أحجاج لا يُفْلَلْ سلاحك إنما ... المنايا بكف الله حيث يراها
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً ... تتبَّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العُضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فروّاها دماء غزيرةً ... دماء رجال حيث قال حَشاها
ويروى: فراوها بصوب سجاله دماء رجال. وشرب سجال، وقال: يقيل.
إذا سمع الحجاج صوت كتيبة ... أعدَّ لها قبل النزول قِراها
ويروى:
وإن سمع الحجاج زحف كتيبة ... أعدَّ لها قبل الصباح قراها
أعدَّ لها مصقولة فارسيَّة ... بأيدي رجال يحلبون ضَراها
أحجاجُ لا تعط العداة مناهمُ ... ولا الله لا يعطي العداة مناها
ولا كل خطَّاف تقلَّد بيعة ... بأعظم عهد الله ثم شراها
فما ولد الأبكار والعَوْن مثله ... ببحرٍ ولا أرض يجفُّ ثراها
فقال الحجاج ليحيى بن منقذ: لله بلاؤها ما أشعرها. قال: ما لي
بشعرها علم. قال: علي بعبيد بن موهب. وكان حاجبه قال: أنشديه، فأنشدته، فقال: هذه الشاعرة الكريمة " قد " وجب حقها. قال: ما أغناها عن شفاعتك! يا غلام. مر لها بخمسمائة درهم واكسها خمسة أثواب، أحدها كساء خز، وأدخلها على ابنة عمها هند بنت أسماء بن خارجة وقل لها: صليها. فقالت: أصلح الله الأمير أضر بنا العريف في الصدقة وقد جربت إبلنا وتكسرت قلوبنا، واخذ خيار المال. قال: اكتبوا لها بن الحكم بن أيوب فليتبع لها خمسة أجمال، وليجعل أحدها نجيباً، واكتبوا إلى صاحب اليمامة يعزل العريف. قال: ابن موهب: أصلح الله الأمير أأصلها؟ قال: نعم. فوصلها بأربعمائة درهم، ووصلتها هذه بثلاثمائة درهم، ووصلها محمد بن الحجاج بوصفين. قال الهيثم بن عدي: ولم أسمع أنادي من حماد. قال: لما فرغت ليلى من شعرها أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله ما رأينا امرأة قط أفصح ولا أبلغ ولا أحسن إنشاداً منها. فمن هي؟ قال: ليلى الأخيلية صاحبه توبة بن حمير ثم أقبل عليها، فقال: بالله يا ليلى أرأيت من نوبة أمراً تكرهينه أو سألك شيئاً يعاب؟ قالت: لا، والذي أسأله المغفرة ما كان ذلك منه. فقال: أما إذا لم يكن فيرحمنا الله وإياه.
وأخبرني عبد الله بن يحيى قال: أخبرني محمد بن جعفر العطار، قال: حدثنا ابن أبي سعد، قال: حدثني أحمد بن رشد بن خثيم الهلالي قال: حدثني هاشم بن محمد الهلالين، قال: حدثني أيوب بن عمرو عن رجل من بني عامر يقال له: ورقا.
قال: كنت عند الحجاج بن يوسف فدخل الآذن فقال: أصلح الله الأمير، امرأة بالباب تهدر كما يهدر البعير الناد. قال: أدخلها. فلما دخلت نسبها فانتسبت له، فقال: ما أتاني بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم، وكلب البرد، وشدة الجهد فكنت لها بعد الله الرد. قال: فأخبريني عن الأرض؟ قالت: الأرض مقشعرة والفجاج مغبرة، وأصابتنا سنون مجحفة مظلمة لم تدع لنا متبعاً ولا ربعاً ولا عافطة أهلكت الرجال ومزقت العيال وأفسدت الأموال وأنشدته قولها: أحجاج لا تشلل يمينك إنما ... وذكر الأبيات.
فالتفت الحجاج إلى أصحابه فقال: هل تعرفون هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه ليلى الأخيلية التي تقول:
نحن الأخايل لا يزال غلامنا ... حتى يدِبَّ على العصا مذكورا
تبكي الرماح إذا فقدنَ أكُفّنا ... جزعاً وتلفينا الرفاق بحورا
ثم قال لها: يا ليلى أنشديني بعض شعر توبة قالت: وأي شعره أحب إليك؟ قال لها:
نأتْكَ بليلى دارُها لا تزورُها ... وشطّت نواها واستمرَّ مريرها
يقول رجالٌ: لا يضيرك نأيُها ... بلى كلُّ ما شفَّ النفوسَ يَضِيرُها
أليس يضير العينَ أن تُكثر البكا ... ويُمنع منها نومُها وسرورها
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تبرْقَعتْ ... فقد رابني منها الغداةَ سُفُورها
وقد رابني منها صدودٌ رأيتهُ ... وإعراضُها عن حاجتي وبسورُها
ما الذي رابه من صدودك يا ليلى؟ قالت: أصلح الله الأمير أنه لم يرني قط إلا مبرقعة فأرسل لي رسولاً أنه ملم بنا وفطن الحي برسوله فلما رأيته سفرت. فلما رأى
ذلك انصرف. فقال: قاتلك الله يا ليلى فهل كان بينكما ريبه قط؟ فقالت: أصلح الله الأمير لا إلا أنه قد قال مرة قولاً عرفت أنه قد خضع لبعض الأوامر فقلت له:
وذي حاجةٍ قلنا له: لا تَبحْ بها ... فليس إليها ما حييتَ سبيلُ
لنا صاحِبٌ لا نَبْتَغي أن نخونَهُ ... وأنتَ لأخرى فارْعَ ذاك خليلُ
قال: فما كان بعد ذلك؟ قالت: قال لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاهتف به:
عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةً ... من الدهر لا يسري إليَّ خيالها
فناديت:
وعنه عفا ربِّي وأصلح بالَه ... فعَزَّ علينا حاجَةٌ لا يَنالُها
قال: فأنشدينا بعض شعرك فيه. فأنشدته:
لعمركَ ما بالموتِ عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياةِ المعاير
وما أحَد حَيٌّ وإن كان سالماً ... بأخلدَ ممَّن غيَّبتْهُ المقابِر
فلا الحي مما استحدث الدهر مُعتْبُ ... ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر
وكل جديد أو شباب إلى بلىً ... وكل امرىء يوماً إلى الموت صائر
قتيل بني عوْفٍ فيا لهفتي له ... وما كنتْ إياهم عليه أحاذر
ولكنني أخشى عليه قبيلة ... لها بدروب الشام بادٍ وحاضر
قال: فقال الحجاج لحاجبه: اذهب بها اقطع عني لسانها. قال: فدعا لها الحجام