حديث ( أمرت بقتال الناكثين ... ) بأنه موضوع !! انظر مسند علي ( ٢ / ٧٤٣ ) ثم حكم عليه بأنه حسن ( ٣ / ٨٦٥ ) ثم حكم عليه بأنه صحيح ( ٣ / ١٠٦٠ ) فهذا التناقض من ( الموضوع إلى الصحيح ) مروراً بالحسن والضعيف !! أوضح من تناقض بين ( الحسن والصحيح ) إن صح تسميته تناقضاً !! لأن المتقدمين من المحدثين لم يكن عندهم إلا الصحة المطلقة لا الاصطلاحية المحدثة وأول من قال بالحسن ولا يريد به الصحيح كان علي بن المديني ثم توسع فيه الترمذي. ويستخدم الحسن عند المقارنة غالباً أما عند الاطلاق فيجوز استخدام اللفظين وكلاهما ( الحسن والصحيح ) حجة والحمدلله أما ( الموضوع والصحيح ) فلا يلتقيان إلاّ عند محقق التراث !!
الرد على د. سليمان العودة
تهريب عبد الله بن سبأ
أما د. سليمان بن حمد العودة فقد اطلعت على اللقاء الذي أجرته معه صحيفة « المسلمون » يومي الجمعة ٥ ، ١٢ ربيع الأول من هذا العام ١٤١٨ ه وكان اللقاء رداً عليّ وعلى د. عبدالعزيز الهلابي الذي ينكر شخصية عبدالله بن سبأ بينما أنا أنكر دوره في الفتنة فقط أما وجوده فهو إلى الآن تحت البحث والدراسة مع ان د. سليمان خلط بين المسألتين.
ود. سليمان ـ هدانا الله وإياه إلى الحق ـ يدعونا لتحري الامانة العلمية وأنا أدعوه للأمر نفسه ولو قامت جهة علمية للنظر بحيادية لما كتبه الثلاثة أنا
والهلابي والعودة للنظر في من يتجافى عن ( التحري العلمي ) لكان مما يسرني لأنني أزعم أن د. سليمان لم يتحر الامانة العلمية إنه يحرف الحقائق بتعمد وليس بإساءة فهم وعندي الأدلة الكثيرة على ذلك وهو يدعوني لتحري الأمانة العلمية !! فلابد من جهة ثالثة محايدة مرضية من الطرفين تحكم لاحد الاثنين أو تحكم ضدهما جميعاً أو براءتهما جميعاً أما أن نتراشق التهم فهذا لا يخدم الحقيقة وأنا أرضى بأية جهة علمية يرتضيها د. سليمان وحتى أحدد أكثر فأنا أرضى قسم التاريخ بالكلية التي يتولى عمادتها د. سليمان !! لتنظر ثم تخرج حكمها وتنشره بين الناس وأظن فعلي هذا فيه غاية الانصاف فهل يوافق د. سليمان على هذا أو على المناظرة أم يستمر في رمي أخيه المسلم بالاتهامات في المجالس وعلى المنابر.
تبسيط القضية
أحب في البداية أن أنبه الإخوة القرّاء إلى أمر سيسهل علينا اختصار كثير من الامور وهو كما قلت سابقاً : إن د. سليمان العودة قد حملني نفي ( وجود عبدالله ابن سبأ ) مطلقاً !! بينما أنا أنفي ( دوره في الفتنة ) فقط بعنى أنني أمتلك عن أحداث الفتنة أسانيد صحيحة تفسر لي كيف حدثت الفتنة ولست بحاجة لأسانيد سيف وأمثاله من الضعفاء والكذابين الذين يفسرون لي أحداث الفتنة تفسيراً مختلفاً فهذا هو لب ما نفيته في مسألة عبدالله بن سبأ.
أما مسألة وجوده فهي تحت البحث والدراسة ولا ريب أن نفيي لدور عبدالله بن سبأ في الفتنة هو نفي ل ٩٥ % من أخبار عبدالله بن سبأ لأن بقية الأسانيد ـ من غير سيف ـ إنما تتحدث عن رجل يغلو في علي بن أبي طالب
فقظ !! ولا ريب أن نفيي لأخبار عبد الله بن سبأ في الفتنة سيأتي على رسالة د. سليمان العودة التي كان الهدف منها ( إثبات دور عبدالله بن سبأ في أحداث الفتنة في صدر الاسلام ) !! وعلى هذا آمل أن يعرف القرّاء سرّ الدفاع المستميت من د. سليمان عن سيف بن عمر !! لأن سقوط سيف يعده العودة سقوطاً كاملاً لرسالته !! بينما أنا أعتبر رجوع الدكتور إلى الحق خيراً له وللتاريخ من التمادي في الباطل لو رجع إلى نفي أساطير ابن سبأ في الفتنة فإنه يسجل بهذا سابقة إنصاف لم نعهد صدورها من كثير من الأكاديميين. ثم إن رجوعه إلى نفي أخبار ابن سبأ في الفتنة لا يعني انتقاصاً لرسالته أو أنه لا يستحقها وله في الشافعي أسوة حسنة فقد كان له مذهب قديم ومذهب جديد وأنا على سبيل المثال كنت أثبت دور ابن سبأ كاملاً حتى بحثته وكنت أثبت القعقاع بن عمرو وصحبته حتى تبين لي ان المصدر الوحيد في هذا هو سيف ، فرجعت إلى نفي دور ابن سبأ في الفتنة وإلى نفي وجود القعقاع لأن المنهج يوجب علينا ألا نبقي مجالاً للشكوك والعواطف والأحاسيس !!
فالمنهج مثلاً يلزمنا بالحكم بالوضع على حديث معين إذا انفرد به كذاب ويلزمنا أن نحكم على الحديث بالضعف الشديد إذا تفرد به متروك ويلزمنا المنهج بالحكم على الحديث بالضعف إذا تفرد به ضعيف وهكذا. وقد نحس في أنفسنا أن هذا الحديث الموضوع صحيح لكن هذا الإحساس ليس مقياساً في ثبوت الحديث وكذلك ( الحرص على التراث ) ليس مقياساً في الحفاظ على روايات الكذابين !!
إذن فأنا أجد خلطاً كبيراً عند د. سليمان وعند كثير من المؤرخين الاسلاميين هذا الخلط بين تطبيق المنهج وبين ( الإحساس ) أو ( حديث القلب )
أو ( المصالح ) أو ( حب مخالفة ما توصل إليه بعض الكفار والمبتدعة ) أو ( حب إثبات ما ذكره بعض علماء المسلمين ) وهكذا نجد كثيراً من المعايير ليست علمية البتة ولا دخل لها بالنواحي العلمية ولو أننا لا نحكم على الحديث أو الرواية بالكذب لمجرد إحساسنا بصحتها لاثبتنا كثيراً من الاحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة !! ولاختلفنا اختلافا كبيراً لأن ( الإحساس ) يختلف من شخص لآخر بينما المنهج صامت لا يحابي إحساساً ولا عاطفة ثم إن الإحساس غير منهج المحدثين وإنما قيل أنه يتبعه بعض غلاة الصوفية ويطلقون عليه ( التذوق ) !! كما أن ( مراعاة المصالح ) تختلف باختلاف الرؤى نفسها فإذا كان د. سليمان يرى أن توثيق سيف وإثبات أكاذيبه عن ابن سبأ وغيره من باب المحافظة على المصلحة ( مصلحة التراث ) !! فإن لآخر أن يدعي أن نفي هذه الأكاذيب من ( مصلحة التراث ) أيضاً !! بل المصلحة هنا متحققة ولو كان د. سليمان يعلم ـ وأظنه يعلم ـ خطورة إثبات روايات سيف عن ابن سبأ لما تمسك بها البتة لأن روايات سيف عن ابن سبأ تثبت أن بعض كبار الصحابة من بدريين وغيرهم كانوا ينفذون خطط عبدالله بن سبأ !! ( وسيأتي تفصيل ذلك حتى يتبين للناس أن إثبات ابن سبأ بكامل دوره أخطر من نفيه وأن أكثر علماء المسلمين على نفي دور عبدالله بن سبأ من القرون الأولى إلى اليوم ).
أعود وأقول : إنني عندما أبحث الرواية أو الحديث لا أحاول أن أرسم النتيجة قبل البحث ولا أدخل بأحكام مسبقة أو أحاول ألا أفعل هذا على الاقل ولذلك فأنا متفق مع د. سليمان في أمور ومختلف معه في أخرى ومتفق مع الهلابي في أمور ومختلف في أخرى مع التفاوت الكبير بين الاثنين وهكذا ولو كنت أدخل بأحكام مسبقة وتقليد للهلابي ـ كم زعم د. سليمان ـ فلن أختلف معه
في نتيجة من النتائج التي توصل إليها.
الوقفة الثانية
إن الحوار مع د. سليمان العودة فيه صعوبة بالغة لأن د. سليمان لا يثبت على منهج محدد فنجده أحياناً يحتج بمنهج أهل الحديث إذا كان يخدم فكرته فقط وأحياناً أخرى يهاجم منهج أهل الحديث ويزعم أنه غير صالح لتطبيقه على الرواية التاريخية !!
ومرة ثالثة نجد الدكتور محتجاً بكتب الفرق والمقالات ومرة رابعة مع كتب الشيعة بينما ينقد نقل بعضنا لانه اتفق في نتيجة ما مع بعض ما أورده بعض الشيعة ومرة خامسة نجد الدكتور مع منهج المؤرخين وسادسة مع كتب الادب والانساب وهكذا إن وجد شحاً في منهج انتقل منه إلى منهج آخر وذم المنهج السابق !! وهذا يصلح أن يطلق عليه ( منهج تهريب عبد الله بن سبأ ) مثلما يفعل الذين يهربون البضائع والاسلحة من بلد لآخر فإنهم لا يسلكون طريقاً واحداً وإنما إن شعروا بالخوف من هذا الطريق انتقلوا إلى غيره !! ولا ريب أن هذا فيه صعوبة بالغة على المتحاور مع د. سليمان لأنه ينتقل ويتجول بين مناهج مختلفة ومتباينة يرفضها إذا شاء ويأخذ بها إذا شاء ويهاجم من يتمسك بها في مسألة لا يراها ويهاجم من تركها في مسألة يراها وهكذا .. فإذا كانت تناقضاته في المنهج نفسه فكيف يريد منا أن نتفق معه وأنا أريد أن أسال د. سليمان سؤالاً محدداً وهو :
هل ترى تطبيق منهج المحدثين على الرواية التاريخية أم لا ؟
فإذا كنت ترى هذا فهل ترى تطبيقه على كل المؤرخين ؟
أم ترى تطبيقه على سائر المؤرخين ما عدا سيف بن عمر ؟
ولماذا يكون سيف فوق مستوى منهج المحدثين. وما ذنب الواقدي وأبي مخنف الذين تضربهم بهذا المنهج بينما لا تطبقه على سيف !!
هل سيف بهذه القدسية !! وأنا أحترم الذين يكون موقفهم واضحاً محدداً حتى وإن اختلفت معهم في المنهج أشد الاختلاف فأنا أحترم د. الهلابي وأثني عليه لأنه واضح لا يتلون وهو يتعامل مع المتون بعيداً عن منهج أهل الحديث وأنا أختلف معه في هذه المسألة اختلافاً جذرياً لكنه بعيد عن ازدواجية د. سليمان وأمثاله الذين يتشدقون بمنهج المحدثين ويتخذونه مطية لرد الروايات التي لا يحبونها بينما لا يطبقون المنهج على رواياتهم المحبوبة وفي مقدمتها أكاذيب سيف بن عمر التي ملأت بطون الرسائل الجامعية !! والتي طنعت في علي وعمار وأبي ذر وعدي بن حاتم وغيرهم من ضحايا سيف الأبرياء !!
والذي أعرفه أن منهج المحدثين يمكن تطبيقه على كل المحدثين فضلاً عن المؤرخين.
أما د. سليمان فهو يطبقه على المحدثين والمؤرخين إلاّ سيف بن عمر فهو لايرضى أن يطبق عليه هذا المنهج !! لأن تطبيقه هذا المنهج على سيف يعني تطبيقه على رسالة الدكتور وهذا التطبيق الصارم لن يخدم سيفا ولا رسالة العودة فهذا وإن كان فيه حماية لرسالة الدكتور لكن ليس فيه حماية للحقيقة التاريخية ولا ريب أن التضحية برسالة أسهل من التضحية برسالة أسهل من التضحية بالحقائق التاريخية !!
نماذج من ذلك
وحتى لا يكون اتهامي للدكتور إنشائياً غير موثق فإليكم نماذج من تناقضاته التي كنت أربأ به عنها :
النموذج الأول :
انتقد د. العودة على د. الهلابي عدم اعتماده على منهج أهل الحديث فقال في لقائه في « المسلمون » : ( والهلابي لا يرى اعتماد أحكام أصحاب الجرح والتعديل على الإخباريين !! ويرى أن القضايا التاريخية لا تعالج حسب حكم أصحاب الحديث !! على رواياتها إيجاباً أو سلباً بل إن الروايات نفسها تعرض على محك النقد والتمحيص والمقارنة .. ) ثم يتساءل ويقول : ( ونحن بدورنا نقول : أي منهج هذا ؟! وماذا بقى للدكتور يرتضيه من تراثنا ومناهج أسلافنا ؟! ).
أقول : أنتم هنا تلاحظون أن د. العودة يرى تطبيق أحكام الجرح والتعديل على الاخباريين ويرى أن القضايا التاريخية يجب أن تعالج سلباً وإيجاباً وفق منهج المحدثين أليس كذلك ؟! وأنه لا يكتفي بعرض المتن فقط على المحك والدراسة والمقارنة بعيداً عن الاسناد ؟! ود. سليمان هنا أصاب وأنا في هذه النقطة مع د. سليمان ضد د. سليمان هنا أصاب وأنا في هذه النقطة مع د. سليمان ضد د. الهلابي لكن تعالوا إلى تطبيقات د. سليمان فماذا كان نصيب هذه النظرية الجميلة ؟!
أولاً : د. سليمان العودة لم يطبق هذا المنهج البتة على أكثر من ٤٦٠ رواية احتج بها في رسالته ( عبد الله بن سبأ ) لم يدرس أسانيدها البتة وفي تلك الروايات من الأكاذيب والطعون في الصحابة ومخالفة الصحيح ما لا يكاد يقع تحت الحصر !! ومن لم يصدق فالرسالة مطبوعة وموجودة في الأسواق
ستجدون أنه ينسب هذه الأخبار للمصادر التاريخية والأدبية !! وكتب الفرق والمقالات !! ولم أجد انه طبق هذا المنهج إلاّ على سبع روايات فقط !! فأين التشدق النظري ؟!
وكأن د. العودة لا يعرف أن قوله : ( رواه الطبري ) مثلاً لا يعني توثيقاً ولا تضعيفاً لأن الطبري روىٰ أخباراً صحيحة وضعيفة وموضوعة ومنكرة .. الخ فأين منهج المحدثين الذي ينادون به الدكتور العودة ويطالب الهلابي بتطبيقه هلا طبقه على روايات رسالته ؟!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ).
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ).
إذن فالدكتور سليمان بحاجة إلى أن يتذكر نفسه من الناحية التطبيقية.
ثانياً : أيضاً قارن د. سليمان سيف بن عمر بغيره من المؤرخين في كتابه ص ١٠٥ إلى ص ١٠٨ فجلدهم بمنهج المحدثين فلما جاء سيف ووجد أن أحكام أهل الحديث عليه بالكذب والترك والزندقة واضحة اضطر للتخلي عن منهج المحدثين ـ الذي طبقه على آخرين ـ فقال في الهامش ص ٣٠٤ : ( لابد من التفريق بين رواية الحديث ورواية الأخبار الأخرى ... فلا بد من مراعاة هذا المقياس وتطبيقه على سيف محدثاً وإخبارياً !! ).
فالدكتور سليمان هنا استل سيف بن عمر من أحكام أهل الحديث كما تستل الشعرة من العجين وهذا للأسف ديدن معظم المؤرخين الاسلاميين وأنا هنا أنقد المؤرخين الاسلاميين أكثر من غيرهم لأنهم شوهوا منهج المحدثين بالازدواجية التطبيقية والانتقائية المؤسفة أما غيرهم من سائر المؤرخين من شتى المذاهب فلم يدعوا تطبيق المنهج ولم يدعوا إليه وعلى هذا فلن يستطيعوا