بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تقديم :
جعفر السبحاني
العقيدة والشريعة
أو
الفقه الأكبر والفقه الأصغر
يعتمد الإسلام في دعوته العالمية ، على العقيدة والشريعة من دون تفريق وفصل بينهما.
فبالدعوة إلى الأولى يغذي العقل والفكر ، ويرفع الإنسان إلى سماء الكمال ، ويصونه عن السقوط في مهاوي الشرك والوثنية ، وعبادة غير الله سبحانه ، ويلفت نظره إلى مبدئه ومصيره ، وانه من أين جاء ولما ذا جاء ، وإلى أين يذهب.
وبالدعوة إلى الثانية يعبد طريق الحياة له ويضيىء دروبها الموصلة إلى سعادته الفردية والاجتماعية ، الدنيوية والأخروية.
أن المهم الجدير بالذكر هو أن الإسلام لا يفرق بين التركيز على العقيدة والشريعة ، ويندد بالذين يفكرون في العقيدة دون الشريعة ، ويختصرون الدين في الإيمان المجرد عن العمل ، بل يرى أن ترك العمل قد يؤدي إلى زوال العقيدة ، ويقول سبحانه(ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ)( الروم ـ ١٠ ) وفي نفس الوقت يندد بالذين يهونون من شأن العقيدة ويعكفون على العمل والعبادة من دون تدبر في غاياتها ، ومقاصدها ، والتفكير في الآمر بها ، ويرون العبادة في السجود والركوع فقط ويغفلون عن قوله سبحانه(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ)( آل عمران ـ ١٩١ ).
وتأكيدا لهذه الصلة بين العلمين ، قام لفيف من علمائنا القدامى والمتأخرين بالجمع بينهما حتى في التأليف فكان الفقه الأكبر ( العقائد ) إلى جانب الفقه الأصغر ( الأحكام ). نذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
١ ـ السيد الشريف المرتضى ( ٣٥٥ ـ ٤٣٦ ه ) صاحب الآثار الجليلة. فقد جمع بين العلمين في كتابه المسمى بـ « جمل العلم والعمل ».
وقد تولى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ( ٣٨٥ ـ ٤٦٠ ه ) شرح القسم الكلامي منه وأسماه : « تمهيد الأصول » وقد طبع ونشر.
كما تولى تلميذه الآخر القاضي ابن البراج ( ٤٠١ ـ ٤٨١ ه ) شرح القسم الفقهي منه وأسماه : « شرح جمل العلم والعمل » وقد طبع أخيرا.
٢ ـ الشيخ أبو الصلاح تقي الدين الحلبي ( ٣٧٤ ـ ٤٤٧ ه ) فقد ألف كتابا
باسم : « تقريب المعارف في العقائد والأحكام » وقد طبع ونشر.
٣ ـ أبو المكارم عز الدين حمزة بن علي بن زهرة الحلبي ( ٥١١ ـ ٥٨٥ ه ) مؤلف : « غنية النزوع » فقد أدرج في كتابه العقائد وأصول الفقه والأحكام.
إلى غير ذلك من تآليف على هذا النمط يطول الكلام بذكرها.
ونذكر من المتأخرين مثالا واحدا وهو كتاب « كشف الغطاء » لمؤلفه المحقق فقيه عصره الشيخ جعفر النجفي المعروف بكاشف الغطاء ( ١١٥٦ ـ ١٢٢٨ ه ) حيث ضم إلى جانب الفقه مباحث هامة كلامية وأصولية لا يستغني عنها الباحث ، وبذلك أثبت أن العمل ثمرة العقيدة ، وقرينها تكوينا وتشريعا.
وممن سلك هذا المسلك مؤلف هذا الكتاب الذي يزفه الطبع إلى القراء الكرام ، وهو علاء الدين أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبي من أعلام القرن السادس الهجري.
فقد ألف كتابه هذا المسمى بـ « إشارة السبق إلى معرفة الحق » على هذا المنوال ، وقد طبع الكتاب في ضمن « الجوامع الفقهية » عام ١٢٧٦ ه بالطبعة الحجرية ، ويعاد الآن طبعه بصورة محققة مصححة بهية.
ترجمة المؤلف :
إن التأريخ قد بخس المؤلف حقه حيث لم يذكر عنه شيئا جديرا بشخصيته العلمية الممتازة ، ولم يكن المؤلف هو الوحيد الذي أصابه هذا البخس ، فكم له من نظير في تاريخ علمائنا.
هذا هو الفقيه الطائر الصيت عز الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبي مؤلف « كشف الرموز »[١]شرحا على كتاب « النافع » للمحقق ، فلا تجد لذلك الفقيه الكبير الذي يعرف كتابه عن تضلعه في الفقه ، ترجمة ضافية لائقة بشخصيته ، إلا جملا عابرة فلا عتب علينا إذا لم نوفق لأداء حق مؤلفنا ـ صاحب الكتاب الحاضر ـ فلنذكر ما وقفنا عليه من جمل الإطراء وعبارات الثناء عليه :
١ ـ قال المحقق الشيخ أسد الله التستري ( م ١٢٣٤ ه ) صاحب المقابس :
ومنها ابن أبي المجد الشيخ الفقيه المتكلم النبيه علاء الدين أبو الحسن علي ابن أبي الفضل بن الحسن بن أبي المجد الحلبي ـ نور الله مرقده ـ وهو صاحب كتاب « إشارة السبق إلى معرفة الحق » في أصول الدين وفروعه إلى الآمر بالمعروف ، وتاريخ كتابة نسخته الموجودة عندي سنة ثمان وسبعمائة ، ويظهر من الأمارات أنها كانت عند صاحب « كشف اللثام » وأن هذا الكتاب هو الذي يعبر عنه فيه
[١]فرغ عن تأليف كتابه عام ٦٧٢ ه. ولا نعلم من ترجمته غير أنه تلميذ المحقق المتوفى عام ٦٧٦ ه.
بالإشارة[١].
٢ ـ وقال الخوانساري : أن « إشارة السبق إلى معرفة الحق » الذي يعبر عنه المتأخرون بالإشارة ، هو مختصر في أصول الدين وفروعه إلى باب الأمر بالمعروف فهو بنص الفاضل الهندي ، وصاحب الرياض وغير هما تصنيف الشيخ علاء الدين أبي الحسن بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي ، ثم نقل عبارة صاحب « مقابس الأنوار » التي تقدمت[٢].
٣ ـ وقال الشيخ حبيب الله الكاشاني : منهم علاء الدين وهو علي بن أبي الفضل بن الحسن بن أبي المجد الحلبي ، كان متكلما ومن مصنفاته كتاب « إشارة السبق »[٣].
٤ ـ قال شيخنا الطهراني : علي بن الحسن ابن أبي المجد الحلبي علاء الدين أبو الحسن مؤلف كتاب « إشارة السبق إلى معرفة الحق » المطبوع في مجموعة « الجوامع الفقهية » في ١٢٧٦ ه. قال صاحب المقابس : إن تاريخ كتابة النسخة الموجودة عنده ٧٠٨ ه وكنية والده أبو الفضل بن أبي المجد[٤].
٥ ـ وقال في الذريعة : « إشارة السبق إلى معرفة الحق » في أصول الدين وفروعه العبادية من الطهارة إلى آخر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، للشيخ
[١]مقابس الأنوار : ص ١٢ مؤسسة آل البيت ، قم.
[٢]روضات الجنات : ج ٢ ص ١١٤ ، وأوعزت إليه أيضا في ج ٤ ص ٣٥٦.
[٣]لباب الألقاب في ألقاب الأطياب : ٢١.
[٤]طبقات أعلام الشيعة النابس في القرن الخامس : ص ١١٩. وكان اللازم أن يذكره في قسم سادس القرون لا خامسها.
علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي. ترجمه سيدنا الحسن صدر الدين في التكملة[١]وذكر صاحب الروضات تصريح الفاضل الهندي ، وصاحب رياض العلماء بنسبة الكتاب إليه ، وذكر أن نسبته إلى الشيخ تقي الدين بن نجم الدين الحلبي كما وقعت عن بعض نشأت من الاشتراك في النسبة إلى حلب ، وقال الشيخ أسد الله في المقابس : إن النسخة الموجودة عندي من هذا الكتاب تاريخ كتابتها سنة ٧٠٨ ، وطبع ضمن مجموعة تسمى « الجوامع الفقهية » سنة ١٢٧٦ ه[٢].
والإمعان في الكتاب يورث الاطمئنان بأنه كان من فقهاء القرن السادس الذين نجموا بعد الشيخ الطوسي وعاصروا الشيخ الطبرسي ( م ٥٤٨ ه ) وعماد الدين محمد بن علي بن حمزة الطوسي المتوفى بعد سنة ٥٦٦ ه ، وقطب الدين الراوندي المتوفى عام ٥٧٣ ه ـ مؤلف « فقه القرآن » ، وقطب الدين محمد بن الحسن الكيدري البيهقي الذي كان حيا إلى سنة ٥٧٦ ه ، مؤلف كتاب « الإصباح » ، ورشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المتوفى عام ٥٨٨ ه. إلى غير ذلك من نوابغ القرن السادس الذي احتفل التأريخ ، وكتب التراجم بأسمائهم وأسماء كتبهم وتآليفهم.
والمؤلف من مدينة حلب الشهباء أكبر مدينة سورية بعد دمشق التي تبعد عن الحدود التركية قرابة خمسين كيلومترا ، وقد فتحها المسلمون سنة ١٦ ه ، وقد أنشأ سيف الدين الحمداني الدولة الحمدانية فيها وجعل عاصمتها حلب ودخلت مدينة حلب آنذاك في عهد جديد وهو عهد أمجادها التي لم تشهد لها مثيلا ،
[١]وهذا القسم من التكملة بعد مخطوط وأما المطبوع فيرجع إلى علماء جبل عامل.
[٢]الذريعة إلى تصانيف الشيعة : ج ٢ ص ٩٩.
وأصبحت مركزا ثقافيا وشعريا وعسكريا من أعظم المراكز التي عرفها الإسلام ، وقد وفد كبار الشعراء والعلماء على بلاط سيف الدولة فصار ملتقى رجال العلم والفكر الذين وجدوا في العاصمة حاميا لهم.
وينسب إلى حلب من رواة الشيعة الأقدمين آل أبي شعبة ، في أوساط المائة الثانية ، وهذا البيت بيت كبير نبغ فيه محدثون كبار ، منهم الحسن بن علي ( المعروف بابن شعبة ) من علماء القرن الرابع مؤلف « تحف العقول ».
وكان في حلب سادات آل زهرة وكانوا نقباء ، وخرج منهم جملة من العلماء منهم السيد أبو المكارم : صاحب « الغنية » وقبره بسفح جبل « جوشن » إلى اليوم ، وذرية بني زهرة موجودة إلى الآن في قرية الفوعة من قرى حلب[١].
وقد طلع من تلك المدينة في القرنين الرابع والخامس فحول من فقهاء الشيعة نذكر أسماء بعضهم :
١ ـ علي بن الحسن بن شعبة ، من أعلام القرن الرابع ، مؤلف « تحف العقول ».
٢ ـ أبو الصلاح تقي الدين ، مؤلف كتاب « الكافي » ( ٣٧٤ ـ ٤٤٧ ه ).
٣ ـ حمزة بن علي بن زهرة ( ٥١١ ـ ٥٨٥ ه ) صاحب غنية الزوع.
٤ ـ السيد جمال الدين أبو القاسم عبد الله بن علي بن حمزة ( ٥٣١ ـ ٥٨٠ ) أخو أبي المكارم حمزة بن علي.
إلى غيرهم من الفطاحل الأعلام الذين أنجبتهم تلك التربة الخصبة بالفكر والفضيلة.
[١]دائرة المعارف الشيعية : ج ٣ ص ١٧ ـ ٣٦.
الماع إلى كتاب إشارة السبق :
الكتاب مجموعة من المعارف والأحكام وقد بسط الكلام في الأول واختصر في الثاني ، فحرر أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وختم الكلام مشعرا بأنه قد فرغ عما قصده ، ويعرب أن الكتاب كان رسالة علمية للمؤلف وقد كتبه بصورة واضحة وإن كانت براهينه في المعارف مشرقة عالية لا يتحملها إلا الأمثل فالأمثل.
وقد بذل الشيخ الفاضل المحقق إبراهيم البهادري المراغي ( حفظه الله ورعاه ) جهودا في تحقيق نص الكتاب وعرضه على النسخ المختلفة وعلق عليه في موارد إما إيضاحا للمطلب ، أو إيعازا إلى المصدر.
وأما النسخ التي تم عمل التطبيق عليها فإليك بيانها :
١ ـ النسخة المطبوعة ضمن « الجوامع الفقهية » عام ١٢٧٦ ه ـ وجعلها الأصل الذي جرت عليها عملية التطبيق يرمز إليها بـ « ج ».
٢ ـ صورة فتوغرافية من نسخة المكتبة الرضوية في مشهد يرمز إليها بـ « أ ».
٣ ـ نسخة ناقصة من أولها وآخرها توجد في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ضمن مجموعة برقم ١٢٧٢ يرمز إليها بـ « م ».
٤ ـ سلسلة الينابيع الفقهية يرمز إليها بـ « س ».
٥ ـ نسخة خامسة توجد في مكتبة جامعة طهران أشار إليها في فهرس المكتبة ، الجزء الخامس الصفحة ١٧٧٦ برقم ٩٢٠ ولم يتوفق المحقق للاستفادة منها.