[ كتاب الصلاة ]
وأما ستر العورة فواجب مع التمكن.
والمستور إما رجل ، فالواجب عليه ستر قبله ودبره. ومن سرته إلى ركبتيه فضيلة وندب.
أو امرأة ، فإما حرة ، وكلها عورة ، فيجب عليها ستر جميع رأسها وبدنها إلا ما سمح فيه[١]من كشف بعض وجهها ، وصلاتها مخمرة[٢]، وكذا أطراف يديها وقدميها.
أو أمة ، وحكمها حكم الحرة إلا في جواز كشف رأسها ، فإنه لا بأس على الإماء في ذلك.
وما به الستر هو كل ما أمكن به من قطن أو كتان وخز خالص ، وما نسج معه حرير منها ، وما كان مذكا من جلود ما يؤكل لحمه من الحيوان أو صوفه أو شعره أو وبره.
فأما الحرير المحض ، وجلود الميتة ، أو ما لا يؤكل لحمه وإن ذكي ، وما عمل من وبر ثعلب أو أرنب ، أو غش به ، فلا يجوز اختيارا.
[١]في نسخة « فسح » ، وفي نسخة « سنح » ، والظاهر أن كليهما تصحيف سمح كما أثبتناه.
[٢]في « أ » : وصلاتها بخمرة.
ويعتبر في ملبوس الصلاة ، الطهارة من كل نجاسة خارجة عما قلنا إنه معفو عنه. وأن لا يكون مغصوبا ، بأن يكون ملكا أو مباحا ، وما لا تتم الصلاة فيه بانفراده منسوج فيه[١]إذا كانت فيه نجاسة ، واجتنابه أفضل.
وهل يجوز للنساء الصلاة في الحرير المحض أم لا؟ فيه رواية ، وكما يستحب صلاة المصلي في الثياب البياض القطن أو الكتان ، كذلك تكره في المصبوغ منها. وتتأكد في السواد والحمر ، وفي الملحم[٢]بذهب أو حرير.
وأما الوقت فمعتبر لكون الصلاة مشروطة به[٣]لا تصح قبل دخوله ، وإنما تصح بعد خروجه قضاء ، كما في وقتها تكون أداء.
فأول زوال الشمس بحيث تصير على الجانب الأيمن[٤]عند استقبال القبلة لرؤيتها ، هو أول وقت صلاة الظهر ، فإذا انقضى من ذلك الوقت بقدر ما تصلي فيه أو صليت فقد تعين أول وقت العصر ، ويمضي بمقدار أدائها. يمتد بعد ذلك الوقت مشتركا بين الصلاتين إلى أن يبقى للغروب مقدار أداء العصر ، فيختص بها لخروج وقت الظهر[٥]. ويفوت وقتها جملة بمضيه.
وزوال الحمرة المشرقية علامة غروب الشمس ، وهو أول وقت المغرب إلى أن يمضي منه مقدار أدائها أو أنها تؤدى فيه ، فيدخل أول وقت العشاء الآخرة.
[١]هكذا في « م » : وفي غيرها : مفسوخ فيه.
[٢]الملحم : جنس من الثياب. لسان العرب.
[٣]في « أ » : وأما الوقت فمعتبر الصلاة مشروطة به.
[٤]هكذا في « م » ولكن في غيرها : الحاجب الأيمن.
[٥]في « ا » : بخروج وقت الظهر.
وبمضي ما قلناه يشترك وقتهما إلى أن يبقى لنصف الليل قدر أداء العتمة فتختص بها ، ويكون آخر وقتها ، لفواتها بخروجه ، وتحلل البياض[١]الشرقي[٢]في أفق السماء ، وهو الفجر الثاني. وهو أول الوقت لصلاته ويمتد إلى أن يبقى لطلوع الشمس مقدار أداء الركعتين فيكون آخر وقت الغداة. لفواتها بطلوعها. وفضيلة أول الوقت عظيمة ، ولا إثم بفواته والإجزاء مجرد من الفضل بآخره.
ونوافل الظهر ووقتها الأول[٣]عند الزوال ، ويتسع إلى أن يبقى مقدار أربع ركعات لصيرورة ظل كل شيء مثله ، ونافلة العصر بعد صلاة الظهر في أول وقتها إلى أن يبقى كذلك لمصير ظل كل شيء مثله ، ما خلا يوم الجمعة ، فإن نوافلها كلها قبل الزوال[٤]، ونوافل المغرب عقيبها إلى حيث يزول الشفق المغربي. والوتيرة بعد العتمة ، ووقتها متسع.
ونوافل الليل ووقتها بعد انتصافه إلى ابتداء طلوع الفجر ، وبعد الفراغ منها ومن الشفع والوتر ، وقت الدساسة التي هي نافلة الفجر إلى ابتداء طلوع الحمرة المشرقية.
ولا يكره يوم الجمعة نافلة ، وإنما فيما عداه من الأيام يكره ابتدائها لا بسبب ، عند طلوع الشمس واستوائها ، وغروبها ، وبعد صلاتي الغداة والعصر ، فأما إن كان عن سبب كقضائها فلا كراهة.
[١]كذا في « م » : ولكن في غيرها : « وتخلل البياض ».
[٢]في « ا » : المشرقي.
[٣]في « م » : ونوافل الظهر وقتها الأول.
[٤]في « م » : « بعد الزوال » وهو تصحيف.
وأما القبلة فلوجوب التوجه إليها وجب اعتبارها ، فالمصلي إما داخل المسجد الحرام ، فتوجهه إلى الكعبة من أي جهة كان فيه ، أو خارجه مع كونه في الحرم[١]، فتوجهه إلى المسجد أولى من توجهه إلى الحرم[٢].
وأهل كل إقليم يتوجهون إلى ركن من الأركان الأربعة ، فالعراقيون إلى العراقي ، واليمانيون إلى اليماني ، والشاميون إلى الشامي ، والغربيون إلى الغربي.
ويلزم المتوجه[٣]إلى القبلة مصليا العلم واليقين بها مع المكنة منه ، فإن تعذر فعليه الظن ، فإن فاتاه جميعا فالحدس ، إلا أن العدول لا بحسب التعذر عن العلم إلى الظن أو عنه إلى الحدس لا يجوز ، فمن صلى لا على ما هو فرضه من كل واحد من هذه الأمور فلا صلاة له ولو أصاب الجهة.
وبفقد جميع ذلك[٤]وتعذر كل أمارة وعلامة يتوجه بالصلاة إلى أربع جهات ، أي الصلاة الواحدة يصليها أربع مرات ، إلى كل جهة مرة ، فإذا أخطأ الجهة ظانا أو حادسا وعلم ذلك والوقت باق أعاد الصلاة ، ولا إعادة عليه إن كان قد خرج إلا مع استدبار القبلة فإنه لا بد من الإعادة على كل حال.
وأما عدد الركعات ، ففرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة للمقيم ومن هو في حكمه ، الظهر أربع ركعات وكذا العصر ، والمغرب ثلاث ، والعشاء الآخرة أربع ، والفجر ركعتان ، وللمسافر ومن في حكمه إحدى عشرة ركعة ، تسقط عنه
[١]في « ا » : أو خارجا مع كونه في الحرم.
[٢]هذا ما رقمناه. ولكن في النسخ التي بأيدينا : « فتوجهه إلى المسجد أولى فتوجهه إلى الحرم ».
[٣]في « أ » : ويلزم التوجه.
[٤]هكذا في « م » ولكن في غيرها : « ويعتقد جميع ذلك » وهو تصحيف.
من كل رباعية ركعتان.
والذي يلزمه التقصير كل مسافر كان سفره إما طاعة أو مباحا بلغ بريدين فصاعدا. وهما ثمانية فراسخ ، أربعة وعشرون ميلا ، لأن الفرسخ ثلاثة أميال. والميل ثلاثة ألف ذراع. أو كانت مسافته بريدا ورجع ليومه ، ولا ينوي الإقامة في البلد الذي يأتيه عشرة أيام ، ولا كان حضره أقل من سفره ، فمتى تكملت للمسافر هذه الشروط ، وتمم عن قصد ، وعلم بوجوب التقصير عليه ، فلا صلاة له ، وإن كان عن جهل أو سهو أعاد مع بقاء الوقت تقصيرا ، لا مع خروجه.
ومن عاده من المسافرين ، حكم سفره في الإتمام كحضره ، وهو المسافر في معصية أو لعب أو صيد لا تدعه الحاجة إليه ، أو الذي سفره أزيد من حضره ، كالجمال والبدوي والمكاري والملاح والبريد والعازم على الإقامة عشرا في البلد الذي يدخله ، ومن لا يبلغ سفره تلك المسافة.
وبداية التقصير إذا توارى عن جدران بلده ، وإذا لم يسمع[١]صوت الأذان من مصره.
وعدد نوافل اليوم والليلة للحاضر ومن هو في حكمه أربع وثلاثون ركعة ، وللمسافر سبع عشرة ركعة ، نوافل الظهر ثمان ركعات قبلها ، ونوافل العصر مثلها[٢]، وكلها ساقطة عن المسافر ، ونوافل المغرب أربع ركعات بعدها في الحضر والسفر ، والوتيرة نافلة العشاء الآخرة ركعتان بعدها من جلوس ، تحسب ركعة حضرا لا سفرا.
[١]في « م » : أو إذا لم يسمع.
[٢]في « م » : « ثمان مثلها ».
ونوافل الليل وما بعدها من الشفع والوتر المفردة ونافلة الفجر ثلاث عشرة ركعة حضرا وسفرا ، ويزاد على الستة عشر نوافل النهار يوم الجمعة خاصة أربع ركعات ، تمام عشرين ركعة يصلي قبل الزوال أداء ، وبعده قضاء ، فإن أمكن[١]يرتبها بصلاة ، ست منها في أول النهار وست بعد ارتفاعه ، وست قبل الزوال وركعتين في ابتدائه كان الأفضل ، وإلا صليت جملة قبل الزوال.
وأما مكان الصلاة فتعتبر فيه الملكية والإباحة والطهارة من متعدي النجاسة ، لأن يابسها لا بأس بالوقوف عليه ، وإن كان الأفضل خلافه ، غير أن مواضع العبادة يتفاضل بعضها على بعض في المثوبة والاستحباب ، فأفضلها المسجد الحرام ، ومسجد الرسول ، ومشهد كل إمام من الأئمة ـعليهمالسلامـ ، والمسجد الأقصى ثم المسجد الجامع ومسجد الدرب أو القبيلة ، ثم السوق بعدها ثم صلاة الإنسان في بيته.
وهي في المكان المغصوب باطلة ، ومكروهة في البيع وبيوت النيران[٢]ومعابد الضلال ، والمزابل ، والحمامات ، ومواطن الإبل ، ومرابض البقر والغنم ومرابض الخيل والحمير ، ومذابح الأنعام ، وبين القبور ، وعلى البسط المصورة ، والأرض السبخة ، ومثاوي[٣]النمل ، وجواد الطرق[٤]، وذات الصلاصل ،
[١]في « ج » : فإن أمكنها.
[٢]قال في المدارك : المراد ببيوت النيران : ما أعدت لإضرام النار فيها عادة ، كالفرن والآتون وإن لم تكن مواضع عبادتها. والأصلح اختصاص الكراهة بمواضع عبادة النيران لأنها ليست موضع رحمة فلا تصلح لعبادة الله تعالى. مدارك الأحكام ٣ ـ ٢٣٢.
[٣]المثوى : المنزل. والجمع مثاوي. مجمع البحرين.
[٤]قال في المدارك : جواد الطرق : هي العظمى منها ، وهي التي يكثر سلوكها. مدارك الأحكام ٣ ـ ٢٣٣.
والشقرة ، والبيداء ، ووادي ضجنان[١]ورأس الوادي وبطنه.
وأما موضع السجود بالجبهة فشرطه الطهارة من كل نجاسة متعدية ويابسة ، وأن يكون مما لا يؤكل ولا يلبس في العادة ملكا أو مباحا ، فأما ما يؤكل لا معتادا بل نادرا ، أو كان مما يصح استعماله على وجهه ، كالورد والبنفسج فلا بأس بالسجود عليه.
ولا ينبغي السجود على المعادن أو ما كان منها ، ولا على ما قلبته النار ، كالكأس والخزف والجص وشبهه ، وأفضله على التربة الحسينية.
[١]في الجواهر : قيل : إن ذات الصلاصل اسم الموضع الذي أهلك الله فيه نمرود ، وضجنان واد أهلك الله فيه قوم لوط.
و « البيداء » : وهي التي يأتي إليها جيش السفياني قاصدا مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلمفيخسف الله به تلك الأرض.
وفي خبر ابن المغيرة المروي عن كتاب الخرائج والجرائح : « نزل أبو جعفر ـعليهالسلامـ في ضجنان فسمعناه يقول ثلاث مرات : لا غفر الله لك ، فقال له أبي : لمن تقول جعلت فداك؟ قال :
مر بي الشامي لعنه الله يجر سلسلته التي في عنقه وقد دلع لسانه يسألني أن أستغفر له ، فقلت له :
لا غفر الله لك ».
وعن عبد الملك القمي : سمعت أبا عبد الله ـعليهالسلامـ يقول : بينا أنا وأبي متوجهان إلى مكة من المدينة فتقدم أبي في موضع يقال له « ضجنان » إذ جاءني رجل في عنقه سلسلة يجرها فأقبل علي فقال : اسقني ، فسمعه أبي فصاح بي وقال : لا تسقه لا سقاه الله تعالى ، فإذا رجل يتبعه حتى جذب سلسلته وطرحه على وجهه في أسفل درك الجحيم ، فقال أبي : هذا الشامي لعنه الله تعالى.
والمراد به على الظاهر معاوية صاحب السلسلة التي ذكرها الله تعالى في سورة الحاقة.
أنظر جواهر الكلام ٨ ـ ٣٤٩. والوسائل ٣ ـ ٤٥٠ ، الباب ٣٣ و ٣٤ من أبواب مكان المصلي.
وقال في مجمع البحرين : في الحديث نهي عن الصلاة في وادي شقرة ـ وهو بضم الشين وسكون القاف. وقيل بفتح الشين وكسر القاف ـ : موضع معروف في طريق مكة. قيل : إنه والبيداء وضجنان وذات الصلاصل مواضع خسف وأنها من المواضع المغضوب عليها.
فأما ما هو سنة من مقدمات الصلاة ، فالأذان وهو ثمانية عشر فصلا ، أربع تكبيرات في أوله ، وشهادة الإخلاص وشهادة النبوة ، والدعاء إلى الصلاة ، ثم إلى الفلاح ، ثم إلى خير العمل مرتان مرتان ، وتكبيرتان وتهليلتان.
وتسقط في الإقامة من ذلك ، تكبيرتان أولا ، وتهليلة آخرا ، ويزاد بعد دعائه : خير العمل : « قد قامت الصلاة » مرتان ، فيكون سبعة عشر فصلا ، جملتها خمسة وثلاثون فصلا ، إلا أنهما سنة للمنفرد لا للمصلي جمعة أو جماعة ، لوجوبهما إذ ذاك وشرطهما الترتيب ودخول الوقت وأن لا يزادا ولا ينقصا عما قلناه.
وفضيلتهما الطهارة والقيام والتوجه إلى القبلة ، وترتيل الأذان وحدر[١]الإقامة ، والوقوف على آخر فصولهما ، والفصل بينهما إما بسجدة ودعاء ، أو جلسة أو خطوة.
وتجنب الكلام في خلالهما ، والإتيان بما لا يجوز مثله في الصلاة ويتأكد ذلك في الإقامة ، لأنها آكد من الأذان ، وهما فيما يجهر بالقراءة فيه آكد منها فيما يخافت فيه.
وما يتعلق بالصلاة من الكيفية ، إما أن يرجع إلى الخمس المرتبة ، أو إلى ما عداها من الصلوات[٢]المفروضة عن سبب.
فما يخص المرتبة إما أن يرجع إلى صلاة المختار ، أو المضطر ، وكلاهما إما أن يرجع إلى المفرد ، أو إلى الجامع. فما يتعلق بالمختار المفرد إما فرض فركن[٣]، وهو قيامه مع تمكنه ، وتوجهه إلى القبلة مع تيقنه ، والنية بشروطها ، وتكبيرة الإحرام
[١]حدر الرجل الإقامة ـ من باب قتل ـ : أسرع. المصباح المنير.
[٢]في « ج » : من الصلاة.
[٣]هكذا في « م » : ولكن في غيرها : « وركن ».