف بن عمر مشجب.
٤ ـ رواة آخرون في الميزان.
٥ ـ ملحوظات أخرى في الكتاب.
أولاً : ابن سبأ من غير طريق سيف بن عمر
تابع الاخ ( المالكي ) من سبقوه في اعتبار سيف بن عمر ( المصدر الوحيد الذي روى أخبار عبدالله بن سبأ في الفتنة ) ( ص ٥٨ ) فهو يثني على دراسة الدكتور ( الهلابي ) ويعتبرها من أروع الدراسات عن سيف بن عمر ، ثم يتبعها بدراسة أخرى للسيد مرتضى العسكري ، الذي توصل للنتائج نفسها التي توصل اليها الدكتور الهلابي ـ على حد تعبير المالكي ( ص ٥٨ ) ولي وقفة منهجية حول هذا التعبير ـ فيما بعد ـ ان شاء الله.
وأنقل للقارىء هنا ( نص ) نتيجة هاتين الدراستين ـ محل اعجاب المالكي ـ يقول د. عبدالعزيز الهلابي :
« ينفرد الاخباري سيف بن عمر التميمي ( ت : ١٨٠ ه ) من بين قدامى الاخباريين والمؤرخين المسلمين بذكر عبد الله بن سبأ في رواياته ، ويجعل له دوراً رئيسياً في التحريض على الفتنة ... »
( الحولية الثامنة لكلية اداب جامعة الكويت ، الرسالة الخامسة
والاربعون ، عبدالله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة ص ١٣ ).
ويقول في موضع آخر ـ من الحولية ـ : « لا أعلم فيما اطلعت عليه من المصادر المتقدمة أي ذكر لعبد الله بن سبأ عند غير سيف بن عمر سوى رواية واحدة عند البلاذري ، وهذه يكتنفها الغموض » ص ٤٦.
وفي نهاية بحث الدكتور عبد العزيز الهلابي يخلص إلى نتيجة الآتية حين يقول :
« والذي نخلص اليه في بحثنا هذا ان ـ ابن سبأ ـ شخصية وهمية لم يكن لها وجود فان وجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكد انه لم يقم بالدور الذي اسنده اليه سيف واصحاب كتب الفرق لا من الناحية السياسية ولا من ناحية العقيدة » ( ص ٧٣ من الحولية ).
أما « مرتضى العسكري » فعنوان كتابه ( عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ) يكفي لمعرفة رأيه ، ومع ذلك فهو يركز على ( سيف ) متهماً إياه بالتزوير والكذب ( ص ٦ ).
ويؤكد ( العسكري ) انه لم يكن لعبد الله بن سبأ وجود. في عصري ( عثمان ) و ( علي ) البتة .. ولكن سيفاً صحف واخترع هذه الشخصية الجديدة ( ص ٢٧٩ ، ٢٨١ ).
تلك مقتطفات سريعة لابرز ( أفكار ) و ( نتائج ) هاتين الدراستين ، اللتين يعجب بهما ( المالكى ) ويعتبرهما ـ أو احداهما ـ من أروع الدراسات !
وحتى ( لا نظلم ) المالكي ، ننقل شيئا من كلامه ( هو ) عن ابن سبأ. فهو يعتبره ( اليهودي النكرة ! ) ( ص ٧١ ).
وهو يفكر أفكار ابن سبأ ومعتقداته حين يتحدث عن ( الوصية ) ويقول : « ان ( سيفا ) يروي أن عبد الله بن سبأ نشر فكرة الوصية لعلي بن ابي طالب .. إلى أن يقول وهذا يتناقض مع فكرة ( الوصية ) لان عبدالله بن سبأ لو بث فكرة الوصية لعلي وتأثر الناس بها فلماذا اختار أتباعه بالبصرة والكوفة وغيره مع ان ابن سبأ لم يدع بالوصية للزبير ولا لطلحة فهذا تناقض » ( ص ٧٩ نحو انقاذ التاريخ الإسلامي ).
والخلاصة ان ( المالكي ) يشارك غيره الافكار والتشكيك لشخصية ( ابن سبأ ) وأفكاره ، وأن ( سيفاً ) وراء ذلك كله ، إذ هو المصدر الوحيد لأخبار عبدالله بن سبأ فهل ـ تصح. هذه الفرضية الخاطئة ، التي انتهت إلى هذه النتائج الخاطئة !
لقد ثبت لدي بالبحث العلمي وجود ( ثماني ) روايات ، لا ينتهي سندها إلى ( سيف ) بل ، ولا وجود لسيف فيها أصلاً ، وكلها تتضافر على اثبات عبدالله بن سبأ والروايات ( مثبتة ) في تاريخ دمشق لابن عساكر ، وقد صحح العلامة ( ناصر الدين الالباني ) أسناد عدد منها ، وقمت بتحقيق في أسانيدها ـ رواية رواية ـ فثبت لي صحة اسناد معظمها ، في بحث لم أنشره بعد بعنوان ( ابن سبأ والسبئية قراءة جديدة وتحقيق في النصوص القديمة ).
والروايات الثماني مسندة كما يلي :
١ ـ أخبرنا أبو البركات الانماطي ، أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن وأبو الفضل أحمد بن الحسن ، قالا. أنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله أنا أبو علي بن الصواف ، أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، نا محمد بن العلاء ، نا أبوبكر بن عياش ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : أول من كذب عبدالله بن سبأ.
٢ ـ قرأنا على أبي عبد الله يحيى بن الحسن ، عن أبي الحسين ابن الابنوسي ، أنا أحمد بن عبيد بن الفضل ، وعن أبي نعيم محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز ، أنا علي بن محمد بن خزفة قالا. نا محمد بن الحسين ، نا ابن أبي خيثمة ، نا محمد بن عباد ، نا سفيان ، عن عمار الدهني قال. سمعت ابا الطفيل يقول : رأيت المسيب بن نجبة أتى به طببه يعني ابن السوداء وعلي على المنبر فقال علي : ما شأنه فقال : يكذب على الله وعلى رسوله.
٣ ـ أخبرنا أبو القاسم يحيى بن بطريق بن بشرى وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة قالا : أنا أبو الحسين بن مكي ، أنا أبوالقاسم المؤمل بن أحمد بن محمد الشيباني ، نا يحيى بن محمد بن صاعد ، نا بندار ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة ، عن سلمة ، عن زيد بن وهب عن علي قال : مالي وما لهذا الحميت الأسود قال : ونا يحيى بن محمد ، نا بندار ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة عن سلمة قال : سمعت أبا الزعراء يحدث عن علي عليه السلام قال : ما لي وما لهذا الحميت الاسود.
٤ ـ أخبرنا أبو محمد بن طاوس وأبو يعلي حمزة بن الحسن بن المفرج ، قالا : أنا أبو القاسم بن أبي العلاء ، نا أبو محمد بن أبي نصر ، أنا خيثمة بن سليمان ، نا أحمد بن زهير بن رحرب ، نا عمرو بن مرزوق نا شعبة ، عن سلمة بن كهيل عن زيد قال قال علي بن أبي طالب : ما لي ولهذا الحميت الأسود يعني عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر.
٥ ـ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ابراهيم بن الخطاب ، أنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي الفارسي ، وأخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسين بن ابراهيم الدراراني ، أنا سهل بن بشر ، أنا أبو الحسن علي بن منير بن أحمد بن منير الخلال قالا : أنا القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله
الذهلي ، نا أبو أحمد ابن عبدوس نا محمد بن عباد ، نا سفيان ، نا عبد الجبار بن العباس الهمداني ، عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي الكندي قال :
رأيت عليا كرم الله وجهه وهو على المنبر وهو يقول : من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله وعلى رسوله ـ يعني ابن السوداء ـ لولا أن لا يزال يخرج علي عصابة تنعي على دمه كما ادعيت على دماء أهل النهر لجعلت منهم ركاماً.
٦ ـ أخبرنا أبو المظفر بن القشيري ، أنا أبو سعد الجنزروذي ، أنا أبو عمرو ابن حمدان ، وأخبرنا أبو سهل محمد بن ابراهيم بن سعدويه ، أنا ابراهيم بن منصور سبط بحروية ، أنا أبوبكر بن المقري ، قالا : أنا أبو يعلي الموصلي ، نا أبو كريب محمد ابن العلاء الهمداني ، نا محمد بن الحسن الأسدي ، نا هارون بن صالح الهمداني ، عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي الجلاس ، قال : سمعت عليا يقول لعبد الله السبئي : ويلك والله ما افضى إليّ بشيء كتمه أحداً من الناس ، ولقد سمعته يقول : ان بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وانك لاحدهم.
قالا : وأنا أبو يعلي ، نا أبوبكر بن أبي شيبة ، نا محمد بن الحسن زاد ابن المقري الأسدي باسناده مثله.
٧ ـ أخبرنا أبوبكر احمد بن المظفر بن الحسين بن سوسن التمار في كتابه ، وأخبرني أبو الطاهر محمد بن محمد بن عبد الله السبخي بمرو ، عنه ، أنا أبو علي بن شاذان ، نا أبوبكر محمد بن جعفر بن محمد الأدمي ، نا أحمد بن موسى الشطوي ، نا احمد بن عبدالله بن يونس أبو الاحوص عن مغيرة عن سماك قال :
بلغ عليا ان ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر ، فدعا ربه ودعا بالسيف أو قال فهم بقتله فكلم فيه فقال لا يساكني ببلد انا فيه ، قال فسير إلى المدائن.
٨ ـ أنبانا أبوبكر محمد بن طرخان بن بلتكين بن يحكم ، أنا أبو الفضائل محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن طوق ، قال : قرىء على أبي القاسم عبيدالله بن علي بن عبيدالله الرقي. نا أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أبي مسلم ، أنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد ، اخبرني الغطافي ، عن رجاله ، عن الصادق عن ابائه الطاهرين عن جابر قال : لما بويع علي خطب الناس فقام اليه عبدالله بن سبأ فقال له : أنت دابة الأرض قال فقال له : اتق الله ، فقال له : انت الملك ، فقال له : اتق الله ، فقال له : أنت خلقت الخلق ، وبسطت الرزق ، فأمر بقتله ، فاجتمعت الرافضة فقالت. دعه وانفه إلى ساباط المدائن فانك إن قتلته بالمدينة خرجت أصحابه علينا وشيعته ، فنفاه إلى ساباط المدائن فثم القرامطة والرافضة ، قال : ثم قامت اليه طائفة وهم السبئية وكانوا أحد عشر رجلاً فقال ارجعوا فاني علي بن أبي طالب أبي مشهور وأمي مشهورة ، وأنا ابن عم محمد صلي الله عليه وسلم فقالوا لا نرجع ، دع داعيك فاحرقهم بالنار ، وقبورهم في صحراء أحد عشر مشهورة فقال من بقي ممن لم يكشف رأسهم منهم علينا. انه اله ، واحتجوا بقول ابن عباس « لا يعذب بالنار إلاّ خالقها ».
قال ثعلب : وقد عذب بالنار قبل علي أبو بكر الصديق شيخ الاسلام ـ رض ـ وذاك انه رفع اليه رجل يقال له الفجاة وقالوا انه شتم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وفاته ، فاخرجه إلى الصحراء فاحرقه بالنار.
قال فقال ابن عباس ، قد عذب أبوبكر بالنار فاعبدوه أيضا[١].
[١]انظر تاريخ مدينة دمشق للحافظ ابن عساكر الصفحات ١٢٤ / ب ، ١٢٥ / أ من أصل المخطوط.