لاَ تَشْرَبِ الَّراحَ بَيْنَ الُمْسِمعاتِ وَزُرْظَبْياً غَرِيراً نَقِيَّ الَخِّد وَالجِيِد
قَدْ ريَّحَتْهُ شَمْولٌ فَهُوَ مُنْجَدِلٌ ... يَحْكِي بِوَجْنَتِهِ ماءَ الْعَناقِيِد
حدثنا عون بن محمد قال حدثني أبو أحمد بن الرشيد قال دخل يوما إسماعيل بن الهادي إلى المأمون فسمع غناء أذهله.
فقال له المأمون مالك؟ فقال قد سمعت ما أذهلني، وكنت أكذب بأن أرغن الروم يقتل طربا، وقد صدقت الآن بذلك.
فقال ألا تدرى ما هذا؟ قال لا والله، قال هذه عمتك علية، تلقى على عمك إبراهيم صوتا.
حدثنا محمد بن عبد السميع قال سمعت هبة الله بن إبراهيم يقول ولدت علية سنة ستين ومائة وتوفيت سنة عشر ومائتين ولها خمسون سنة، وكانت عند موسى بن عيسى بن موسى.
حدثنا عون بن محمد قال حدثني محمد بن علي بن عثمان قال ماتت علية سنة تسع ومائتين، وصلى عليه المأمون، وكان سبب موتها أن المأمون ضمها إليه، وجعل يقبل رأسها ووجهها مغطى، فشرقت من ذلك وسعلت، ثم حمت بعقب هذا من وقته أياما يسيرة وماتت.
عَبْدُ الله بْنُ مُوسى الهْادي
ويكنى أبا القاسم، وكان عبد الله بن الهادي كريما جوادا ظريفا ممدحا، وفيه يقول الشاعر:
أَعَبْدَ اللهِ أَنْتَ لنَا أَمِير ... وَأَنْتَ مِنَ الزَّمانِ لنَا مُجيُر
حَكَيْتَ أَباكَ مُوسَى فِي الْعَطايا ... إمامُ النَّاسِ وَالمَلِكُ الْكَبيِر
وعبد الله الذي يقول أنشدني هذا الشعر له عبد الله بن المعتز وقال: له فيه لحن في طريقة الماخوري وشعره قليل جداً:
تَقاضاكَ دَهْرُكَ ما أَسْلفَا ... وكَدَّرَ عَيْشَكَ بَعْدَ الصَّفا
فَلا تُنْكِرَنَّ فَإنَّ الزَّما ... نَ رَهَيِنٌ بِتَشْتِيِت ما أَخْلَفا
وَلَمَّا رَآك قَلِيلَ الْهُمُومِ ... كَثِيرَ الْهَوَى ناِعماً مُتْرَفا
أَلَحَّ عَلَيْكَ بِرَوْعاتِهِ ... وَأَقْبَلَ يَرْمِيكَ مُسْتَهْدِفا
وغنى عبد الله بن الهادي في هذا الشعر لحن رمل:
إنَّ أَسْماءَ أَرْسَلَتْ ... وَأَخُو الْوُدِّ مُرْسِلُ
أَرْسَلَتْ تَسْتَزِيُدنِي ... وَتُفَدِّي وَتَعْذلُ
قال وفي هذا الشعر لحنان أحدهما لابن سريج، والآخر المالك.
ومن شعره:
وَابأَبِي مَنْ رَمَانِي ... بأَسْهُمِ الَّلْحِظ وَالْجُفُونِ
فَاَّنَفَرَدَتْ بِي شُجُونُ قَلْبٍ ... أَدْنَيِنَ عُمْرِي مِنَ المَنُون
فَصِرْتُ فَوْقَ الْفِرَاشِ شَخْصاً ... مُسْتَتِراً غَيْرَ مُسْتَبِينُ
لَمْ يَتْرُكِ السُّقْمُ لِي لِسَاناً ... يَنْطقُ عَنِّي سِوَى اْلأَنيِنِ
ومن مليح شعره ما وجدته له في كتاب بخط إبراهيم بن شاهين:
مَا أَوْلَعَ الْحُبَّ بِاْلِكرامِ وَمَا ... أَوْلَعَ بِاْلَهْجرِ كُلِّ مَحْبُوبِ
قَدْ حَجَبَ الْهَجْرُ مَنْ هَوِيتُ فَمَا ... يُسْعِفُنِي وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُوبِ
قال وأحسبه في هذا:
يا مَنْ يَرَاهُ النَّاسُ دُوِني وَلاَ ... أَرَاهُ، طُوبيَ لعُيُونٍ تَرَاكْ
أَنْتَ الذَّيِ إنْ غَابَ بَدْرُ الدُّجَى ... إنْ يَكْسِفِ الظُّلْمَةَ نُورٌ سوِاكْ
وَأَنْتَ مَنْ لَوْ خُيِّرَ الْحُسْنُ أَنْ ... يَمْلِكَهُ خَلْقٌ إذاً مَا عَداَكْ
وَمَا يَشَمُّ النَّاسُ مِنْ وَرْدِهِمْ ... فَإنَّمَا مَنْشَؤُهُ وَجْنَتاكْ
وقال:
وَابأَبِي ظَبْيٌ رَمَى مُهْجَتِي ... سَهْمٌ لَهُ لَمْ يُخْطِئِ الَمْقَتَلا
وَنامَ عَنْ لَيْلة صَبٌّ بِهِ ... قَدْ كَتَبَ الْحُبُّ عَلَيْه الْجَلاَ
يَشْكُو فَلا يَرْحَمُهُ إنْ شَكا ... لأِنَّهُ سَال وَذا ما سَلاَ
وَمَنْ يَكُنْ ذَا صِحَّةٍ ساِلماً ... فَقَلَّ ما يَرْحَمُ أَهْلَ الْبَلا
ومما يغنى من شعره:
هَجَرْتُ مَوْلاَيَ يَوْماً ... بِعَزْمَةٍ لا تُواتِي
فَصُيِّرَتْ لِي هُمُومٌ ... تُدْنِينَ مِنِّي وَفاتِي
فَقُلْتُ يا مَنْ بِكَفَّ ... يهْ عِيَشِتي وَمَماِتي
جَرَّبْتُ هَجْرَكَ يَوْماً ... قَتَلْتُ مِنْهُ حَياتِي
حدثنا عون بن محمد قال حدثني محمد بن سليمان بن داود عن أبيه سليمان وكان يكتب لأم جعفر قال كنت جالسا مع عبد الله بن الهادي فمر به خادم لصالح بن الرشيد، فقال له ما اسمك فقال اسمي لا تسل قال فأعجبه حسنه وحسن منطقه، فقال لي قم بنا حتى نسر اليوم بذكر هذا البدر فقمت معه، فأنشدني في ذلك اليوم:
وَشادِنٍ مَرَّ بِنا ... يَجْرَحُ بِاللَّحْظِ الُمَقْل
مَظْلُومُ خَصْرٍ ظاِلمٌ ... مِنْهُ إذا يَمْشِي الْكَفَلْ
اعْتَدَلَتْ قاَمُتهُ ... واَللَّحْظُ منْهُ ما عَدَلْ
بَدْرٌ تَراهُ أَبَداً ... طالعَ سَعْدٍ ما أَفَلْ
سَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِهِ ... فَقالَ إسْمِي لاَ تَسَلْ
وَطَلَعَتْ منْ وَجْنَتَيْ ... هِ وَردَتاِن مِنْ خَجَلْ
فَقُلْتُ ما أَخْطا الذَّيِ ... سَمَّاكَ بَلْ نالَ الَمثَلْ
لاَ تَسْأَلَنْ عَنْ شادِنٍ ... فاقَ جَمالاً وَكَمَلْ
قال وكان يعمل فيه أشعاراً فقال:
يا مَنْ غَدا أَقرانُ شَمْسِ الضَّحَى ... يَشْهَدُ بِالفْضْلِ لَهُ وَالْقَمَرْ
وَمَنْ بِهِ يُظْلِمُ قلْبي وَلوْ ... تُطِيعُهُ سَلْوَتُهُ لاَنَتَصرْ
تَفَهَّمَنْ قَوْلِيَ مِنْ نَظْرَتِي ... فَإِنَّما رُسْلِي إِليْكَ النَّظَرْ
كَمْ لِي إلَى وَجْهِك مِنْ نَظْرَةٍ ... لَوْ نَطَقَتْ قامَتْ مَقامَ الخَبرْ
وله في وزن الشعر اللامي في لا تسل وبعض الناس يجعله شعراً واحداً:
عَزَّ الذَّيِ يَهْوَى وَذَلّْ ... صَبُّ الْفُؤَادِ مُخْتبِلْ
جَدَّ بِهِ الْهجْرُ وذا ال ... هَجْرُ إذا جَدَّ قَتَلْ
مِنْ شادِنٍ مُنْتَطِقِ ... فاقَ جَمالاً وكَمَلْ
تَناصَفَ الُحْسنُ بِهِ ... فَلا تَسَلْ عَنْ لا تَسَلْ
أبو عيسى بْنُ الرَّشيد
واسمه أحمد وقيل محمد وأمه بربرية
حدثنا مسبح بن حاتم العكلي قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، وكان فيهم الأمين وأبو عيسى، لم ير الناس أجمل منهما قط. قال وكان أبو عيسى إذا عزم على الركوب جلس له الناس حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء.
حدثنا عون بن محمد الكندي قال حدثنا أبو غالب محمد بن سيعد الصغدي قال جلس أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين يتغذيان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى خلا بأصبعه فأرسله إلى عين طاهر، فغضب طاهر وقال: ليس لي إلا عين واحدة يتولع بي فيها فسكن المأمون منه، وقال إنه يمزح معك مزح الإخوة.
قال وهو القائل في الأمين لما قتل، وكان الأمين يكنى بأبي موسى وبأبي عبد الله جميعاً:
يا أَبا مُوسَى وَعَبْدَ اللهِ قَدْ غاَلتْكَ غُولُ
لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ أَرْ ... ثِيكَ وَلاَ كَيْفَ أَقُولُ
لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أُسَمِّي ... كَ قَتِيلاً يا قَتِيلُ
وهو القائل وأنشدني الناس له:
أَسْهَرَنِي ثُمَّ رَقَدْ ... وَمارَثَى لِي مِنْ كَمَدْ
ظَبْيٌ إذا زِدْتُ هَوًى ... وَذلَّةً تاهَ وَصَدّْ
وَاعَطَشِى إلىَ فَمٍ ... يَمُجُّ خَمْراً منْ بَرِدْ
حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن المهدي قال سمعت هبة بن إبراهيم ابن المهدي يقول سمعت أبي يقول للمأمون: أحب المحاسن كلها لك، حتى لو أمكنني أن أجعل وجه أبي عيسى لك لفعلت.
حدثنا الغلابي قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال كان طاهر يعادي أبا عيسى بن الرشيد، ولم يكن له حيلة فيه، لمكانته من المأمون، وكان أبو عيسى يهجوه ويفخر عليه، فمن شعر أبي عيسى فيه:
إنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاِس قَدْ عَلُمِواعَمِّ النَّبِيِّ الذَّيِ يُسْقَى بِهِ المَطَرُ
مِنَّا نَبِيُّ الهُدَى وَاللهُ فَضَّلَهُ ... ما فيِ اْلأَنامِ لَهْ عِدْلٌ وَلاَ خَطَرُ
مِنَّا الشَّهِيدُ بِبَطْنِ الِجْسْرِ قَدْ عَلِمُواوَجَعْفَرٌ وَعَلُّى الْخَيْرِ إنْ ذَكَرُوا
وَما نَسِيتُ أَبا الْعَبَّاسِ خَيْرَهُمُخَيْرَ الْبَرِيَّةِ قَدْ خُطَّتْ بِهِ الزُّبُرُ
وَاذْكُرْ عَلِيّاً ولا تَنْسَ الشَّبِيهَ لَهُمُحَمَّداً فِيهِ قَدْ شُدَّتْ لَهُ اِلمَررُ
وَدَبَّرَ اْلأَمْرَ إِبْراِهيمُ مُتَّسِعاً ... وَمَدَّ فِيِه يَداً ما شَانَها قَصرُ
وَسَبْعةٌ خُلَفاُء الله بَعْدَهُمُ ... أَئَّمةٌ لَمْ تَشِبْ صَفْواً لَهُمْ كُدَرُ
فَكَيْفَ أَجْعل كَلْباً نابِحاً أَثَرِى ... قَدْ شاَنهُ عَوَرُ اْلأَفْعاِل وَالْعَوَرُ
مَنْ طاِهرٌ وَحُسَيْن جُذَّ أَصْلُهُما ... لَوْلا اْلإمامُ وَأَمَرٌ جَرَّهُ الْقَدَرُ
حدثنا أبو أيوب سليمان بن داود المهلبي قال حدثني القاسم بن محمد ابن عباد عن أبيه قال كان المأمون أشد الناس حباً لأخيه أبي عيسى وكان يعده للأمر بعده، ويذاكرني ذلك كثيراً، وسمعته يوماً يقول إنه ليسهل على أمر اَلموت وفقد اَلملك، وما يسهل شيء منهما على أحد، أن يلي الأمر بعدي أبو عيسى لشدة محبتي لذلك.
حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن عباد المهلبي قال لما مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت إلى المأمون وعلى عمامتي فخلعت عمامتي، ونبذتها ورائي، والخلفاء لا تعزي في العمائم، ودنوت فقال لي يا محمد حال القدر، دون الوطر فقلت يا أمير المؤمنين كل مصيبة أخطأتك شوًى، فجعل الله الحزن لك لا عليك.
حدثنا عبد الله بن المعتز قال كان أبو عيسى بن الرشيد أديباً ظريفاً، وكان إذا عمل بيتين وثلاثة وجودها وملحها، فن شعره:
لسانِي كَتُومٌ لأَسْراِرِهمْ ... وَدَمْعِي نَمومٌ بِسرِّي مُذِيعُ
فَلَوْلاَ دُموِعي كَتَمْتُ الَهَوى ... وَلَوْلاَ الهَوَى لَمْ تْكُنْ لِي دُموعُ
حدثنا ابن فهم قال حدثنا جعفر بن علي بن الرشيد أن المأمون أفطر في يوم شك، وأمر القواد بالإفطار، فكتب إبراهيم بن المهدي إلى أبي عيسى وقد حصل له عنده خمسا من حذاق المغنيات:
قَدْ تَغَذَّى المِلَكُ الْ ... مأْمُونُ مِنْ قَبْلِ الزَّواِل
وَدَعَا بِالرَّاح إذْ ... صَحَّ لَهُ فَقْدُ الهِلالِ