وَلَوْ فَعَلْتُ لَزاَلتْ عَنْهُمُ نِعَمٌ ... بِكُفْرِ أَمْثالها تُسْتَنْزَلُ النَّقَمُ
على هذه الرواية في الشعر روى من ذكرت؛ وعلى ما صدر من الخلاف في الألفاظ يُغَنَّي.
أنشدني طاهر بن عبد الله الهاشمي، قال أنشدني بريهة المنصوري هذه الأبيات، وحكى أن ناقداً خادم عيسى كان واقفاً بين يديه ليلة أتاه خبر المنصور، ومادره عليه من الخلع، قال فجعل يتململ على فراشه ويهمهم ثم جلس فأنشد هذه الأبيات؛ فعلمت أنه كان يهمهم بها وسألت الله أن يلهمه العزاء والصبر على ما جرى شفقة عليه.
قال ابن أبي سعد في الخبر الذي قدمت ذكره عنهم.
وحدثني محمد بن يوسف الهاشمي، قال حدثني عبد الله بن عبد الرحيم قال حدثني كلثم بنت عيسى قالت قال موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس رأيت كأني دخلت بستانا، فلم آخذ منه إلا عنقوداً واحداً من الحب المتراصف ما الله به عليم، فولد لي عيسى بن موسى ثم ولد لعيسى من قد رأيت: قال ابن أبي سعد في خبره هذا: وحدثني علي بن سليمان الهاشمي قال حدثني عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن مالك مولى عيسى قال حدثني أبي قال كنا مع عيسى لما سكن الحيرة وأرسل إلى ليلة من الليالي فأخرجني من
منزلي، فجئت إليه فإذا هو جالس على كرسي، فقال لي يا عبد الرحمن لقد سمعت الليلة في داري شيئاَ ما دخل سمعي قط إلا ليلة بالحميمة والليلة، فانظر ما هو، فدخلت استقرى الصوت فوجدته في المطبخ، فإذا الطباخون قد اجتمعوا وعندهم رجل من الحيرة يغنيهم بالعود، فكسرت العود وأخرجت الرجل وعدت إليه فأخبرته فحلف لي أنه ما سمعه قط إلا تلك الليلة بالحميمة وليلته هذه.
أخبار أبي العبر ونسبه
هو أبو العباس بن محمد بن أحمد ويلقب حمدونا الحامض بن عبد الله بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس المستوى في أول عمره منذ أيام الأمين، وهو غلام إلى أن ولي المتوكل الخلافة، فترك الجد وعدل إلى الحمق والشهرة به، وقد نيف على الخمسين، ورأى أن شعره مع توسطه لا ينفق مع مشاهدته أبا تمام والبحتري وأبا السمط بن أبي حفصة، ونظراءهم.
حدثني عمي عبد العزيز بن حمدون قال سمعت الحامض يذكر أن أبنه أبا العبر ولد بعد خمس سنين خلت من خلافة الرشيد، قال وعمر إلى الخلافة المتوكل، وكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان في عصره بالجد ونفق نفاقاً عظيماً، وكسب في أيام المتوكل مالاً جليلاً،
وله فيه أشعار حميدة يمدحه بها، ويصف قصره وبرج الحمام والبركة، كثيرة المحال، مفرطة السقوط، لا معنى لذكرها، سيما وقد شهرت في الناس.
وحدثني محمد بن الأزهر، قال حدثني الزبير بن بكار، قال قال عمي ألا يأنف الخليفة لابن عمه هذا الجاهل مما قد شهر به، وفضح عشيرته، والله إنه لعر بني آدم جميعاً، فضلاً عن أهله والأدنين أفلا يردعه ويمنعه من سوء إختياره؟ فقلت إنه ليس بجاهل كما تعتقد، وإنما يتجاهل، وإن له لأدباً صالحاً، وشعراً طيباً، ثم أنشدته له
لا أَقُولُ اللهُ يَظْلِمُنِي ... كَيْفَ أَشْكو غَيْرَ مُتَّهَمِ
وَإذا مالدَهْرُ ضَعْضَعَنِي ... لَمْ تِجدْنِي كافِرَ النِّعَمِ
قَنَعَتْ نَفْسِي بِما رزُقِتْ ... وَتَناهَتْ فِي الْعُلا هِمَمِي
لَيْس لِي مالٌ سِوَى كَرِمِي ... وَبِهِ أَمْنِي مِنَ الْعَدَمِ
فقال لي ويحك، فلم لا يلزم هذا وشبهه؟ فقلت له والله يا عم لو رأيت ما يصل إليه بهذه الحماقات لعذرته، فإن ما استملحت له
لم ينفق، فقال عمي وقد غضب أنا لا أعذره في هذا ولو حاز به الدنيا بأسرها، لا عذرني الله إن عذرته إذن.
وحدثني مدرك بن محمد الشيباني قال حدثني أبو العميس الصميري قال قلت لأبي العبر ونحن في دار المتوكل، ويحك إيش يحملك على هذا السخف الذي قد ملأت به الأرض خطباً وشعراً وأنت أديب ظريف مليح الشعر؟ فقال يا كشخان أتريد أن أكسد أنا وتنفق أنت؟ وأيضاً أتتكلم؟ تركت العلم وصنعت في الرقاعة نيفاً وثلاثين كتاباً؟ أحب أن تخبرني لو نفق العقل أكنت تقدم على البحتري، وقد قال في الخليفة بالأمس:
عَنْ أَيِّ ثَغْرٍ تَبْتَسُم ... وَبِأَيَّ طَرْفٍ تَحْتَكِمْ
فلما خرجت أنت عليه وقلت:
فِي أَيِّ سَلْحٍ تَرْتطَمْ ... وَبِأَيِّ كَفٍّ تَلْتَطِمْ
أَدْخَلْتُ رَأْسَكَ فِي الرَّحِمْ ... وَعَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْهَزِمْ
فأعطيت الجائزة وحرم، وقربت وأبعد. في حر أمك وحر أم كل عاقل معك. فتركته وانصرفت.
قال مدرك: ثم قال لي أبو العبر قد بلغني أنك تقول الشعر فإن قدرت أن تقول جيداً جيداً، وإلا فليكن بارداً بارداً مثل شعر
أبي العبر، وإياك والفاتر فإنه صفع كله.
حدثني جعفر بن محمد بن قدامة، قال حدثني أبو العيناء قال أنشدت أبا العبر
ما الْحُبُّ إلاَّ قُبْلَةٌ ... وَغَمْزُ كَفٍّ وَعَضُدْ
أَوْ كُتُبٌ فِيها رُقًى ... أَنْفَذُ مِنْ نَفْثِ الْعُقَدْ
مَنْ لَمْ يَكُنْ ذا حُبُّهُ ... فَإنَّما يَبْغِي الْوَلَدْ
ما الحُبُّ إلاَّ هَكَذا ... إنْ نُكِحَ الْحبُّ فَسَدْ
فقال لي كذب المأبون وأكل من خراى رطلين وربعا بالميزان فقد أخطأ وأساء ألا قال كما قلت
باضَ الْحُبُّ فِي قَلْبِي ... فَواَوْيلِى إذا فَرَّخْ
وَما يَنْفَعُنِي حُبِّي ... إذا لَمْ أَكْنُسِ الْبَرْبَخْ
وَإنْ لَمْ يَطْرَح اْلأَصْلَعُ خُرْجَيِهْ عَلَى الْمَطْبَخْ
ثم قال كيف ترى؟ قلت عجباً من العجب قال ظننت أنك تقول لا فأبل يدي وأرفعها ثم سكت فبادرت وانصرفت خوفاً من شره.
حدثني عبد العزيز بن أحمد عم أبي قال كان أبو العبر يجلس بسر من رأى في مجلس يجتمع عليه فيه المجان يكتبون عنه، فكان
يجلس على سلم وبين بلاغة فيها ماء وحمأة وقد سد مجراها وبين يديه قصبة طويلة وعلى رأسه خف وفي رجليه قلنسيتان ومستمليه في جوف بئر وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة ويقل السماع ويصيح مستمليه من جوف البئر من يكتب عذبك الله، ثم يملي عليهم، فإن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من ماء البلاغة إن كان وضيعاً، وإن كان ذا مروءة رشش عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس في الكنيف إلى أن ينفض المجلس ولا يخرج منه حتى يغرم درهمين.
قال وكانت كنيته أبا العباس فصيرها أبا العبر ثم كان يزيد فيها في كل سنة حرفاً حتى مات، وهي أبو العبر طرد طيل طليرى بك بك بك.
حدثني جحظة قال رأيت أبا العبر بسر من رأى وكان أبوه شيخاً صالحاً، وكان لا يكلمه، فقال له بعض إخوانه لم هجرت ابنك؟ قال فضحني كما تعلمون بما يفعله بنفسه، ثم لا يرضى بذلك حتى يهجنني ويؤذيني ويضحك الناس مني، فقالوا له أي شيء من ذاك وبماذا هجنك؟ قال اجتاز على منذ أيام ومعه سلم فقلت له ولاى شيء هذا معك؟ فقال لا أقول لك فأخجلني وأضحك بي كل من كان عندي،
فلما أن كان بعد أيام اجتاز بي ومعه سمكة، فقلت له أيش تعمل بهذه؟ فقال انيكها فحلفت لا أكلمه أبداً.
أخبرني عمي عبد الله قال سمعت رجلاً سأل أبا العبر عن هذه المحالات التي يتكلم بها أي شيء أصلها قال أبكر فأجلس على الجسر ومعي دواة ودرج فأكتب كل شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضاً وألصقه مخالفاً فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه.
أخبرني عمي قال رأيت أبا العبر واقفاً على بعض آجام سر من رأى وبيده اليسرى قوس جلاهق، وعلى يديه اليمنى باشق، وعلى رأسه قطعة رئة في حبل مشدود بأنشوطة وهو عريان في ايره شعر مفتول مشدود فيه شص قد ألقاه في الماء للسمك، وعلى شفته دوشاب ملطخ، فقلت له خرب بيتك إيش هذا العمل؟ فقال اصطاد يا كشخان يا أحمق بجميع جوارحي؛ إذا مر بي طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريباً مني أرسلت إليه الباشق، والرئة التي على رأسي يجيء الحد ليأخذها فيقع في الوهق، والدوشاب أصطاد به الذباب، وأجعله في الشص فيطلبه السمك ويقع فيه والشص في ايري فإذا مرت السمكة أحسست بها فأخرجتها.
قال وكان المتوكل يرمي به في المنجنيق إلى الماء وعليه قميص
حرير فأذا علا في الهواء صاح الطريق الطريق، ثم يقع في الماء فتخرجه السباح.
قال وكان المتوكل يجلسه على الزلاقة فينحدر فيها حتى يقع في البركة ثم يطرح الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك، ففي ذلك يقول في بعض حمقاته.
ويأمر بي الملك ... فيطرحني في البرك
ويصطادني بالشبك ... كأني من السمك
وحدثني جعفر بن قدامة قال قدم أبو العبر بغداد في أيام المستعين وجلس للناس فبعث إسحق بن إبراهيم فأخذه وحبسه فصاح في الحبس لي نصيحة فأخرج ودعا به إسحق فقال هات نصيحتك قال على أن تؤمنني قال نعم، فقال الكشكية لا تطيب إلا بالكشك. فضحك إسحق وقال هو فيما أرى مجنون فقال لا هو امتخط حوت قال أيش هو امتخط حوت؟ ففهم ما قاله وتبسم ثم قال أظن أني فيك مأثوم، قال لا ولكنك في ماء بصل فقال أخرجوه عني إلى لعنة الله ولا يقيم ببغداد فأرده إلى الحبس، فعاد إلى سر من رأى، وله أشعار ملاح في الجد منها ما أنشدنيه الأخفش له