بشيء، فقال الواثق: قبح الله فعله، ترك أهله وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله أدانيك أدانيك والله لا أمضاها أمير المؤمنين على هذه الصفة، فلما توفي أمر المعتصم بالله أن يجعل لولد علي عليه السلام من الوصية كما لولد العباس عليه السلام، وأمضاها على ذلك.
قال واشتدت علة إبراهيم بن المهدي في شهر رمضان من سنة أربع وعشرين ومائتين، وجعل يشرب الماء فلا يروى، ووجه إلى المعتصم يطلب ثلجاً، وكان قد عز وجوده في ذلك الوقت، فأمر أن تصرف وظائف الثلج كلها إليه، فلما مات ركب المعتصم وصلى عليه، وكبر خمسا، وانصرف قبل أن يدلى في قبره، وتقدم إلى هارون الواثق أن يتولى ذلك، ويقف إلى أن يجن، ففعل كارها وانصرف.
وكان الواثق ينعي عليه ما فعله في أمر وصيته في هذا الوقت وبعد ذلك لما أن ولي الخلافة، وهجاه قوم لسبب وصيته بأهاج ترك ذكرها لموضعه من النسب والخلافة.
تمت أشعار إبراهيم بن المهدي يتلوه ابنه هبة الله بن إبراهيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أَبُو القَاسِمِ
هِبَةُ الله بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ المَهْدِيِّ
وهذا وإن لم يكن ابن خليفة يعد في الخلفاء، فإنا جئنا به بعقب ذكر أبيه. كما شرطنا في الرسالة التي في صدر هذا الكتاب، أنا إذا ذكرنا شاعراً فكان في أهله شعراء ذكرناهم جميعاً بعقب ذكره ليكون أمرهم أقرب على ملتمسه، فأجرينا هذا على ذلك.
حدثني أحمد بن يزيد بن محمد أبو جعفر المهلبي، قال كان لهبة الله بن إبراهيم غلام يقال له بدر، قد رمى بأمره كله عليه، فتركه ومضى إلى غلام ليؤنس بن بغا، فأقام عنده، فقال هبة الله فيه شعراً، وأنشدنيه لنفسه:
لاَ يَفِي دَهْرُك هَذَا لأِحَدْ ... وَجَميِعُ النَّاسِ فِيِه قَدْ فَسَدْ
كُلُّ مَنْ تُبْصرُ مِنْ جَارِيَةٍ ... وَغُلاَمٍ فَهْوَ مُسْتَرْخِى الْقَوَدْ
مَا مِنَ النَّاسِ جَمِيعاً أَحَدٌ ... مُسْتَحِقّاً فِي الْهَوَى أَنْ يُعْتَقَدْ
فَدَعِ الْمُرْدَ وَدَعْ ذِكْرَهُمُ ... وَارْمِ بِاْلِعْشِقِ إلىَ أَقْصَى بَلَدْ
وَتَغَنَّ الْيَوْمَ إنْ بَاكَرْتَهَا ... قَهْوَةً صَفْراءَ تَرْمِى بِالزَّبَدْ
اسْتَجْرِ بِالرَّاحِ مِنْ حَدِّ اْلأَحَدْ ... لاَ تُؤَخِّرْ لَذَّةَ اليَوْمِ لغَدْ
من شعره
أَلاَ يَا طَاِلباً يُفْدِيهِ مِنِّي الْجْسِمُ وَالرُّوحُ
فُؤَادُ الْهَائِمِ الْمسْكِي ... نِ بِاِلْهْجَرانِ مَجْرُوحُ
وَقَلْبُ الصَّبِّ بِالَّصدِّ ... الذَّيِ أَظْهَرْتَ مَقْرُوحُ
فَأَلاَّ كَانَ ذَا الصَّدُّ ... وَبَابُ الصَّبْرِ مَفْتُوحُ
وأنشدني أحمد بن يزيد لهبة الله بن إبراهيم:
يا جَليِلاً فِي الْعُيُون ... وَمَليحاً فِي الْمُجُونِ
وَالَّذِي يَمْطُلُنِي ... الْوَعْدَ وَلاَ يَقْضِى دُيوُنِي
أَنْتَ بَاعَدَتْ بَهْجْرٍ ... بَيْنَ نَوْمِي وَجُفوُنِي
سَوْفَ يَدْعُونَيِ إنْ لَمْ ... تَرْثِ لِي دَاعِي الْمَنُونِ
وقال أيضاً
إنْ كُنْتُ أَذْنَبْتُ بِحُبِّي لَكُمْ ... فَلَسْتُ مِنْ ذَا الذَّنْبِ التَّائِبِ
رَضيِتُ أَقْصَى الْعَيْبِ فِي حُبِّكُمْ ... فَمَا عَسَى يَبْلُغُ بِي عَائِبِي
غَلَبْتُ فِي فَخْرٍ وَفيِ سُؤْدُد ... لَكِنْ هَوَاكُمْ أَبَداً غَالِبِي
يَعْلَمُ رَبِّي أَنَّنِي مُدْنَفٌ ... وَشَاهِدِي فِي النَّاِس كاَلْغَائِبِ
حدثني الحسن بن يحيى قال كان هبة الله بن إبراهيم يجالس الخلفاء وآخر من جالس المعتمد على الله، وكان أحسن الناس علما بالغناء وكانت صنعته له ضعيفة، قال فوقعت لأبي شبل البرجمي الشاعر إليه حاجة فهجاه فقال:
صَلِفٌ تَنْدَقُّ مِنْهُ الرَّقَبهْ ... وَمَخازٍ لَمْ تُطقْهَا الْكَتَبَهْ
كُلَّمَا بَادَرَهُ بَدْرٌ بِمَا ... يَشْتَهِيهِ مِنْه نَادَى يَا أَبَهْ
لَيْتَهُ كَانَ النَّوَى الْفَرْحُ بِهِ ... لَمْ يَزِدْ فِي هَاِشمٍ هَذا الْهِبَهْ
وقال هبة الله
عَذَّبَنِي الْحُبُّ وَأَبْلاَنِي ... مَا أَعْنَفَ الْحُبَّ بالإِنْسَانِ
مَا أَطْيَبَ الْوَصْلَ عَلىَ عَاشِقٍ ... إنْ لَمْ تُنَغِّصْهُ بِهِجْرَانِ
من أول شعر عمله هبة الله، وشهر به قوله:
أَصَابَكَ الظَّبْيُ إذْ رَمَاكَا ... وَعْن ظِبَاِء النَّقَا حَوَاكَا
فَلَوْ تَمَنَّيْتَ لَمْ تَجُزْهُ ... وَلَوْ تَمَنَّى لَمَا عَدَاكَا
يَا ظَالِماً نَفْسَهُ بِظُلْمِي ... لاَ تَبْك مِمَّا جَنَتْ يَدَاكَا
أَنْتَ الذَّي إنْ كَفَرْتَ وُدِّي ... صَرَفْتُ قَلْبي إلىَ سِوَاكَا
فعمل أبوه إبراهيم بن المهدي في هذا الشعر لحناً في الثقيل الأول
عنده، وفي الثقيل الثاني عند إسحق وعند الناس، وعمل فيه علوية لحناً في الرمل، حدثني بذلك الحسين بن يحيى الكاتب، وقال هبة الله أيضاً
أَنْكَرْتُ مِنْ هَجْرِكَ ما أَعْرفُ ... وَجُرْتَ فِي الْحُبِّ فَمَا تُنْصفُ
لَوْ كُنْتَ مِثْلِي عارِفاً فِي الْهَوَى ... عامَلْتَنِي فِيِه بِمَا تَعْرِفُ
لَكِنْ تَجَاوَزْتَ طَرِيقَ الهْوَىَ ... وَضَلَّ فِيِه الْهَائمُ الْمُدْنَفُ
وجدت بخط إبراهيم بن شاهين، أنشدني العباس بن محمد لهبة الله ابن إبراهيم يرثي أباه:
الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَرَى ... أَفْقَدَنِي الْمَوْتُ لذَيذَ الكْرَىَ
أَصُبَحَ أَعْلَى النَّاِس فِي قَدْرِهِ ... مُنْخَفضِاً يَعْلوُ عَلَيْهِ الثَّرَى
قَدْ وَتَرَ المَوْتُ الْوَرَى كُلَّهُمْ ... بِمَوْتِ إبْراهِيمَ خَيْرِ الوْرَىَ
وقال وأحسبه في غلامه
يا مَنْ أَرَدْتُ لِنَفْسِي ... فَصاَر غَدْراً لِغَيْرِي
وَمَنْ ذَخَرْتُ لَنْفِسي ... فَعادَ ذُخْراً لِضَيْرِي
شَفِيتُ منْكَ بِشَرٍّ ... وَما سَعِدْتُ بَخيْرٍ
جَرَى لِي الْفَأْلُ يَوْمَ ال ... نَّوَى بِأَشْأَمِ طَيْرِ
ومن شعره
وَمُهَفْهِفٍ فَضَحَتْ رَشا ... قَةُ قَدِّهِ الْغُصْنَ الرَّطيبا
وإذا بَدَا إشْراقُهُ ... لِلشَّمْسِ أَسْرَعَتِ الَمِغيبا
يا قاِسياً أَدْعُو بعَطْفِهِ فَيَأْبَى أَنْ يُجيِبا
لَوْ كانَ فِعْلُكَ مِثْلَ وَجْهِكَ لَمْ أَكُنْ صَبّاً كَئيِباً
ومات هبة الله بن إبراهيم بن المهدي في شهر ربيع الأول من سنة خمس وسبعين ومائتين، عن توبة حسنة ووصية جميلة، بعد أن فرق في حياته مالاً عظيماً.
وحدثني محمد بن يحيى بن ثابت قال: لما اشتدت علة هبة الله بن إبراهيم جعل يقول:
إلَى المُهَيْمِنِ رَبِّي ... أَتُوبُ مِنْ كُلِّ ذَنْبِ
رَجَوْتُهُ عْنَد مَوْتِي ... لدَفْع هَمِّي وَكَرْبِي
يا رَبِّ فَاغْفِرْ ذُنوبِي ... فَأَنْتَ غَوْثِي وَحَسْبي
علية بنت المهدي
أشْعاَرُ عُلَيَّةَ بِنْتِ الَمْهِديّ
وَأخْبَارُهَا
وإنما ذكرت عليه ها هنا لأني لا أعرف لخلفاء بني العباس بنتاً مثلها، فلما كانت منفردة ذكرت أمرها مع أولاد الخلفاء، على أن لها شعراً حسنا، وصنعة في الغناء حسنة كثيرة.
وكانت علية من أكمل النساء عقلا، وأحسنهن دينا وصيانة. ونزاهة، وكانت أكثر أيام طهرها مشغولة بالصلاة، ودرس القرآن، ولزوم المحراب، فإذا لم تصل اشتغلت بلهوها.
وكان الرشيد يعظمها، ويجلسها معه على سريره، وكانت تأبى ذلك وتوفيه حقه، وكان إبراهيم بن المهدي يأخذ الغناء عنها.
حدثني عون بن محمد الكندي قال سمعت عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يقول: ما اجتمع في الإسلام قط أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدي وأخته علية، وكانت تقدم عليه.
حدثني أحمد بن محمد بن إسحاق، قال حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال حدثني مسرور الخادم قال خرج الجلساء والمغنون من عند الرشيد، فقال لي قد تشوقت أختي علية فامض فجئني بها، وقل لها بحياتي عليك إلا طيبت عيشي بحضورك، فجاءت فأومأ إليها أن تجلس على السرير معه، فأبت وحلفت ثم ثنت طرف نخٍّ كان بين يديه، وجلست على ظهره، فقال لها لم فعل هذا يا حياتي؟
وكان كثيراً ما يدعوها بذلك، فقالت يا أمير المؤمنين: إنها مجالس آنفا، فلم أحب أن أقعد مقعدهم.
حدثنا الحسين بن فهم قال حدثنا حماد بن إسحاق قال سمعت إبراهيم بن إسماعيل الكاتب يقول قالت علية بنت المهدي ما حرم الله شيئاً إلا وقد جعل فيما حلل عوضا منه، فبأي شيء يحتج عاصيه، والمنتهك لحرماته.
حدثنا محمد بن موسى مولى بني هاشم بالبصرة سنة ثمان وسعين ومائتين، قال سمعت أبا أحمد بن الرشيد يقول كانت عمتي علية تقول اللهم لا تغفر لي حراما أتيته، ولا عزما على حرام إن كنت عزمته، وما استغرقني لهو قط إلا ذكرت سببى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصرت عنه، وإن الله ليعلم أني ما كذبت قط، ولا وعدت وعدا فأخلفته.
أخْبارُ عُلَيَّةَ بِنْتِ الَمْهِديِّ مَعَ أخِيها الرَّشيِد
حدثنا عون بن محمد، قال حدثنا سعيد بن هزيم، قال: كانت علية تحب أن تراسل بالأشعار من تخصه، فاختصت خادما يقال له طَلٌّ من خدم الرشيد تراسله بالشعر، فلم تره أياما، فمشت على ميزاب حتى رأته وحدثته، فقالت في ذلك:
قَدْ كانَ ما كلُفِّتْهُ زَمَناً ... يا طَلُّ مِنْ وَجْدٍ بِهِمْ يَكْفِي
حَتَّى أَتِيْتُكَ زائِراً عَجِلاً ... أَمْشِي عَلَى حَتْفِي إلىَ حتَفْيِ