من الشمس ، ثم هل يصح القول بأن سيف بن عمر هو الرواية المنفرد بذكر أخبار عبد الله بن سبأ ؟
هذا السؤال سبق لي أن تعرضت له في كتابي عن ابن سبأ ودوره في إحداث الفتنة واجبت عليه قائلا : والذي يتبين لنا من خلال البحث أن سيفا ليس هو المصدر الوحيد لأخبار ابن سبأ ثم سقت ثلاث روايات مختصرة من تاريخ ابن عساكر لا ينتهي سندها عند سيف ولم أقف عند إسنادها طويلاً أكثر من إحالتي إلى رأي المحقق الألباني فيها ظنا مني أن الموضوع لا يعدو ان يكون مجرد آراء عفا عليها الزمن ، لكنني حين طالعت الرسالة الأخيرة للدكتور عبدالعزيز الهلابي بعنوان : « عبد الله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة » والتي أشرت إليها في حديثتي آنفاً ، وجدت فيها تأكيداً على هذه الآراء بل وجرأة عجيبة على إحياء آراء مرتضى العسكري والذي قال وقتها : انني توقفت عن نشرها زهاء سبع ستين تهيبا لإثارة العواطف في الشرق المسلم !
ود. الهلابي لم يتردد أو يتهيب بل قال في مقالة المنشور عام ١٩٨٦ م في حولية كلية الآداب ما نصه : ينفرد الإخباري سيف بن عمر التميمي من بين قدامي الإخباريين والمؤرخين المسلمين بذكر عبد الله بن سبأ في روايته.
ويقول في موضع آخر : لا أعلم فيما اطلعت عليه من المصادر المتقدمة أي ذكر لعبد الله بن سبأ عند غير سيف بن عمر سوى رواية واحدة عند البلاذري وهذه الرواية يكتنفها الكثير من الغموض.
والغريب في الأمر أن الهلابي حينما أشار إلى الرواية الوحيدة ـ حسب ما انتهى إليه ـ عند البلاذري ، والتي تذكر ابن سبأ من غير طريق سيف ، شكك فيها قائلا : « ومما يلاحظ على هذا النص ان أحداً من الذين ذكروا ابن سبأ لم
يذكر أن اسمه عبد الله بن وهب الهمداني » ، وهذا القطع منه مجازفة تفتقر إلى الدليل ، بل النصوص تؤكد خلافه ، فأبو خلف الأشعري القمي المتوفي سنة ٣٠١ سمى ابن سبأ ب « عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني ».
وأغرب من ذلك أن يقبل الدكتور بنص كتاب « الامامة والسياسة » وفيه ـ بدل ابن سبأ ـ عبد الله بن وهب الراسبي ـ زعيم الخوارج ـ وأحد أصحاب علي الذين تم اللقاء معهم بعد صفين وقبل خروج الخوارج في النهروان على أثر فشل التحكيم ـ كما يقول الدكتور ـ وهو الذي أنكر في مقالة أخرى الدور المنسوب للقرّاء في الحرب والتحكيم.
مغالطة :
إذن ماذا بقى لأصحاب الرأي القائل بأنّ سيفا وحده قد تفرد بمرويات عبد الله بن سبأ ؟
للإجابة على هذا السؤال أحب أن أورد في هذا الصدد رأياً لأحد الباحثين في شخصية ابن سبأ خلص منه إلى القول :
« ان المتعلق برواية سيف بن عمر ليس إلا مغالطة يتحمل وزرها كل من يقول بها » !
ذكرتم لنا الروايات التي ساقت أخبار ابن سبأ ونجد أن جميعها إنما جاء عن طريق أصحاب التاريخ ، فهل نعتبر مسالة ذكر ابن سبأ قصراً على أصحاب التاريخ وحدهم ؟
هذه المسألة ليست قصراً على أصحاب التاريخ فحسب ، انما ذكرها
غيرهم وهم كالتالي :
ابن أبي عاصم المتوفي سنة ٢٨٧ ه في كتاب السنة.
أبو يعلى الموصلي المتوفي سنة ٣٠٧ ه.
والعقيلي المتوفي سنة ٣٢٢ ه فقد نقل في ترجمة محمد بن السائب الكلبي أنه كان يضرب صدره ويقول : سبئي أنا سبئي ، ثم يعلق العقيلي على ذلك بقوله :
قال أبو جعفر : هم صنف من الرافضة أصحاب عبد الله بن سبأ.
وإذا كان هؤلاء العلماء قد ذكروا عبد الله بن سبأ صراحة فهناك غيرهم ممن أومأ إليه تلميحاً لا تصريحاً.
على أن هناك من الباحثين من يرى تواتر قصه ابن سبأ لأنها وردت في المصادر المشهورة كالحافظ وابن قتيبة ، والناشىء الأكبر ، والقمي ، والنوبحتي والبغدادي ، والشهرستاني ـ وغيرهم بنصوص يختلف بعضها عن بعض ، مما يؤكد عدم تفرد سيف أو الطبري بذكرها.
نلاحظ أن الهلابي يحاول أن يفصل بين شخصية ابن سبأ والسبئية ، فما موقفكم من هذا التوجه ؟
الهلابي يحاول أن يفصل بينهما ويقطع الصلة بين السبئية وابن سبأ ، فيقول : أما السبئية فقد وردت مراراً في المصادر المتقدمة عند غير سيف بن عمر ، ويبدو انه كان يقصد بها السب والتعيير.
ثم يعرض عدداً من النصوص لتدعيم وجهة نظره وينتهي إلى السؤال التالي : إذن من اين جاءت كلمة « السبئية » وماذا تعني ثم يجيب : إن أيسر الأجوبة على هذا السؤال هو أن نفهمها على أنها منسوبة إلى عبد الله بن سبأ
الذي ذكره سيف بن عمر ومؤلفو كتب الفرق وبعض كتب الأدب ، وهذا فيه تدعيم للدراسين الذين بنوا دراساتهم عن ابن سبأ والسبئية على رواية سيف بن عمر ومؤلفي كتب الفرق وبعض كتب الأدب ، ولكن في الحقيقة ـ كما يقول الدكتور ـ لا يمكن الأخذ بهذا التفسير بحيث إنه لا يمكن وصف أي جماعة ممن اطلقت عليهم « السبئية » في المصادر التي استخدمناها آنفاً بأن لها صلة بابن سبأ المزعوم أو معتقداته .. ونتوقف عنده هذه النقطة معلقين بما يلى :
وقفت على عدة نصوص عن السبئية أقدم وأوثق مما ذكره « الهلابي » فوق ما سبق تدوينه في كتاب عبد الله بن سبأ ص ٢٠٥ ، ٢٠٦ ، ومن هذه النصوص : نص عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال ابن عدي في ترجمة محمد بن السائب الكلبي : حدثنا الساجي ، ثنا ابن المثنى ، ثنا عثمان بن الهيثم ، ثنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس قال : « إذا كثرت القدرية بالبصرة استكفت أهلها ، وإذا كثرت السبئية بالكوفة استكفت أهلها ».
نص عن الشعبي : وقال ابن عدي : أخبرنا الساجي ، قال ثنا ابن المثنى ، ثنا أبو معاوية ، ثنا سعيد الهمداني ، قال سمعت الشعبي يقول : دست هذه الأهواء كلها بقدمي فلم أر قوما أحمق من هذه السبئية.
نص عن الأعمش : ونقل ابن عدي بسنده قال : أخبرنا الساجي ، ثنا أبي المثنى ، ثنا أبو معاوية قال الأعمش : « اتق هذه السبئية فإني أدركت الناس وإنما يسمونهم الكذابين ».
وبالإسناد إلى محمد بن هارون بن حميد ، عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن إبي معاوية الضرير عن الأعمش قال : « أدركت الناس يسمونهم الكذابين ».
وفي ميزان الذهبي : «وقال يزيد بن زريع حدثنا الكلبي ـ وكان سبئيا ـ قال أبو معاوية : قال الأعمش : اتق هذه السبئية ... الخ ».
نص العقيلي : وفي الضعفاء للعقيلي حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا عمر بن شيبة ، حدثنا عبد الواحد ابن غياث ، حدثنا ابن مهدي قال : جلس إلينا أبو جرى على باب أبي عمر بن العلاء فقال أشهد أن الكلبي كافر إلى قوله : ولكن رأيته ـ يعني الكلبي ـ يضرب على صدره ويقول لنا : سبئي أنا سبئي قال أبو جعفر ( العقيلي ) هم صنف من الرافضة أصحاب عبد الله بن سبأ.
هذه النصوص ـ كما أسلفت ـ أقدم وأوثق مما ساقه د. الهلابي ـ أما قدمها فمشهود لأنها مروية عن صحابي أو تابعي ، أما توثيقها فكونها مسندة ينتهي إسنادها إلى ثقات ، وأيا ما كان درجة إسنادها من الصحة فالفرق كبير بينها وبين نصوص « أبي مخنف » على سبيل المثال ـ وهو من استشهد له الهلابي بنصين في هذا الموطن ، فهو راو متهم ، بل ساقط محترق كما يقول علماء الجرح والتعديل.
ودلالتها على ابن سبأ لم تكن محل خلاف عندهم ، وقد صرح بعضهم بنسبة السبئية إلى ابن سبأ كما صنع العقيلي.
والتحمل واضح في محاولة الفصل بين المصطلح وابن سبأ ، والا فالكتب المختصة بالأنساب والمختصة بالفرق ـ وهي الفيصل عند الاختلاف لا تتردد في نسبة السبئية لابن سبأ ، ولئن كان قد اتسع مصطلح السبئية فيما بعد ودخل فيه طوائف وأجناس فلا مرية أن أصل التسمية يعود إلى ابن سبأ.
٢ ـ وكتب الفرق هي الأخرى مرجع عند الاختلاف في نسبة السبئية ، والغريب في الأمر أن الهلابي سفه أحلام بعض أصحابها واتهمهم بالبلادة ،
وتجاوز في نقده لهم الموضوع الأساسي إلى موضوعات أخرى ، أما هذا الرصيد من النصوص الموثقة والمراجع والمصادر الثمنية التي بلا شك أن الهلابي قد اطلع على كثير منها ولم يفته الوقوف عليها والإلمام بما في أطوائها.
بماذا تعلقون على موقف الهلابي منها ؟
الغريب في الأمر أن الهلابي لا يرى الاعتماد عليها أبداً إذ يقول : ونحن نرى بالمقابل أنه لا يصح أبداً الاعتماد على كتب الفرق والمقالات في دراسة القضايا التاريخية ثم يعلل ذلك قائلا : إذ أن معظمها إن لم تكن كلها كتبت بروح التحامل والتعصب ، وتعوزها الأمانة والتدقيق في صحة ما تنقل بالإضافة إلى الكثير مما فيها من المبالغات والتناقضات.
وهكذا يتجشم د. الهلابي الصعاب مرة أخرى ، بل ثالثة ورابعة ، وهو يجازف بعبارات كان خليقاً به أن يرفع قلمه عنها ، ونحن لا ندعي العصمة لهولاء ولا لغيرهم ولا نبرئ ساحة كتبهم من الأخطاء ، لكن الرفق بالعلماء من سمات العلماء ، وكيف أباح الدكتور لنفسه أن يتهم معظم كتب المقالات أو كلها بالتحامل والتعصب ، ثم هو يحكم عليها كذلك بضعف الأمانة والتدقيق ، وأنها تحوي الكثير من المبالغات والتناقضات !
إذن أي شيء بقى للدكتور يثق به من تراثنا ؟ وهو الذي لم يثق بما كتبه المؤرخون حين اعتبر المتأخرين منهم نقلة مقلدين عن أسلافهم ، وشنع على الاخباريين الذين رووا قصة ابن سبأ واتهمهم بقلة الأمانة وتلفيق القول واختلاف الروايات وحكم بتفردهم بذكر الخبر ولم يرض بالروايات الواردة في الكتب الأخرى فلم يستبعد أن يكون أصل كتاب البلاذري قد تعرض
للتحريف من قبل النساخ ، لأنه ذكر ابن سبأ ، أما نص الجاحظ فهو يسقطه معللا ضعف مصدر الشعبي ـ راوي الخبر ـ وهو زحر بن قيس ، بل هو يميل فوق تلك إلى أن القصة وضعت في مرحلة متأخرة نسبياً وأسندت إلى الشعبي ( ت ١٠٤ ) والشعبي من الثقات الأثبات ، ( هكذا يجازف دون دليل ) ، وهو لا يرى اعتماد احكام أصحاب الجرح والتعديل على الإخباريين ، ويرى أن القضايا التاريخية لا تعالج حسب حكم أصحاب الحديث على روايتها إيجاباً أو سلباً ، بل إن الروايات نفسها تعرض على محك النقد والتمحيص والمقارنة فإن ثبتت فذلك ما يبحث عنه المؤرخ ، وإن هي انهارت فلا قيمة لها بصرف النظر عن مكانة راويها العلمية وسمعته فقد يكون نقلها بحسن نية .. الخ ، ونحن بدورنا نقول : أي منهج هذا وماذا بقى للدكتور يرتضيه من تراثنا ومناهج أسلافنا !
منهج الهلابي
هل ترون أن د. الهلابي يعتمد منهجاً محدداً لما يقبله أو يرفضه من الروايات ، بحيث استند عليه في بحثه لهذه القضية ؟
الذي بدا لي حقيقة أن د. الهلابي يعتمد على منهج محدد متمثل في أن لديه مقررات سابقة يحتفظ بها ويحاكم النصوص إليها فيقبل منها ما ينسجم معها ويطرح جانباً ما يعارضها وقد يقبل من مؤلف واحد نصاً في موطن استشهاده ويرفض منه أو يتجاهل نصاً آخر في موطن استنكاره ! وحتى تتضح الصورة أسوق النموذج التالي : فيما نحن بصدده قبل الدكتور بنص عند أبي الحسن الأشعري ينسب السبئية فيه إلى عبد الرحمن بن سبابة ، واعتبر ذلك جالياً
لغموض هذه التسمية التي تسميها بها بعض كتب الفرق ، وأن ذلك لا علاقة له بمصطلح السبئية والتي تسمى أحيانا ب « السبا » ، لكنه تجاهل تماماً نصاً آخر عند الأشعري نفسه ينسب فيه السبئية إلى عبد الله بن سبأ فيقول : السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون ... الخ ( ١ / ٨٦ ) ، فهل يقال أن الدكتور لم يطلع عليه ، أم لأنه لا يخدمه !
لا جديد
ذكرتم لنا أن د. عبد العزيز الهلابي كتب في الحولية الثامنة الرسالة الخامسة من حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت بحثه الذي هو بعنوان : « عبد الله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة » هل لكم أن توضحوا لنا ماذا يريد الهلابي في هذة الرسالة وما الجديد فيما طرحه وما هي أصول آرائه التي أعلنها ؟
الحق اننا حين نعود إلى الكتابات السابقة لا نجد في الموضوع جديدا في طرح د. الهلابي ولا من تابعه أمثال تلميذه حسن المالكي في كتاباته المتأخرة.
يقول المستشرق « إسرائيل فريد لندر » : إن ابن سبأ ليس إلا شيء في نفس سيف أراد أن يبعد به شبح الفتنة عن الصحابة وأنها إنما أتت من يهودي تستر بالإسلام.
ومن الملاحظ أن هذا المستشرقين مع محاولته لتقليل شأن ابن سبأ في الفتنة واتهامه لسيف وهو نفس ما حاوله د. الهلابي ، الذي لم يجرؤ على إنكار شخصية ابن سبأ مطلقاً فهو يقول : ليس بإمكاننا أن ننكر الأشياء الإيجابية التي