حدثني الحسن بن يحيى قال كان هبة الله بن إبراهيم يجالس الخلفاء وآخر من جالس المعتمد على الله، وكان أحسن الناس علما بالغناء وكانت صنعته له ضعيفة، قال فوقعت لأبي شبل البرجمي الشاعر إليه حاجة فهجاه فقال:
صَلِفٌ تَنْدَقُّ مِنْهُ الرَّقَبهْ ... وَمَخازٍ لَمْ تُطقْهَا الْكَتَبَهْ
كُلَّمَا بَادَرَهُ بَدْرٌ بِمَا ... يَشْتَهِيهِ مِنْه نَادَى يَا أَبَهْ
لَيْتَهُ كَانَ النَّوَى الْفَرْحُ بِهِ ... لَمْ يَزِدْ فِي هَاِشمٍ هَذا الْهِبَهْ
وقال هبة الله
عَذَّبَنِي الْحُبُّ وَأَبْلاَنِي ... مَا أَعْنَفَ الْحُبَّ بالإِنْسَانِ
مَا أَطْيَبَ الْوَصْلَ عَلىَ عَاشِقٍ ... إنْ لَمْ تُنَغِّصْهُ بِهِجْرَانِ
من أول شعر عمله هبة الله، وشهر به قوله:
أَصَابَكَ الظَّبْيُ إذْ رَمَاكَا ... وَعْن ظِبَاِء النَّقَا حَوَاكَا
فَلَوْ تَمَنَّيْتَ لَمْ تَجُزْهُ ... وَلَوْ تَمَنَّى لَمَا عَدَاكَا
يَا ظَالِماً نَفْسَهُ بِظُلْمِي ... لاَ تَبْك مِمَّا جَنَتْ يَدَاكَا
أَنْتَ الذَّي إنْ كَفَرْتَ وُدِّي ... صَرَفْتُ قَلْبي إلىَ سِوَاكَا
فعمل أبوه إبراهيم بن المهدي في هذا الشعر لحناً في الثقيل الأول
عنده، وفي الثقيل الثاني عند إسحق وعند الناس، وعمل فيه علوية لحناً في الرمل، حدثني بذلك الحسين بن يحيى الكاتب، وقال هبة الله أيضاً
أَنْكَرْتُ مِنْ هَجْرِكَ ما أَعْرفُ ... وَجُرْتَ فِي الْحُبِّ فَمَا تُنْصفُ
لَوْ كُنْتَ مِثْلِي عارِفاً فِي الْهَوَى ... عامَلْتَنِي فِيِه بِمَا تَعْرِفُ
لَكِنْ تَجَاوَزْتَ طَرِيقَ الهْوَىَ ... وَضَلَّ فِيِه الْهَائمُ الْمُدْنَفُ
وجدت بخط إبراهيم بن شاهين، أنشدني العباس بن محمد لهبة الله ابن إبراهيم يرثي أباه:
الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَرَى ... أَفْقَدَنِي الْمَوْتُ لذَيذَ الكْرَىَ
أَصُبَحَ أَعْلَى النَّاِس فِي قَدْرِهِ ... مُنْخَفضِاً يَعْلوُ عَلَيْهِ الثَّرَى
قَدْ وَتَرَ المَوْتُ الْوَرَى كُلَّهُمْ ... بِمَوْتِ إبْراهِيمَ خَيْرِ الوْرَىَ
وقال وأحسبه في غلامه
يا مَنْ أَرَدْتُ لِنَفْسِي ... فَصاَر غَدْراً لِغَيْرِي
وَمَنْ ذَخَرْتُ لَنْفِسي ... فَعادَ ذُخْراً لِضَيْرِي
شَفِيتُ منْكَ بِشَرٍّ ... وَما سَعِدْتُ بَخيْرٍ
جَرَى لِي الْفَأْلُ يَوْمَ ال ... نَّوَى بِأَشْأَمِ طَيْرِ
ومن شعره
وَمُهَفْهِفٍ فَضَحَتْ رَشا ... قَةُ قَدِّهِ الْغُصْنَ الرَّطيبا
وإذا بَدَا إشْراقُهُ ... لِلشَّمْسِ أَسْرَعَتِ الَمِغيبا
يا قاِسياً أَدْعُو بعَطْفِهِ فَيَأْبَى أَنْ يُجيِبا
لَوْ كانَ فِعْلُكَ مِثْلَ وَجْهِكَ لَمْ أَكُنْ صَبّاً كَئيِباً
ومات هبة الله بن إبراهيم بن المهدي في شهر ربيع الأول من سنة خمس وسبعين ومائتين، عن توبة حسنة ووصية جميلة، بعد أن فرق في حياته مالاً عظيماً.
وحدثني محمد بن يحيى بن ثابت قال: لما اشتدت علة هبة الله بن إبراهيم جعل يقول:
إلَى المُهَيْمِنِ رَبِّي ... أَتُوبُ مِنْ كُلِّ ذَنْبِ
رَجَوْتُهُ عْنَد مَوْتِي ... لدَفْع هَمِّي وَكَرْبِي
يا رَبِّ فَاغْفِرْ ذُنوبِي ... فَأَنْتَ غَوْثِي وَحَسْبي
علية بنت المهدي
أشْعاَرُ عُلَيَّةَ بِنْتِ الَمْهِديّ
وَأخْبَارُهَا
وإنما ذكرت عليه ها هنا لأني لا أعرف لخلفاء بني العباس بنتاً مثلها، فلما كانت منفردة ذكرت أمرها مع أولاد الخلفاء، على أن لها شعراً حسنا، وصنعة في الغناء حسنة كثيرة.
وكانت علية من أكمل النساء عقلا، وأحسنهن دينا وصيانة. ونزاهة، وكانت أكثر أيام طهرها مشغولة بالصلاة، ودرس القرآن، ولزوم المحراب، فإذا لم تصل اشتغلت بلهوها.
وكان الرشيد يعظمها، ويجلسها معه على سريره، وكانت تأبى ذلك وتوفيه حقه، وكان إبراهيم بن المهدي يأخذ الغناء عنها.
حدثني عون بن محمد الكندي قال سمعت عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يقول: ما اجتمع في الإسلام قط أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدي وأخته علية، وكانت تقدم عليه.
حدثني أحمد بن محمد بن إسحاق، قال حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال حدثني مسرور الخادم قال خرج الجلساء والمغنون من عند الرشيد، فقال لي قد تشوقت أختي علية فامض فجئني بها، وقل لها بحياتي عليك إلا طيبت عيشي بحضورك، فجاءت فأومأ إليها أن تجلس على السرير معه، فأبت وحلفت ثم ثنت طرف نخٍّ كان بين يديه، وجلست على ظهره، فقال لها لم فعل هذا يا حياتي؟
وكان كثيراً ما يدعوها بذلك، فقالت يا أمير المؤمنين: إنها مجالس آنفا، فلم أحب أن أقعد مقعدهم.
حدثنا الحسين بن فهم قال حدثنا حماد بن إسحاق قال سمعت إبراهيم بن إسماعيل الكاتب يقول قالت علية بنت المهدي ما حرم الله شيئاً إلا وقد جعل فيما حلل عوضا منه، فبأي شيء يحتج عاصيه، والمنتهك لحرماته.
حدثنا محمد بن موسى مولى بني هاشم بالبصرة سنة ثمان وسعين ومائتين، قال سمعت أبا أحمد بن الرشيد يقول كانت عمتي علية تقول اللهم لا تغفر لي حراما أتيته، ولا عزما على حرام إن كنت عزمته، وما استغرقني لهو قط إلا ذكرت سببى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصرت عنه، وإن الله ليعلم أني ما كذبت قط، ولا وعدت وعدا فأخلفته.
أخْبارُ عُلَيَّةَ بِنْتِ الَمْهِديِّ مَعَ أخِيها الرَّشيِد
حدثنا عون بن محمد، قال حدثنا سعيد بن هزيم، قال: كانت علية تحب أن تراسل بالأشعار من تخصه، فاختصت خادما يقال له طَلٌّ من خدم الرشيد تراسله بالشعر، فلم تره أياما، فمشت على ميزاب حتى رأته وحدثته، فقالت في ذلك:
قَدْ كانَ ما كلُفِّتْهُ زَمَناً ... يا طَلُّ مِنْ وَجْدٍ بِهِمْ يَكْفِي
حَتَّى أَتِيْتُكَ زائِراً عَجِلاً ... أَمْشِي عَلَى حَتْفِي إلىَ حتَفْيِ
فخلف عليها الرشيد ألا تكلم طلا الخادم، ولا تسمى باسمه، فضمِنت له ذلك، فاستمع عليها يوماً وهي تدرس آخر سورة البقرة، حتى بلغت إلى قوله عز وجل " أَصابَهَا وَابلٌ، فَأتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصبْها وَابِلٌ " وأرادت أن تقول فَطَلٌّ، فلم تلفظ بهذا فقالت فالذي نهانا عنه أمير المؤمنين وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيِرٌ فدخل فقبل رأسها وقال قد وهبت لك طلا، ولا منعتك بعد هذا من شيء تريدينه.
حدثنا عون قال حدثنا سعيد بن هريم، قال قالت علية للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: ما رأيت لك يوم سرور تاما منذ قتلت جعفرا فلأي شيء قتلته؟ فقال: يا حياتي لو علمت أن قميصي يعلم السبب الذي قتلت له جعفرا لأحرقته! حدثنا أحمد بن يزيد المهبلي، قال حدثنا حماد بن إسحاق قال كانت علية ابنت المهدي أعف الناس، إذا طهرت لزمت المحراب، وإذا لم تصل غنت، وكانت قليلة الشغف بالشراب.
وكانت تكاتب بالأشعار خادمين يقال لأحدهما رشأ، وتكنى عنه بزينت. وطل وتكنى عنه بظل. فمن شعرها في طل، وكنايتها بطل على أنها جارية.
يا رَبِّ إنِّي قَدْ حَرَضْتُ بِهْجِرها ... فَإلَيْكَ أَشْكوُ ذاكَ يا رَبَّاهُ
مَوْلاةُ سَوْءٍ تَسْتَهينُ بِعَبْدِها ... نِعْمَ الْغُلامُ وبَئِسَتِ المَوْلاه
ظلٌّ وَلَكنِّي حُرِمْتُ نَعيِمَهُ ... وَهَواهُ إنْ لَمْ يُغثْنِي اللهُ
حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي، قال حدثنا حماد بن إسحاق قال زار الرشيد علية فقال لها: بالله يا أختي غني، فقالت والله لأعملن فيك شعراً، وأعمل فيه لحنا، فقالت من وقتها:
تَفْدِيكُ أُخْتُكَ قَدْ حَييتُ بِنِعْمَةٍ ... لسَنْا نَعُدُّ لهَا الزَّمانُ عَديلاَ
إلاَّ الخُلوُدَ وَذاك قُرْبُكَ سَيِّدِي ... لاَزالَ قُرْبُكَ وَالبَقاءُ طَوِيلاَ
وَحَمِدْتُ رَبيِّ فِي إجابَةِ دَعْوَتي ... وَرَأَيْتُ حَمْدِي عنْدَ ذاكَ قَلِيلاَ
وعملت فيه لحنا من وقتها، في طريقة الثقيل الثاني
من شعرها في الرشيد وقد جفاها
مالَكِ رقِّي أَنْتَ مَسْرُورُ ... وَبِالَّذِي تَهْواهُ مَحْبُورُ
أَوْحَشْتَنِي يا نُورَ عَيِني فَمَنْ ... يُؤنُسِنِي غَيْرُكَ يا نُورُ
أَنْتَ عَلىَ اْلأَعْداءِ يَا سَيِّدِي ... مُظَفَّرُ الآْراءِ مَنْصُورُ
وقالت للرشيد وقد طلب أختيها ولم يطلبها
مالي نُسِيتُ وَقَدْ نُوِدي بِأَصْحابِي ... وَكُنْتُ وَالذِّكْرُ عنْدِي رِائحٌ غادِي
أَنا الذَّيِ لا أُطيِقُ الدَّهْرَ فُرْقَتَكُمْ ... فَرِقَّ لِي بأَبيِ مِنْ طُوِل إبعادِي
وغنت لحنا في طريقة الثقيل الثاني حدثني عون بن محمد، قال حدثني زرزر الكبير غلام جعفر ابن موسى الهادي أن علية حجت في أيام الرشيد، فلما انصرفت أقامت بِطيِزنَابَاَذ أياما فانتهى ذلك إلى الرشيد فغضب فقالت:
أَيُّ ذَنْبٍ أَذْنْبَتُهُ أَيُّ ذَنْبٍ ... أَيُّ ذَنبٍ لَوْلاَ مَخَافَةُ رَبيِّ
بِمُقِامي بِطَيزناباذَ يَوْماً ... بَعْدَهُ لَيْلَةٌ عَلىَ غَيْرِ شُرْبِ
ثُمَّ باكَرْتُها عُقاراً شَمُولاً ... تَفْتنُ النَّاسِكَ الحْلَيِمَ وَتُصْبِي
قَهْوَةً قَرْقَفاً تَرَاهَا جَهْولاً ... ذاتَ حِلْمٍ فَرَّاجَةً كُلَّ كَرْبٍ
وعملت في البيتين الأولين لحنا في خفيف الثقيل الأول، وفي البيتين الآخرين لحن رمل، فلما جاءت وسمع الشعر واللحنين رضى عنها.
حدثني عبد الله بن المعتز، قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي، قال اشتاق الرشيد إلى عمتي علية وهو بالرقة، فكتب إلى خالها يزيد بن منصور في إخراجها إليه، فأخرجها فقالت في طريقها:
اشْرَبْ وَغَنِّ عَلىَ صَوْتِ النُوَّاعِيِرما كُنْتُ أَعْرْفُها لَوْلاَ ابْنُ مَنْصُور
لَوْلاَ الرَّجاءُ لِمَنْ أَمَّلْتُ رُؤْيَتَهُ ... ما جُزْتُ بَغْدادَ في خَوْفٍ وَتَغْريرِ