وقال يصف بئراً ودلويها
حَفَرْتُها جَوْفاَء مَنْقُورَةً ... فِي دَمِثٍ سَهْلٍ وَطِئِ التُّرابِ
تَضْمَنُ رِيَّ الْجَيْشِ للْمُسْتَقِىَ ... كَأَنَّ دَلْوَيْها جَناحا غُرابِ
وقال يصف فرسا
ياُ ربَّ لَيْلٍ ضَاعِ منِّي كَوْكَبُهْ ... مُشْتَبِهٍ مَشْرِقُهُ وَمَغْرِبُهُ
قَدِ اكْتَسَى بُرْدَ الشَّبابِ غَيْهَبُهْ ... وَقَبَضَ اللَّحْظَ فَما يُسَيِّبُهْ
وَالْبَرْقُ فِي حافَاتِهِ يُشَيِّبُهْ ... لا يَعْرِفُ الصَّبْحَ وَلِكنْ يَحْسُبِهْ
كَأَنَّهُ والمُزْنَ صافٍ هَيْدَبُهْ ... لاَ بَسةٌ ثَوْبَ حِدادٍ تَسْحَبُهْ
حَتَّى إذا مُدَّ عَلَيْنا طُنُبُهْ ... تَقَطَّعَتْ سُمُوطُهُ وَسُخُبُهْ
وَقام فِيِه رَعْدُهُ يُؤَنِّبُهْ ... وَقارِحٌ تَرْكَبُهُ أَوْ تُجْنِبُهْ
يَكادُ لَوْلا اسِمْ إلهٍ يَصْحَبُهْ ... تَأْكُلُهْ عُيُونُهُمْ وَتَشْرَبُهْ
أَضْيَعُ شَيْءٍ سَوْطُهُ إذْ يَرْكَبُهْ ... وَالَجرْيُ يَرْمِي ماءَهُ وَيَحْلِبُهْ
كَقَدَحِ الصَّرِيِح نُصَّتْ شُعَبُهْ ... كَأَنَّ جِنَّانَ الْفَلاَةِ تَضْرِبُهْ
يَكادُ أَنْ يَطيَر لَوْلاَ لَبَتُهْ ... يَعْزِفُ جَهْدَ الْغانيِات جَنَبُهْ
كَأَنَّ ما يِفَرُّ مِنْهُ يَطْلُبُهْ ... ذُو مُقْلَة قَلَّتْ لَدَيْها رُتَبُهْ
يَصْقُلُها جَفْنٌ رِقاقٌ حُجُبُهْ ... وَعُنُقٌ كاْلِجذْعِ خُطَّ شَذَبُهْ
وَأُذُنٌ أَمِينَةٌ لا تَكْذِبُهْ ... كَآسَةٍ فِي غُصُنٍ تُقَلِّبُهْ
يُعْطِيكَ مِن وَرائِهِ ما يَكْسِبُهْ ... وَهْوَ إذا اسْتَقْبَلْتَهُ يَنْتَهِبُهُ
وَأَرْبَعٍ كَأَنَّها تَسْتَلِبُهْ ... تَخالهُا تُعْجِل شَيْئاً تَحْسِبُهْ
كَأَنَّما عَشاوَةً تُسلِّبُهْ ... ثَوْبٌ مِنَ الدِّيباجِ عالٍ مِشْجَبُهْ
وقال يصف الناقة
تَرَبَّعَتْ حَتَّى إذا الْعُودُ ذَوي ... وَرَمَّحَ الْجُنْدَبَ رَضْراضُ الْحصَا
وَأَشْعَلَتْ جَمْرَتَها شَمْسُ الضُّحا ... وَسَلَخَتْ عَنِ الثَّرَي جِلْدَ النَّدَى
وَرَقَصَتْ هُوجُ الرِّياحِ بِالسَّفا ... سَمَتْ إلَى ما سَحَبَتْ أَيْدِي السَّما
بِمُقْلَةٍ تَطْحَنُ عُوَّارَ الْقَذا ... كَما صَفا الْمَاءُ عَلَى مَتْنٍ صَفا
رَحَلْتُها وَالْفَيُء ظَعْناً ما نَشا ... حَتَّى إذا ما النَّجْمُ فِي اللَّيْلِ طَفا
وَاشْتَدَّ باِلرَّكْبِ النَّجاءُ وَالسُّرَى ... وَخُيَّطَتْ جُفُونُهُمْ عَلَى الْكَرَى
وَثَقُلَتْ رَؤُوسُهُمْ علَىَ الِطّلا ... ابْتَدَأَتْ سَيْراً كَتَحْرِيقِ الْغَضا
حَتَّى مَحا اْلأِصْباحُ عُنْوانَ الدُّجا
وقال يصف الحمام
أَعْدَدْتُ لِلْغَايِة سابِقاتِ ... مُعَلَّماتٍ ومَحُزَّماتِ
رُبِّينَ أَفْراخاً مُزَغَّباِت ... حَتَّى إذا رُحْن مُشَوَّكاتِ
بِأُبَرِ الرِّيِش مُغَرِّزاتِ ... سَحَبْنَ فِي الْوُكُورِ دائرِاتِ
حَواصِلاً أُودِعْنَ قُرْطُماتِ ... كأَنَّها صِرارُ لؤُلْؤُاتِ
حَتَّى إذا نَقَّرْنَ لاقِطاتِ ... لاَقْينَ بِالْعَشِىِّ والْغَداِة
صُداً مِنَ الآْبا واْلأمَّهاتِ ... ثُمَّ بُعِثْنَ غَيْرَ مُبْعِداتِ
مِنْ بَعْدِ مِيقاتٍ إلَى ميقاتِ ... حَتَّى إذا خَرَجْنَ عارِياتِ
مِنْ حُلَلِ الرَّيِش مُجَرَّداتِ ... ثُمَّ تَبَذَّلْنَ بِأُخْرَياتِ
كَخَلِع الْوَشْىِ المُنَشَّراتِ ... أُرْسلْنَ مِنْ بْحرٍ وَمِنْ فَلاة
مُقَصَّصاتٍ وَمُرَجَّلاِت ... فَكَمْ رَقَدْنَ غَيْرَ آمِناتِ
فِي قُلّةِ الطَّوْدِ وَفِي الْمَوْماةِ ... يَحْمِلْنَ بِاْلأَزْواجِ والزَّوْجاتِ
وَتارَةً يُطْرَقْنَ بِالرَّوْعاتِ ... مِنِ ابْنِ عُرْسٍ عَجِلِ الْوَثْباتِ
وَرُبَّ يَوْمٍ ظَلْنَ خائِفاتِ ... مِنَ الصُّقُورِ وَمِنَ الْبزاة
وَالْقَوْسِ والْبُنْدُق وَالرُّماة ... وَإنْ سَقَطْنَ مُتَزَوِّداتِ
فَمُسْرِعاتٍ غَيْرَ لابِثاتِ ... لِبُلْغَةٍ مُمُسِكَةِ الْحَياةِ
خَوْفَ حُبالاتٍ وَمُنْهِزاتِ ... فَلَمْ تَزَلْ كَذاكَ دَائِباتِ
طاِئرَةَ الْقُلوبِ طائِراتِ ... تَلُوحُ مِثْلَ النَّجْمِ لِلْهُداةِ
حَتَّى تَحَدَّرْنَ إلىَ اْلأَبْياتِ ... وَهُنَّ فِي الْبُروجِ سَاكِناتِ
وقال في سماجة النيروز
اشْرَبْ غَداةَ النَّيْرُوزِ صافِيَةً ... أَيامُها فِي السُّرورِ سَاعاتُ
قَدْ ظَهَرَ الِجنُّ فِي النَّهارِ لنَا ... مِنْهُمْ صُفوفٌ وَدَسَتَبَنْداتُ
تَمِيلُ فِي رَقْصِهِمْ قُدُودُهُمْ ... كَما تَثَنَّتْ فِي الرِّيحِ سَرْواتُ
وَرُكِّبَ الْقُبْحُ فَوْقَ حِسِّهِمُ ... وَفِي سَماجَاتِهِمْ مَلاحاتُ
وقال في صفة بازي
وَذاتِ نَأْيٍ مُشْرِقٍ وَجْهُها ... مَعْشُوقَةُ اْلأَلْحاظِ وَالْغَنْجِ
كَأَنَّما تَلْثِمُ طِفْلاً لهَا ... زَنَتْ بِه مِنْ وَلَدِ الزِّنْجِ
وقال وقد أحرق زنابير
وَجُنُودٍ أَبْرتُهُمْ بِحَريِقٍ ... يَتَلَظَّى إذا أَحَسَّ بِرِيحِ
قَرَّتِ الْعَيْنُ إذْ رَأَتْهُمْ سُقُوطاً ... كَنُثارٍ مِنَ الصَّبِيِح المَليِحِ
طالمَا قَدْ جُمِّعُوا أَعالِيَ دارِي ... وَنَفْونِي عَنْ طِيبِ رَوْحِ السُّطُوحِ
كَمْ صَرِيعٍ مِنَّا لَهُمْ مُسْتَغِيثِ ... مِثْلِ زِقٍّ بَيْنَ الندَّامَى طَرِيحِ
وقال
كَأَنِّي حِينَ تَعْتَذِرُ المَطايا ... عَلَى فَتْخاءَ ناشِرَةٍ جَناحا
بِخَرْقٍ تَقْصُرُ اْلأَلْحاظُ عَنْهُ ... بَعِيدِ الَماءِ يَبْتَلِعُ الرِّياحا
وقال
مَآخِيرُ لِلْخَيْرِىِّ فِي الْوَرْدِ ... صارَ مِنْ اْلقُرْبِ إلىَ الْبُعْدِ
فِي آخِرِ الَمْجِلسِ هَذا يُرَى ... وَذا عَلَى اْلعَيْنيِنْ وَاْلخَدِّ
قال في نبيذ الدوشاب
لا تَخْلِطُوا الدُّوشابِ فِي قَدَحٍ ... بِصَفاءِ ماءٍ طَيِّبِ الْبَرْدِ
لا تَجْمَعُوا بِاللهِ وَيْحَكُمُ ... غَيْظَ الْوَعِيدِ وَرِقَّةَ الْوَعْدِ
قال في ذم الصبوح
وهي قصيدة مزدوجة وجئنا بها على الوجه الأكمل لأن طالب جيدها لا بد له من ذكر ما فيها.
لِي صاحِبٌ قَدْ مَلَّنِي وَزادَا ... فِي تَرْكَيِ الصَّبوحَ ثُمَّ زادا
قالَ ألا تَشْرَبُ بالنَّهارِ ... وَفِي ضِياءِ الْفَجْرِ وَالأسْحارِ
إذا وَشَىِ باللَّيْلِ صُبْحٌ فَافْتَضَحْ ... وَذَكَرَ الطَّائِرُ شَجْواً فَصَدَحْ
وَالنَّجْمُ فِي حَوْضِ الغروْبِ وَارِدُ ... وَالْفَجْرُ فِي إثْرِ الظَّلامِ طارِدُ
وَنَفَضَ اللَّيُل عَلَى الرَّوْضِ النَّدا ... وَحَرَّكَتْ أَغْصانَهُ رِيحُ الصبَّا
وَقَدْ بَدَتْ فَوْقَ الِهلالِ غُرَّتُهْ ... كَهامَةِ اْلأَسْودِ شابَتْ لِحْيَتُهْ
فَخَمَّشَ النَّارَ بِبَعْضِ نُورِهِ ... وَاللَّيْلُ قَدْ رَفَّعَ مِنْ سُتُورِهِ
وَقالَ شُرْبُ اللَّيْلِ قَدْ آذانا ... وَطَمَسَ الْعُقُولَ وَاْلأَذْهانا
أَلا تَرَى الْبُسْتانَ كَيْفَ نَوَّرَا ... وَنَشَرَ المَنْثُورُ زَهْراً أَصْفَرَا
وَضَحِكَ الْوَرْدُ إلىَ الشَّقائِقِ ... وَاعْتَنَقَ الْقَطْرَ اعْتِناقَ وامِقِ
فِي رَوْضَةٍ كَحُلَلِ الْعَرُوسِ ... وَحُزَمٍ كَهامَة الطَّاووسِ
وَياسَمِينٍ فِي ذُرَى اْلأغْصانِ ... مُنْتَظِمٍ كَقِطَعِ الْعِقْيانِ
وَالسَّرْوَ مِثْلَ قَصَبِ الزَّبَرْ َجِد ... قَد اسْتَمَدَّ الْعَيْشَ مِنْ تُرْبِ نَدى
علَىَ رِياضٍ وَثَرًى ثَرِىِّ ... وَجَدْوَلٍ كاِلْمِبْرَدِ الَمْجِلىِّ
وَأَفْرَجَ الْخَشْخاشُ جَيْباً وَفَتَقْ ... كَأَنَّهُ مَصاحِفٌ بِيضُ الْوَرَقْ
أَوْ مِثْلُ أَقْداحِ مِنَ الْبَلُّورِ ... تَخالهُا تَجَسَّمَتْ مِنْ نُورِ
وَبَعْضُها عُرْيانُ مِنْ أَثْوابِه ... قَدْ خَجِلَ الْبائِسُ مِنْ أَصْحابِهِ
تُبْصِرُهُ مِثْلَ انْثِناءِ الْوَرْدِ ... مِثْلَ الدَّبابِيسِ بِأَيْديِ الْجُنْدِ
وَالسَّوْسَنُ اْلأَبْيَضُ مَنْشُورُ الحُلَلْ ... كَقُطْنٍ قَدْ مَسَّهُ بَعْضُ الْبَلَلْ
وَقَدْ بَدَتْ مِنْهُ ثِمارُ الْكَنْكَرِ ... كَأَنَّها جَماجِمٌ مِنْ عَنْبَرِ
وَحِلَقُ الْبَهارِ بَيْنَ الآسِ ... جُمْجُمَةٌ كَهامَةِ الشَّمَّاسِ
حيالَ شِيحٍ مِثْلَ شَيْبِ النَّصِفِ ... وَجَوْهَرٍ مِنْ زَهَرٍ مُخْتَلِفِ
وَجُلنُّارِ كَاحْمِرارِ الخَدِّ ... أَوْ مِثْلَ أَعْرافِ دُيُوكِ الهْنِدِ
وَاْلأُقْحَوانُ كَالثَّنايا الْغُرِّ ... قَدْ صُقَلتْ أَنْوارُهُ باْلقَطْرِ
قُلْ لِي فَهَذَا حَسَنٌ بِاللَّيْل ... وَيْلِيَ مِمَّا يَشْتَهِي وَعَوْلِي
وَأَكْثَرَ اْلأصنافَ وَاْلأَوْصافا ... فَقُلْتُ قَدْ جَنَّبْتُكَ الْخَلافَا
بِتْ عنْدنَا حَتَّى إذَا الصُّبْحُ سَفَرْ ... كَأَنَّهُ جَدْوَلُ ماءٍ مُنْفَجِرْ
قُمْنا إلَى زَادٍ لنَا مُعَدٍّ ... وَقَهْوةٍ صَرَّاعَةٍ للْجِلْدِ
كَأَنَّما حَباُبها المَنْثُورُ ... كَواكِبٌ فِي فَلَكٍ تَدُورُ
وَمِسْمَعٍ يَلْعَبُ باْلأَوْتارِ ... أَرَقُّ مِنْ ناجِيَةِ الْقَمارِى
وَلاَ تَقُلْ لِي قَدْ أَلِفْتُ مَنْزِليِ ... فَتُفْسِدَ الْوَعْدَ بِعُذْرٍ مُشْكِلِ
فَقالَ هَذَا أَوَّلُ الْجُنونِ ... مَتَى ثَوى الضَّبُّ بِوادِي النُّونِ
دَعَوْتُكُمْ إلَى الصَّبُوحِ ثُمَّ لاَ ... أَكُونُ فِيِه إذْ أَجَبْتُمْ أَوَّلاَ
لِي حاجَةٌ لاَ بُدَّ مِنْ قَضائِها ... لَتَسْتَريِحَ النَّفْسُ مِنْ عَنائِها
ثُمَّ أَجِى وَالصُّبْحُ فِي عِنان ... إلَيْكَ قَبْلَ نَقْرَةِ اْلأَذَان
ثُمَّ مَضَى يُوعِدُ بِالْبُكُورِ ... وَهَزَّ رأْسَ فَرِحٍ مَسْرُورِ
فَقُمْتُ مِنْهُ خائِفاً مُرْتاعَا ... وَقُلْتُ نامُوا وَيْحَكَمْ سِراعَا
لِتَأْخُذَ الْعَيْنُ مِنَ الرُّقادِ ... حَظًّا إلَى تَغْلِيسَةِ المُنادِي