التعارض هو في الاصطلاح عبارة عن تنافى دليلين أو أكثر بحيث يتحير العرف في العمل بهما وكيفية الجمع بينهما.
وهل المراد تنافيهما بحسب المدلول فيكون التنافي حقيقة وصفا للمعنيين ويكون اتصاف نفس الدليلين به بالعرض والمجاز، كاتصاف اللفظ بالكلية والجزئية ولذا عرفه بعض بأنه تنافى مدلولي دليلين؟
أو المراد تنافيهما بحسب الدلالة والظهور فيكون التنافي في الحقيقة وصفا للدلالة والظهور ويكون اتصاف المعنى به مجازيا، ولذا عرفه في الكفاية بأنه تنافى الدليلين في مقام الدلالة والا ثبات، قولان أظهرهما الثاني.
تنبيهات:
الأول: يظهر من الكفاية ان الثمرة بين الوجهين تظهر في شمول التعريف لموارد الجمع العرفي كالعام مع الخاص والمطلق مع المقيد وعدم شموله، فإذا ورد أكرم العلماء وورد أيضا لا تكرم فساقهم، فان لوحظ المعنيان بالخصوص كوجوب اكرام
جميع العلماء وعدم وجوب اكرام بعضهم فهما متنافيان لمنافاة الموجبة الكلية مع السالبة الجزئية، وان لوحظ الدلالتان والظهور ان فلا تنافى بينهما إذ أهل العرف لا يرونهما متعارضين ويتصرفون في العام بما يوافق الخاص.
الثاني: ان التنافي اما أن يكون على وجه التناقض أو على وجه التضاد وعلى التقديرين اما أن يكون حقيقيا أو عرضيا فهنا أمثلة أربعة:
الأول: التناقض الحقيقي كما إذا ورد يجب اكرام العالم وورد أيضا لا يجب اكرام العالم، فان عدم الوجوب نقيض للوجوب.
الثاني: التناقض عرضا كما إذا ورد يجب اكرام زيد وورد لا يجب اكرام عمرو مع العلم الاجمالي بكذب أحد الخبرين فهما متناقضان بسبب العلم الاجمالي.
الثالث: التضاد الحقيقي كما إذا ورد يجب اكرام زيد وورد أيضا يحرم اكرام زيد فالوجوب والحرمة متضادان لكونهما وجوديين.
الرابع: التضاد العرضي كما إذا ورد يجب اكرام زيد وورد أيضا يحرم اكرام عمرو، مع العلم الاجمالي بكذب أحدهما.
الثالث: انه قد ظهر مما ذكرنا أنه لا تعارض بين الوارد والمورود والحاكم والمحكوم والعام والخاص والمطلق والمقيد ونحوها فان العرف لا يتحيرون فيها في مقام العمل.
الحجة هي في اللغة البرهان وعرفها اهل الميزان بأنها تصديقات معلومة موصلة إلى تصديق مجهول وهذا التعريف ينطبق على مجموع الصغرى والكبرى في قولك العالم متغير وكل متغير حادث.
وعرفها اهل المعقول بأنها الوسط المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى وهذا ينطبق على خصوص التغير في المثال المتقدم.
وعرفها الأصوليون بأنها ما يوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري وهذا أيضا ينطبق على التغير في المثال وصحيح النظر فيه لحاظه محمولا على العالم وموضوعا للحادث.
ثم إنه لا يبعد أن يكون مراد الجميع معنا واحدا هو العلم بالصغرى والكبرى إذ لا اشكال في أن الحجة عندهم سبب العلم وسبب العلم بالنتيجة علمان علم بالصغرى وعلم بالكبرى وتعريف اهل الميزان ظاهر الانطباق عليه واشتراط كون الوسط محمولا في الصغرى وموضوعا في الكبرى في تعريف اهل المعقول وكذا اشتراط صحيح النظر في تعريف اهل الأصول معناه تأليف قياس تام فهما أيضا يرجعان إلى ذلك المعنى الواحد.
وعرفها الشيخ (ره) في رسائله بأنها ما يقع وسطا لاثبات احكام متعلقه وهذا يغاير تلك التعاريف في موارد يأتي الإشارة إليها في تنبيه المسألة.
تنبيهان:
الأول: في صحة اطلاق الحجة على القطع فنقول الأظهر عدم الصحة في الطريقي المحض والصحة في الموضوعي، فاطلاقها على الطريقي بالنسبة إلى الحكم الذي تعلق به غير صحيح على جميع التعاريف إذ الحجة كما عرفت علمان بنسبتين يستلزمان علما ثالثا بنسبة ثالثة، والقطع بحرمة الخمر أو وجوب الجمعة علم واحد بنسبة واحدة فكيف يكون حجة، وبتعبير آخر الحجة ما يوصلك إلى هذا العلم لا نفسه فلو كان هنا علمان آخر ان كانا سببا لحصول هذا العلم لصح اطلاق الحجة عليهما، نعم يطلق عليه الحجة بالنسبة إلى حكم العقل بوجوب الاتباع والجري العملي على وفق القطع، مثلا إذا قطعت بخمرية مايع صح ان تقول هذا ما قطعت بخمريته وكل ما قطعت بخمريته فهو لازم الترك عقلا ولا يصح ان تقول هذا ما قطعت بخمريته وكل ما قطعت بخمريته فهو حرام شرعا والا لزم كون القطع موضوعا كما أنه موضوع بالنسبة إلى الحكم العقلي.
هذا بالنسبة إلى الطريقي واما الموضوعي فلا مانع من اطلاقها عليه بناء على تلك التعاريف، واما على تعريف الشيخ فلا يطلق عليه أيضا لكون الحجة عنده ما يكون وسطا لاثبات الاحكام المترتبة على المتعلق مع قطع النظر عن تعلق القطع به والحكم في الموضوعي ليس كذلك بل ثابت مع اخذ القطع فيه.
ففي القطع بموضوع بلا حكم إذا وقع في موضوع حكم كما إذا رتب الحرمة شرعا على ما علم كونه عصيرا تقول هذا ما قطعت بكونه عصيرا وكل ما كان كذلك فهو حرام فالقياس صحيح على تلك التعاريف وقطعك حجة بالنسبة إلى اثبات ذلك الحكم، واما على قول الشيخ فلا يصح اطلاقها عليه اصطلاحا لعدم ترتب حكم على المتعلق نفسه، وفى صورة القطع بالحكم أو بموضوع ذي حكم كما إذا وقع القطع
بوجوب الجمعة أو بخمرية شئ موضوعا لوجوب التصدق مثلا تقول: قطعت بوجوب الجمعة أو بخمرية هذا المايع وكلما قطعت بهما وجب التصدق، فهنا حكمان حكم تعلق القطع به أو بموضوعه وحكم تعلق بالقطع والقطع بالنسبة إلى الأول طريقي لا يطلق عليه الحجة على جميع الأقوال وبالنسبة إلى الثاني موضوعي حجة عند غير الشيخ وليس بحجة عنده.
الثاني: في صحة اطلاق الحجة على الامارات.
وبيانه: انه ان قلنا فيها بالسببية وانها سبب لحدوث حكم ظاهري على وفقها ففي مورد قيام الامارة على وجوب الجمعة مثلا يتصور هنا حكمان واقعي تحكى عنه الامارة وظاهري يتولد منها، فيطلق عليها الحجة بالنسبة إلى الظاهري فيقال صلاة الجمعة مما قامت الامارة على وجوبها في الواقع وكلما كان كذلك فهو واجب ظاهرا، ولعل نظر الشيخ (قده) من كونها وسطا لاثبات احكام متعلقاتها هو هذه الأحكام الظاهرية، واما بالنسبة إلى الحكم الواقعي فهي كالقطع لا يطلق عليها اسم الحجة إذ لا يصح ان يقال وكل ما قامت الامارة على وجوبه فهو واجب واقعا.
وان قلنا فيها بالطريقية وان اثرها تنجيز الواقع إذا أصاب والعذر إذا أخطأ من دون جعل حكم تكليفي في موردها فهي نظير القطع بعينه ولا تسمى حجة إذ لا يصح ان يقال وكل ما قامت الامارة على وجوبه فهو واجب واقعا ولا ان يقال فهو واجب ظاهرا والكبرى على كلا التقديرين باطلة، نعم بعد جعل الشارع طريقيتها حيث يعلم بتنجز الواقع على فرض وجوده يحكم العقل بمتابعتها مطلقا حذرا من مخالفة الواقع وتكون الامارة موضوعا لهذا الحكم العقلي ويصح اطلاق الحجة عليها بالنسبة إليه فيقال هذا ما قامت الامارة على حرمته وكلما كان كذلك فهو لازم الترك عند العقل فهذا لازم الترك عقلا فالامارة وسط لاثبات الحكم العقلي.
الحقيقة والمجاز اما الحقيقة: فهو اللفظ المستعمل فيما وضع له، وتنقسم إلى الشرعية واللغوية والعرفية.
اما الأولى: فهو اللفظ الذي كان وضعه بيد الشارع وثابتا من قبله.
فإذا ثبت ان الشارع وضع لفظا لمعنى كلفظ الصلاة للهيئة المعهودة والصوم للامساك المعلوم والزكاة للصدقة المعروفة اما بتنصيصه باني وضعت هذه الألفاظ لهذه المعاني أو باستعماله لها في تلك المعاني مجازا ثم صيرورتها حقيقة بكثرة الاستعمال، يقال ان هذه الألفاظ حقيقة شرعية في هذه المعاني والحقيقة الشرعية فيها ثابتة وإذا لم يثبت وضعه لها بأحد النحوين يقال إنه لم يثبت الحقيقة الشرعية في هذه الألفاظ بالنسبة إلى هذه المعاني.
وتظهر ثمرة النزاع فيما إذا وقعت الألفاظ المذكورة في كلام الشارع موضوعا لحكم فقال مثلا يجب الصلاة عند رؤية الهلال من كل شهر فعلى القول بثبوت الحقيقة الشرعية فيها كان الواجب هو الصلاة بمعنى الأركان المخصوصة والا كان الواجب هو معناها اللغوي أعني مطلق الدعاء.
واما الثانية: أعني الحقيقة اللغوية فهو ما كان وضعه بيد واضع اللغة كالحجر
والشجر.
واما الثالثة: أي الحقيقة العرفية فهو ما كان وضعه بيد أهل العرف كالسيارة والطيارة.
واما المجاز: فهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ويقسم تارة إلى المجاز في الكلمة والى المجاز في الاسناد والى المجاز في الحذف.
اما الأول: فان كانت العلاقة بين المعنى الحقيقي والمستعمل فيه هي المشابهة فاستعارة.
والا فمجاز مرسل وأقسامه كثيرة تنشأ من كثرة العلائق الملحوظة في الاستعمال المجازى.
فمنها: تسمية الشئ باسم جزئه كاطلاق العين على الربيئة.
ومنها: عكسه كقوله تعالى " يجعلون أصابعهم في آذانهم " على ما قيل.
ومنها: تسمية الشئ باسم سببه كاطلاق العقد على البيع.
ومنها: تسمية السبب باسم مسببه كقولهم أمطرت السماء نباتا أي غيثا.
ومنها: تسمية الشئ باسم ما كان كاطلاق الحاج على الراجع عن سفر الحج.
ومنها: تسمية الشئ باسم ما يكون كقوله تعالى: " انى أراني اعصر خمرا ".
ومنها: تسمية الشئ باسم محله كقوله تعالى: " فليدع نادية " والمراد اهل المجلس.
ومنها: تسمية الشئ باسم حاله كقوله تعالى: " واما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله " أي الجنة كما قيل.
ومنها: تسمية الشئ باسم آلته كقوله تعالى: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " أي ذكرا حسنا.
واما المجاز في الاسناد فكقولهم جرى الميزاب وقوله " صلى الله عليه وآله ": " رفع عن أمتي الخطاء والنسيان " إذ الاسناد الحقيقي هو اسناد الجرى إلى الماء واسناد الرفع إلى حكم الفعل الصادر خطاء أو نسيانا لا إلى نفس الخطاء. واما المجاز في الحذف فكقوله تعالى: " واسأل القرية " اي اهل القرية بناء على كون القرية بمعنى الضيعة أو المصر لا بمعنى الناس والمجتمع.
تنبيه:
استعمال اللفظ في المعنى المجازى في مجاز اللفظ والاسناد والحذف، لا يحتاج إلى ترخيص الواضع وتعيينه المعاني المجازية أو العلائق المجوزة للاستعمال، بل هو مستند إلى توافق النفوس واستحسان الطباع، وذهب بعض اهل الأدب إلى وجود وضع للمجازات أيضا كالحقايق وأشرنا إليه في آخر عنوان الوضع فراجع.
ويقسم المجاز بتقسيم آخر إلى مجاز متعارف ومجاز راجح ومجاز مشهور.
فالأول: واضح ومنه أغلب المجازات المتداولة.
والثاني: هو المجاز الذي كان استعمال اللفظ فيه أكثر من سائر المعاني المجازية، سواء أكان أقل من المعنى الحقيقي أم كان مساويا له. كما في استعمال الأسد في الرجل الشجاع أكثر من الأبخر; واستعمال الامر في الندب أكثر من الإباحة على قول المشهور.
والثالث: هو الذي كان الاستعمال فيه أكثر من المعنى الحقيقي; كما ادعاه صاحب المعالم في صيغة الامر المستعملة في الاستحباب، وهذا القسم هو الذي اختلفوا فيه في أن اللفظ مع خلوه عن القرينة هل يحمل عليه أو على المعنى الحقيقي أو يتوقف فذهب إلى كل وجه فريق.