نماذج من ذلك
وحتى لا يكون اتهامي للدكتور إنشائياً غير موثق فإليكم نماذج من تناقضاته التي كنت أربأ به عنها :
النموذج الأول :
انتقد د. العودة على د. الهلابي عدم اعتماده على منهج أهل الحديث فقال في لقائه في « المسلمون » : ( والهلابي لا يرى اعتماد أحكام أصحاب الجرح والتعديل على الإخباريين !! ويرى أن القضايا التاريخية لا تعالج حسب حكم أصحاب الحديث !! على رواياتها إيجاباً أو سلباً بل إن الروايات نفسها تعرض على محك النقد والتمحيص والمقارنة .. ) ثم يتساءل ويقول : ( ونحن بدورنا نقول : أي منهج هذا ؟! وماذا بقى للدكتور يرتضيه من تراثنا ومناهج أسلافنا ؟! ).
أقول : أنتم هنا تلاحظون أن د. العودة يرى تطبيق أحكام الجرح والتعديل على الاخباريين ويرى أن القضايا التاريخية يجب أن تعالج سلباً وإيجاباً وفق منهج المحدثين أليس كذلك ؟! وأنه لا يكتفي بعرض المتن فقط على المحك والدراسة والمقارنة بعيداً عن الاسناد ؟! ود. سليمان هنا أصاب وأنا في هذه النقطة مع د. سليمان ضد د. سليمان هنا أصاب وأنا في هذه النقطة مع د. سليمان ضد د. الهلابي لكن تعالوا إلى تطبيقات د. سليمان فماذا كان نصيب هذه النظرية الجميلة ؟!
أولاً : د. سليمان العودة لم يطبق هذا المنهج البتة على أكثر من ٤٦٠ رواية احتج بها في رسالته ( عبد الله بن سبأ ) لم يدرس أسانيدها البتة وفي تلك الروايات من الأكاذيب والطعون في الصحابة ومخالفة الصحيح ما لا يكاد يقع تحت الحصر !! ومن لم يصدق فالرسالة مطبوعة وموجودة في الأسواق
ستجدون أنه ينسب هذه الأخبار للمصادر التاريخية والأدبية !! وكتب الفرق والمقالات !! ولم أجد انه طبق هذا المنهج إلاّ على سبع روايات فقط !! فأين التشدق النظري ؟!
وكأن د. العودة لا يعرف أن قوله : ( رواه الطبري ) مثلاً لا يعني توثيقاً ولا تضعيفاً لأن الطبري روىٰ أخباراً صحيحة وضعيفة وموضوعة ومنكرة .. الخ فأين منهج المحدثين الذي ينادون به الدكتور العودة ويطالب الهلابي بتطبيقه هلا طبقه على روايات رسالته ؟!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ).
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ).
إذن فالدكتور سليمان بحاجة إلى أن يتذكر نفسه من الناحية التطبيقية.
ثانياً : أيضاً قارن د. سليمان سيف بن عمر بغيره من المؤرخين في كتابه ص ١٠٥ إلى ص ١٠٨ فجلدهم بمنهج المحدثين فلما جاء سيف ووجد أن أحكام أهل الحديث عليه بالكذب والترك والزندقة واضحة اضطر للتخلي عن منهج المحدثين ـ الذي طبقه على آخرين ـ فقال في الهامش ص ٣٠٤ : ( لابد من التفريق بين رواية الحديث ورواية الأخبار الأخرى ... فلا بد من مراعاة هذا المقياس وتطبيقه على سيف محدثاً وإخبارياً !! ).
فالدكتور سليمان هنا استل سيف بن عمر من أحكام أهل الحديث كما تستل الشعرة من العجين وهذا للأسف ديدن معظم المؤرخين الاسلاميين وأنا هنا أنقد المؤرخين الاسلاميين أكثر من غيرهم لأنهم شوهوا منهج المحدثين بالازدواجية التطبيقية والانتقائية المؤسفة أما غيرهم من سائر المؤرخين من شتى المذاهب فلم يدعوا تطبيق المنهج ولم يدعوا إليه وعلى هذا فلن يستطيعوا
تشويهه حتى وإن خالفونا مخالفة جذرية لكنني أرى أن من أسباب عدم اقتناع بعضهم بمنهج الحدثين هو سوء التطبيقات التي يرونها عند بعض المؤرخين الاسلاميين التي تظهر منها الازدواجية والانتقاء وغيرها من العيوب التي تبدو ظاهرة في كتابات د. سليمان العودة ولذلك أرى أن بعض المؤرخين من الاسلاميين أكثر ضرراً على منهج المحدثين من المستشرقين والمبتدعة حتى وإن كانت كتاباتهم بحسن نية وحباً في الرد على المخالفين.
فسيف بن عمر مثلاً لو تقرأ ما كتبه عنه بعض المستشرقين وبعض المبتدعة لوجدت أن أحكامهم على سيف أقرب لمنهج المحدثين مما كتبه عنه د. سليمان العودة مع أن د. سليمان يظهر أنه حسن النية لكن حسن النية لا يكفي ولابد لها من منهج وهذا ما يغفل عنه كثير من الاخوة الافاضل فهم يظنون أن الاعتراف بما عند الكفار أو المبتدعة من بحث وجهد يعتبر ميلاً لهم وأن هذا يخالف عقيدة الولاء والبراء ؟!
وهذا خلط بين أمور متباينة فأنا أبغض الكافر لكن إن وجدت له بحثاً جيداً في التاريخ أو غيره فلماذا لا أستفيد مه مع براءتي من عقيدته وفي المقابل لو وجدت رسالة هزيلة لأحد الإخوة الدعاة الخطباء !! فهل يحملني حب ذلك الرجل في الله على الإشادة برسالته الهزيلة ؟! والأخذ بنتائجها الباطلة ؟! إذن أرجو أن يفرق الإخوة بين المسألتين فإذا فرقوا بينهما تبين لنا كثير من الحقائق.
وللأسف أن أكثر المؤرخين الاسلاميين بل كثير من طلبة العلم يخلط بين هذه الامور المتباينة متناسين صواب الأثر القائل : « الحكمة ضالة المؤمن فأين وجدها فهو أحق بها » وهذا معناه صحيح وإن لم يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتدل عليه تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين
وسلفنا الصالح.
استثارة العواطف
د. سليمان إن افتقد الدليل والبرهان لجأ للعاطفة واستثارتها عند الجماهير !! وهذا أيضاً أسلوب متبع عند كثير من الناس فتجدهم يتهمون إخوانهم في الدين إن اتفق أحدهم في مسألة معينة مع أحد المستشرقين مثلاً فإنهم يحاولون أن يربطوا بينهما في الفكر !! وهذا ظلم وحجر على البحث العلمي.
وعلى سبيل المثال نجد د. سليمان في لقاء « المسلمون » يتهم د. الهلابي بأنه يريد إحياء آراء مرتضى العسكري !! لأنهما اتفقا في نفي وجود عبد الله بن سبأ مع أن د. الهلابي ذكر في دراسته عن ابن سبأ انه لم يطلع على دراسة العسكري !! ثم لو اطلع عليها واتفقا في بعض النتائج أو جلها فهل يعني هذا أن هناك ارتباطاً فكرياً بين الرجلين ؟! هل تكذيب سيف صادر من الشيعة أم من المحدثين ؟ هل نفي ابن سبأ حكر على الشيعة أم انه مشاع للبحث العلمي ؟! وكذلك لما أثنيت أنا على ( بعض الانصاف ) في كتب طه حسين بتر الدكتور عبارتي وزعم أنني قلت انه ( منصف ) ثم حاول الدكتور أن يربط فكرياً بيني وبين د. طه حسين !! ثم نقل شذوذات طه حسين وزعم أنها هي ( الإنصاف ) الذي أعنيه !!
اتق الله يا د. سليمان والله إنك لتعلم أن إلزامك هذا باطل وأنت مسؤول أمام الله عن هذا الكلام والغريب أن الدكتور نسى أنني حذرت من كتابات د. طه حسين في المتن !! لكنني اعترفت في الهامش بأنني أحياناً أجد إنصافاً في
كتاباته وهذا حق لا أتبرأ منه ود. سليمان نفسه استشهد في رسالته بكثير من أقوال المستشرقين والمبتدعة فهل يريد منا أن نلزمه بأنه يعتقد عقائد هؤلاء ؟ إذا كانت المسألة مسألة تنابز بالاتهامات والالزامات الباطلة فهذا يسير وكل منا يستطيع التحريف والبتر والربط بين المؤلف وعقائد آخرين وأفكارهم !! لكن هل هذا المنهج الخاطئ يساعد في البحث العلمي ؟! هل هذا المنهج منهج اسلامي ؟! إذن فالدكتور سليمان مطالب بإعادة النظر في أساليب محاربته للآخرين فيجب أن تكون المحاربة شريفة وأن تستخدم فيها أسلحة الأدلة والبراهين للآخرين وليس أسلحة العواطف واستثارة الجماهير تلك الاستثارة التي لا تقوم على العدل وعلى الانصاف وإنما على بتر النصوص وإلزام الاباطيل. وهذه الاساليب يمكن للطرف الآخر استخدامها بكفاءة أيضاً !! لكنها لا تخدم البحث العلمي لأنها غير علمية ود. سليمان يعرف هذا تماماً.
الخلط في الروايات بين مسألتين مختلفتين
د. سليمان العودة خلط بين مسألتين مختلفتين تماماً مسألة وجود عبدالله بن سبأ وهذه وجدها الدكتور في روايات غير رواية سيف بن عمر وتبقى بحاجة إلى دراسة هل هي كافية مع ضعفها لإثبات وجوده أم لا ، لكن هذه المسألة الخلاف فيها يسير.
أما مسألة الكبرى فهي دور عبدالله بن سبأ في الفتنة فهذه لم يجد د. سليمان فيها سوى روايات سيف بن عمر !! ودور ابن سبأ في الفتنة هو الأساس وهذا الدور لم يتفوه به أحد غير سيف بن عمر !! وحتى أوضح الفرق أقول : خذوا شخصية مشهورة مثل خالد بن الوليد متواترة الوجود ألا
توجد أخبار لخالد بن الوليد لا تصح ؟ إذا كان خالد بن الوليد موجوداً هل يعتبر هذا مبرراً لإثبات كل الأخبار التي نسبت إليه سواء كانت صحيحة أم مكذوبة أم أنه لا يجوز أن تنسب إليه إلا الأخبار المقبولة ؟
لا ريب انكم تنفقون معي أنه لا يجوز أن تنسب إلى خالد بن الوليد أو غيره إلاّ الأخبار المقبولة لا المكذوبة أو المنكرة ..
إذن قضية عبدالله بن سبأ مثل هذه تماماً بمعنى أنه أن كان عبدالله بن سبأ موجوداً فلا يجوز أن ننسب إليه أخباراً مكذوبة كأن نقول إن من تلاميذه عمار بن ياسر وأبا ذر وأنه أحد قواد علي بن أبي طالب !! وأن من أتباعه عدي بن حاتم وزيد بن صوحان وغيرهم من خيرة الصحابة والتابعين !!
أمّا د. العودة فإنه يعتبر أنه ما دام ابن سبأ موجوداً إذن فكل الأخبار التي نسبت إليه صحيحة حتى وإن انفرد بها كذاب !! وهذا خلافنا معه في أصل المنهج فنحن بحاجة ـ نحن وهو ـ إلى مراجهة المنهج أولاً ثم الانطلاقة منه لدراسة التاريخ أما أن ندرس التاريخ والمنهج غير متضح عندنا فهذا خلل كبير يسبب اختلافاً أكبر. ولذلك تكلم المحدثون والمؤرخون المتقدمون عن الفتنة ولم يذكروا عبد الله بن سبأ بحرف واحد حتى الذهبي وابن حجر الذين ينسب إليهما العودة توثيق سيف بن عمر في التاريخ لم يذكروا دور عبدالله بن سبأ في الفتنة بحرف واحد وقبل الذهبي وابن حجر نجد كل علماء المحدثين وكل المؤرخين خاصة المتقدمين منهم لم يذكروا عبدالله بن سبأ في الفتنة.
انظروا إن شئتم تاريخ خليفة بن خياط وطبقات ابن سعد وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والاجزاء والفوائد والمستدركان والمستخرجات والطبقات والتراجم وكتب الأدب وكتب الانساب لم تذكر هذه المصادر حرفاً
واحداً عن دور عبدالله بن سبأ في الفتنة اللهم إلاّ من نقل عن سيف بن عمر مثل الطبري وغيره وهذا قد أدركه د. العودة جيداً لكنه حرص على خلط المسألتين وجعلهما مسألة واحدة لأن جل رسالته قائمة على الأمر الأخير ( دور ابن سبأ ) لا الأول ( وجود ابن سبأ ) !! وعلى هذا فلو سلمنا للدكتور سليمان بأن غير سيف ذكر عبدالله بن سبأ فهل ذكروا ( دوره في الفتنة ) كما فعل الدكتور في رسالته أم ذكروا ( غلوه في علي ) فقط !!
فالأمر الأول لم يذكره أحد غير سيف وهو معظم ما قيل عن ابن سبأ أم الثاني فهو جزء يسير جداً لا يتعدى ٥ % من أخبار عبدالله بن سبأ فكيف يكون ال ٥ % حجة في إثبات ٩٥ % بلا دليل ولا برهان ؟!
د. العودة
يعقب على طروحات المالكي
أردت نشر الحقائق العلمية مع بيان مغالطاتمن شكك فيها (١ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ١٨ جمادى الاولى ـ ١٤١٨ ه
طالعت ما كتبه المالكي في جريدة الرياض الثلاثاء ٩ / ٤ / ١٤١٨ ه بعنوان « عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق » وكان ـ في زعمه ـ رداً على الحقات الأربع التي كتبتها للجريدة نفسها بعنوان « الانقاذ من دعاوى الانقاذ للتاريخ الاسلامي » أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد ٢٧ ، ٢٨ ، ٢٩ ، ٣٠ / ٣ / ١٤١٨ ه. وقبل أن أستكمل قراءة مقال المالكي ـ علم الله ـ هاتفني عدد من المهتمين والعارفين ، يشكرون على المقالات السابقة ، ولكنهم متفاوتون