إلا بالشهوة والنفار ، ولولا ذلك ما التذ أحدنا بما يتألم به غيره وبالعكس من ذلك ، فإن المبرود يلذ له ما يؤلم المحرور من النار وغيرها من الحرارات.
وإذا كان جنس المستحق واحدا ، وما به يثبت[١]استحقاقه أيضا كذلك لم يعقل دخول التحابط فيه ، لأنه لا معنى له إلا التنافي الذي لا يدخل إلا في المتضادات ولا في المتجانسات[٢]، على أنه لو صح ـ وهيهات ـ لكان بين الموجودات والمستحق معدوم لم يوجد بعد ، فكيف يدخله الإحباط؟
[ الكلام في بطلان التكفير ][٣]
ولو جمع جامع بين الطاعة والمعصية على حد واحد ، لم يثبت له على رأي الوعيدية به استحقاق ، وكان بمنزلة من لم يطع ولم يعص ، لا له ولا عليه ، وهو ظاهر الفساد.
وإذا بطل التحابط فالتكفير أيضا باطل ، لأن صغائر الذنوب في استحقاق الذم والعقاب عليها ككبائرها ، وإذن زاد ما يستحق على الكبائر بالنسبة إلى ما يستحق على الصغائر ، ولأن إثبات الصغير مكفر[٤]لا وزر بها مبني على إثبات الكبيرة محبطة لا أجر معها ، فبطلانهما واحد.
ومسقط العقاب على الحقيقة عفو الله أما عند التوبة التي هي تذم التائب
[١]في « ج » : وما به ثبت.
[٢]في « ج » : « لا في المتجانسات » بدون الواو.
[٣]ما بين المعقوفتين منا.
[٤]هكذا في النسخ التي بأيدينا.
على ما مضى منه من القبيح وعلى أن لا يعود إلى مثله مستقبلا مع الخروج من حق ثبت في الذمة إن كان لله تعالى ، فبتلافيه وأدائه إن كان مما يؤدى ، وقضائه إن كان مما يقضى ، وإن كان لبعض العباد فبتأديته وفعل ما يجب في مثله.
وإذا صحت التوبة كانت مقبولة إجماعا ، وسقوط العقاب عندها تفضل من الله لا وجوبا ، لأنه لو وجب على وجه تكون هي المؤثرة في الإسقاط لم يكن له سبحانه بذلك تكرم ولا تمنن ولا اختيار ولا تمدح ، مع أن ذلك كله له بقبولها ، فيكون الوجوب من حيث استحال خلاف الوعد عليه تعالى لا من حيث كونها مؤثرة في إسقاط ما هو حق له.
وأما عند عفوه ابتداء ، والعقل شاهد بحسنه ، لأنه إذا كان العقاب حقا له لا حق فيه لغيره بل لا يسقط بإسقاطه حق الغير جرى حسن إسقاطه مجرى حسن إسقاط الدين ، وكان في الحسن أبلغ منه ، لكونه محضا ، وأكده أنه سبحانه لا ينتفع باستيفاء ولا يستضر بإسقاط ، ولا يناط بذلك شيء من وجوه القبح[١]، وحسن الإحسان مما تشهد به أوائل العقول ، والسمع دال على ثبوته ، ولا إغراء بذلك لما يقابله[٢].
وأما عند الشفاعة التي هي قبولها ، لا نزاع فيه ، كثبوتها ولا وجه لحقيقتها[٣]إذا كانت في زيادة المنافع للاستغناء عنها ، ولجواز العكس فيها بأن يعود الشفيع مشفوعا فيه ، فتكون حقيقة في إسقاط المضار ، وهو الذي يقتضيه العقل ، ويؤكده
[١]في « أ » : من وجوه القبيح.
[٢]في « ج » : لا يقابله.
[٣]في « ج » : فحقيقتها.
السمع ، ومع فقد جميع ذلك ، وخلو المرجئ له منه ، لا بد من انتهائه إلى الثواب الدائم بعد الاقتصاص منه[١]بالعقاب المنقطع كما بيناه.
والإيمان وإن كان في أصل الوضع عبارة عن التصديق إلا أنه يختص شرعا بتصديق ما يجب اعتقاده من وحدانية الله تعالى وعدله ونبوة أنبيائه وإمامة أوليائه ، وما يترتب على ذلك من تحليل حلاله وتحريم حرامه وبعثه ومعاده.
فالمؤمن هو المصدق المعتقد لذلك بقلبه لا المظهر له بلسانه من دون اعتبار اعتقاده ، فإن كانت موافقة باطنه لظاهرة في الصدق والإخلاص معلومة ، أما بكونه معصوما أو مشارا إليه بذلك ممن في إشارته الحجة ، فمدحه مطلق وإلا فهو مقيد ، وإن كان اعتقاده ذلك مستندا إلى معرفة تفصيلية فهو الغاية والإجزاء ما لا بد منه[٢]من علم الجملة ، وإن كان خاليا من الحجة على كل وجه واقعا على وجه المطابقة لمعتقده[٣]لا ببرهان[٤]قطعي وعلم يقيني ، بل بمجرد القبول والتسليم ، فهو الذي يسمى تقليدا إلا أن صاحبه مقلد لأهل الحق في حقهم ، فله بذلك مزية على مقلدي أهل الباطل في باطلهم ، وهو عند بعض علماء الطائفة مصيب في اعتقاده ، مخطىء في تقليده ، فيرتجى له من العفو ما يجرى لغيره من مستضعفي أهل الحق ، بناء على أنه لا وجه لتكفير أحد من الطائفة على أي حال كان.
والكفر وإن كان في الأصل الجحود المأخوذ من الستر والتغطية ، إلا أنه
[١]في « ج » : بعد الاختصاص.
[٢]في « أ » : ولا اجزائه ما لا بد منه.
[٣]في « أ » : وإن كان خاليا من الحجة على كل وجه المطابقة لمعتقده.
[٤]في « ج » : لا برهان.
اختص شرعا بجحود ما وجب التصديق به ، أو جحود ما لا يتم الإيمان إلا به ، فالجاحد لذلك هو الكافر الذي يجب إطلاق دمه ، وتجري عليه أحكام أهل الكفر والفسق ، وإن كان في الوضع الخروج ، إلا أنه اختص شرعا بالخروج من طاعة إلى معصية ، فالخارج بذلك مع صحة اعتقاده هو المؤمن الفاسق الذي قد بينا أحكامه ، لأنه لا منافاة بين ثبوت الإيمان ووقوع الفسق ، لصحة الجمع بين الطاعة والمعصية والحسنة والسيئة في وقت واحد من فاعل واحد ، كمن تصدق بيمينه وسرق بشماله ، أو سبح بلسانه ورأى محظورا بطرفه قصدا ، وقد أومأنا إلى ذلك متقدما.
وجميع ما أشرنا إليه من أحكام الإيمان والكفر معلومة مقطوع عليها بالسمع خاصة ، وهو إجماع الطائفة المحقة ، لخلو العقل من طريق يقطع به على كل واحد منهما.
[ الكلام في سؤال القبر ]
وسؤال القبر وما يتبعه ـ من نعيم أو عذاب ـ والبعث والنشور والموافقة والحساب والميزان والصراط وتطاير الكتب وشهادة الأعضاء والانتهاء بحسب الاستحقاق إلى جنة يختص نعيمها بالملاذ والمسار ، وإلى نار يختص عذابها بالإيلام والمضار وما يتبع ذلك ويترتب عليه ، حق يجب اعتقاده والقطع عليه ، لأنه مما لا يتم الإيمان إلا به وطريق العلم به إجماع الأمة والنصوص القرآنية والنبوية[١]ولا اعتداد بمخالفة من خالف في شيء منه ، لسبق الإجماع وتقدمه على خلافه.
[١]في « ج » : والنبوة.
والشكر يستحق على النعم المقصود بها جهات النفع ، فإن كان كمال المنعم بها معلوما وبلغت أعلى المبالغ ، كنعم الله ونعم أنبيائه وأوليائه ، كان شكرها مطلقا ، وإلا فهو مقيد ، وطريق العلم باستحقاقه ضرورة العقل ، لأنه من جملة علومه.
والعوض يستحق على الآلام لا على غيرها ، ويعلم وجوبه بوجوب الانتصاف الذي لا يتم إلا به ، وثبوت الآلام معلوم[١]بوجدانه وإدراكه ، والفرق بين حصوله وارتفاعه ، ولا يكاد يشتبه الأمر فيه على عاقل ، فإن كان من فعل الله تعالى فأما مبتدئ لا عن سبب ، والوجه فيه لطف بعض المكلفين ، أما المفعول به إن كان مكلفا أو غيره وبذلك ثبت الغرض به وانتفى العبث عنه ، ولا بد فيه من عوض زائد موف[٢]عليه ينغمر[٣]بالنسبة إليه في جانبه ، ويحسن لأجله تحمله ، وبذلك ثبت العدل به وانتفى الظلم عنه.
أو مسبب فأما في الدنيا ، وهو ما حصل عن تعريض المعرضين ، وحسنه معلوم بجريان العادة به ، وإن خرقها فيه لا لوجه ممتنع ، والعرض فيه على المعرض ، لأنه فاعل المسبب[٤]وأما في الآخرة فلا وجه له إلا الاستحقاق ، وهو المقتضي حسنه ، وإن كان من فعل غيره سبحانه ، فإما حسن وهو ما كان لاجتناب نفع حسن لا يجتلب إلا به ، أو دفع ضرر عظيم لا يندفع إلا به ، أو لمدافعة متعد[٥]غير مقصود إيلامه ، أو لإتباع أمر مشروع وإذن متبوع ، أو لإقامة
[١]في « ج » : وثبوت الألم معلوم.
[٢]في « ج » : « موقوف » بدل « موف ».
[٣]في « ا » : يتغمر.
[٤]في « ا » : فاعل السبب.
[٥]في « ج » : أو لمدافعة معتد.
حق وأداء مستحق ، فكل هذه الوجوه يحسن فيها الألم.
وإما قبيح وهو ما عداها مما لم يكن على وجه منها ، وهو الظلم الذي لا بد فيه من الانتصاف ، وعوضه على فاعله[١]جزء بجزء ، لاستحقاقه بمقدار المستحق عليه ، وكلما يصح حدوثه يصح التوقيت به ، لاستحالته بما لا يصح فيه ذلك.
ولا أجل للإنسان إلا واحد ، وهو الوقت الذي يحدث فيه عليه الحادث من موت أو قتل ، فكما أن أجل الموت وقت حصوله ، فكذلك أجل الوقت ، وبقاء المقتول لولا قتله وموته كلاهما بالنسبة إلى قادرية الله تعالى وحسن اختياره جائز ، ولا دلالة على القطع على أحدهما ، لاستحالة تعجيزه سبحانه ، والتعجيز عليه[٢]بقطع ما لا وجه للقطع به ، فيكون الوقف في ذلك مع تجويز[٣]كل واحد منهما كافيا في اعتقاد الحق الذي لا بد منه ، وما يصح انتفاع المنتفع به على وجه لا منع فيه عليه هو المسمى رزقا ، وبذلك خرج الحرام عن كونه كذلك ، ويعين أنه لا رزق إلا الحلال المطلق الذي به المدح ، ولاجتلابه توجه الأمر.
والسعر وإن كان عبارة عن تقدير البدل ، فقد يختلف بالغلاء تارة ، وبالرخص أخرى ، فإن كان من قبل الله سبحانه فهما من قبيل اللطف ، وعوض آلام الغلاء عليه خاصة ، وإن كانا من قبل العباد اما بالإكراه أو بفعل أسبابهما[٤]فعوض ما فيه العوض على من هو بسببه.
[١]هكذا في « ج » : وفي غيرها : وعرضه على فاعله.
[٢]في « أ » : والعجز عليه.
[٣]في « ج » : مع تجوز.
[٤]في « ج » : اما بالإكراه لا بفعل أسبابهما.
أما الكلام في ركن النبوة
فإن بعثة الأنبياء ممكنة ، لكونها مقدورة وحسنة ، لاستنادها إلى حكيم منزه عن كل قبيح ، لأنه لما بعثهم وصدقهم بإظهار المعجزات مع استحالة تصديقه الكذابين ، وإظهاره المعجزات لغير التصديق ، ثبت القطع على حسنها ، وربما كانت واجبة من حيث وجب الإعلام بالمصالح والمفاسد التي لا يمكن العلم بها والاطلاع على ما وجب منها فعلا وتركا إلا ببعثتهم ، فيكون الوجه فيها ظاهرا ، وهو إرشاد المكلفين إلى ما لا سبيل لهم إلى الاسترشاد إليه إلا بهم.
واللطف في الواجب واجب ، كما أنه في الندب ندب ، وعصمة الأنبياء مطلقة بالنسبة إلى جميع الأوقات ، وجميع ما منه العصمة واجبة ، لأنه لو جاز عليهم شيء من القبائح قدح في أدائهم وتبليغهم المقطوع على صدقهم فيه بظهور المعجز عليهم ، فكان لا يبقى لأحد طريق إلى العلم بصدقهم الذي لولا القطع عليه تعذر الوثوق بهم ، والقبول منهم ، وذلك مناف للغرض في بعثتهم الذي منافاته تنافي الحكمة ، وتناقضها ، فكما وجب تنزيههم عن الكذب في الأداء والتبليغ ليصح الرجوع إليهم والاقتداء بهم ، فكذلك وجب تنزيههم عن كل قبيح لا تسكن مع تجويزه النفوس إليهم ، لنفورها عنهم.
ولا يثبت ذلك التنزيه التام الذي لا يبقى للتنفر معه[١]وجه إلا بعصمتهم على الإطلاق ، وهو ما أردناه.
وبالعلم المعجز الظاهر على يديهم أو نص صادق يثبت القطع على
[١]في « ا » : للتنفير معه.
صدقهم. وشرط المعجز في دلالته على التصديق أن يكون متعذرا في جنسه أو صفته المخصوصة ، لكونه من فعل الله تعالى ، أو جار مجرى فعله[١]، لأن الدعوى عليه ، فما تصديها إلا إليه خارقا للعادة الجارية بين المبعوث إليهم ، لأن المعتاد لا إبانة به ولا دلالة فيه مطابقا لدعوى المدعى على وجه التصديق له ، لأن المتراخي لا قطع به على ذلك ، لتجويز[٢]دخول الحيلة فيه.
فإذا حصل على هذه الشروط دل على صدق من ظهر على يديه ، واختص به ، وسمي لذلك معجزا ، لأنه إذا وجب في حكمته سبحانه تصديق المدعى عليه ، من حيث كان صادقا عليه في دعواه ، وكان غاية تصديقه منه بالقول أن يقول : هذا صادق فيما ادعاه علي ، فكذلك إذا فعل له ما ذكرناه مما يقوم[٣]في تصديق ادعائه مقام قوله إنه صادق فيه ، ولا فرق في ذلك بين القول والفعل القائم في إقامة الحجة به مقامه ، كما لا فرق بين أن تكون الدعوى نبوة أو إمامة أو غير هما من مراتب الصلاح ، إذ وجه الحكمة في وجوب تصديق الجميع إذا تعلقت المصلحة به واحد ، فتجويزه في موضع والمنع منه في آخر لا وجه له.
ومشاهدة المعجز لمن يشاهده يقتضي علمه به ، وإلا فالخبر[٤]المتواتر فيه إذ ذاك يفيد العلم ، القطع به مع فقد مشاهدته ، ولا يتميز الخبر بكونه متواترا[٥]مفيدا ما ذكرناه ، إلا بأن يكون على شروطه التي هي كون مخبره في الأصل مشاهدا
[١]في « ا » : أو جاريا مجرى فعله.
[٢]في « ا » : لتجوز.
[٣]في « ج » : مما يقدم.
[٤]في « أ » : وإلا فالمخبر.
[٥]في « ج » : لكونه متواترا.