الحقيقة والمجاز اما الحقيقة: فهو اللفظ المستعمل فيما وضع له، وتنقسم إلى الشرعية واللغوية والعرفية.
اما الأولى: فهو اللفظ الذي كان وضعه بيد الشارع وثابتا من قبله.
فإذا ثبت ان الشارع وضع لفظا لمعنى كلفظ الصلاة للهيئة المعهودة والصوم للامساك المعلوم والزكاة للصدقة المعروفة اما بتنصيصه باني وضعت هذه الألفاظ لهذه المعاني أو باستعماله لها في تلك المعاني مجازا ثم صيرورتها حقيقة بكثرة الاستعمال، يقال ان هذه الألفاظ حقيقة شرعية في هذه المعاني والحقيقة الشرعية فيها ثابتة وإذا لم يثبت وضعه لها بأحد النحوين يقال إنه لم يثبت الحقيقة الشرعية في هذه الألفاظ بالنسبة إلى هذه المعاني.
وتظهر ثمرة النزاع فيما إذا وقعت الألفاظ المذكورة في كلام الشارع موضوعا لحكم فقال مثلا يجب الصلاة عند رؤية الهلال من كل شهر فعلى القول بثبوت الحقيقة الشرعية فيها كان الواجب هو الصلاة بمعنى الأركان المخصوصة والا كان الواجب هو معناها اللغوي أعني مطلق الدعاء.
واما الثانية: أعني الحقيقة اللغوية فهو ما كان وضعه بيد واضع اللغة كالحجر
والشجر.
واما الثالثة: أي الحقيقة العرفية فهو ما كان وضعه بيد أهل العرف كالسيارة والطيارة.
واما المجاز: فهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ويقسم تارة إلى المجاز في الكلمة والى المجاز في الاسناد والى المجاز في الحذف.
اما الأول: فان كانت العلاقة بين المعنى الحقيقي والمستعمل فيه هي المشابهة فاستعارة.
والا فمجاز مرسل وأقسامه كثيرة تنشأ من كثرة العلائق الملحوظة في الاستعمال المجازى.
فمنها: تسمية الشئ باسم جزئه كاطلاق العين على الربيئة.
ومنها: عكسه كقوله تعالى " يجعلون أصابعهم في آذانهم " على ما قيل.
ومنها: تسمية الشئ باسم سببه كاطلاق العقد على البيع.
ومنها: تسمية السبب باسم مسببه كقولهم أمطرت السماء نباتا أي غيثا.
ومنها: تسمية الشئ باسم ما كان كاطلاق الحاج على الراجع عن سفر الحج.
ومنها: تسمية الشئ باسم ما يكون كقوله تعالى: " انى أراني اعصر خمرا ".
ومنها: تسمية الشئ باسم محله كقوله تعالى: " فليدع نادية " والمراد اهل المجلس.
ومنها: تسمية الشئ باسم حاله كقوله تعالى: " واما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله " أي الجنة كما قيل.
ومنها: تسمية الشئ باسم آلته كقوله تعالى: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " أي ذكرا حسنا.
واما المجاز في الاسناد فكقولهم جرى الميزاب وقوله " صلى الله عليه وآله ": " رفع عن أمتي الخطاء والنسيان " إذ الاسناد الحقيقي هو اسناد الجرى إلى الماء واسناد الرفع إلى حكم الفعل الصادر خطاء أو نسيانا لا إلى نفس الخطاء. واما المجاز في الحذف فكقوله تعالى: " واسأل القرية " اي اهل القرية بناء على كون القرية بمعنى الضيعة أو المصر لا بمعنى الناس والمجتمع.
تنبيه:
استعمال اللفظ في المعنى المجازى في مجاز اللفظ والاسناد والحذف، لا يحتاج إلى ترخيص الواضع وتعيينه المعاني المجازية أو العلائق المجوزة للاستعمال، بل هو مستند إلى توافق النفوس واستحسان الطباع، وذهب بعض اهل الأدب إلى وجود وضع للمجازات أيضا كالحقايق وأشرنا إليه في آخر عنوان الوضع فراجع.
ويقسم المجاز بتقسيم آخر إلى مجاز متعارف ومجاز راجح ومجاز مشهور.
فالأول: واضح ومنه أغلب المجازات المتداولة.
والثاني: هو المجاز الذي كان استعمال اللفظ فيه أكثر من سائر المعاني المجازية، سواء أكان أقل من المعنى الحقيقي أم كان مساويا له. كما في استعمال الأسد في الرجل الشجاع أكثر من الأبخر; واستعمال الامر في الندب أكثر من الإباحة على قول المشهور.
والثالث: هو الذي كان الاستعمال فيه أكثر من المعنى الحقيقي; كما ادعاه صاحب المعالم في صيغة الامر المستعملة في الاستحباب، وهذا القسم هو الذي اختلفوا فيه في أن اللفظ مع خلوه عن القرينة هل يحمل عليه أو على المعنى الحقيقي أو يتوقف فذهب إلى كل وجه فريق.
الحكم وقسموه بتقسيمات:
الأول: تقسيمه إلى الحكم التكليفي والحكم الوضعي.
فالأول: هو الانشاء الصادر بداعي البعث أو الزجر أو الترخيص وتسميته بالتكليفي لان فيه بحسب غالب مصاديقه كلفة ومشقة على المأمور ويقسم إلى أقسام خمسة تسمى بالأحكام الخمسة التكليفية، وهي الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة والإباحة، ومنشأ التقسيم هو ان فعل المكلف اما أن يكون ذا مصلحة خالصة بلا شوب مفسدة خالصة بلا وجود مصلحة أو يكون خاليا عنهما ليس فيه أحد الامرين، وعلى الأولين اما ان تكون المصلحة أو المفسدة شديدة ملزمة أو ضعيفة غير ملزمة فهذه أقسام خمسة يتولد منها الأحكام الخمسة المذكورة.
ثم إنه بقي قسم آخر من فعل المكلف وهو ما يوجد فيه المصلحة والمفسدة كلتاهما، وحينئذ اما ان يغلب فيه جانب المصلحة أو جانب المفسدة أو يتساويان وعلى الأولين اما أن يكون المقدار الغالب كثيرا ملزما أو قليلا غير ملزم فهذه أقسام خمسة اخر يتولد منها أيضا احكام خمسة.
فأقسام الأفعال عشرة واحكامها خمسة وهذا كله مبنى على كون الاحكام
التكليفية معلولة للملاكات الموجودة في متعلقاتها واما بناءا على أن انشائها وجعلها لملاك في نفس الجعل كما ذهب إليه البعض فاللازم ملاحظة تلك الصور العشر في نفس الجعل.
بقي هنا شئ وهو ان الإباحة كما تكون لعدم المصلحة والمفسدة في الفعل أو لتساويهما فيه كذلك قد تكون مع المصلحة الملزمة أو المفسدة الملزمة ولكن مع وجود مانع عن الالزام بالفعل أو الترك أو وجود المقتضى للترخيص والإباحة اللااقتضائية وعلى القسم الثاني الإباحة الاقتضائية.
والثاني: أي الحكم الوضعي كل حكم مجعول منشأ لم يكن بحكم تكليفي كالملكية والزوجية ونحوهما مما يأتي مفصلا وتسميته بالحكم الوضعي لكونه غالبا موضوعا للحكم التكليفي.
تنبيه: في قابلية الحكم الوضعي للجعل وعدمها أقوال:
أحدها: انه قابل للجعل والانشاء استقلالا بجميع أقسامه كالحكم التكليفي.
ثانيها: انه غير قابل له مطلقا بل يكون دائما منتزعا عن الحكم التكليفي الموجود في مورده، فإذا قال الشارع يجوز شرب الماء أو يجب الاجتناب عن البول أو قال إذا أنشأ عقد البيع جاز تصرف البايع في الثمن والمشترى في المبيع أو إذا انشاء عقد النكاح جاز لكل من الطرفين الاستمتاع من الآخر أو إذا اخذت مال الغير بغير رضاه وجب عليك رد عينه أو بدله أو نحو ذلك، انتزع من جواز شرب الماء طهارته ومن وجوب الاجتناب عن البول نجاسته ومن جواز تصرف كل من البايع والمشترى ملكيته لما انتقل إليه ومن جواز استمتاع طرفي النكاح الزوجية ومن وجوب الرد الضمان.
ثالثها: التفصيل بين مصاديقه وان بعضها قابل للجعل بالاستقلال وبعضها قابل للانتزاع عن التكليف وبعضها لا يقبل هذا ولا ذاك فلا يمكن جعله استقلالا كما لا
يمكن انتزاعه عن الحكم التكليفي.
فالأول: أي ما يمكن جعله استقلالا وايجاده باللفظ أصالة، كالملكية والزوجية والحجية والقضاوة والنيابة والحرية والرقية ونحوها، فالشارع بقوله من حاز شيئا من المباحات أو استرق أحدا من الكفار فهو له; انشاء وجعل ملكية المال والشخص الأسير للآخذ وبقوله صدق العادل جعل الحجية لقوله، وبقوله جعلته حاكما جعل القضاوة للفقيه.
والثاني: كجزئية شئ للمأمور به وشرطيته فينتزع من تعلق الحكم التكليفي بصلاة ذات اجزاء وقيود الجزئية لكل واحد من اجزائها والشرطية لكل واحد من قيودها.
والثالث: كسببية مصالح الصلاة مثلا للامر بها وايجابها فان ذلك امر تكويني مقدم على الوجوب فلا يعقل جعله تشريعا فضلا عن أن ينتزع من التكليف المتأخر عنه رتبة.
ثم إن الحكم الوضعي ليس محصورا في ثلاثة أو خمسة أو تسعة كما توهم، بل كلما كان من الأمور الاعتبارية القابلة للجعل والاعتبار أطلق عليه اسم الحكم وكان غير التكليف فهو حكم وضعي كالصحة والبطلان والعلية كعلية الملاقاة للنجاسة، والعلامية كالسن والاحتلام ونبات الشعر بالنسبة إلى البلوغ، والتقديرات كالكرية والمسافة، والحجج كحجية خبر العدل والثقة، والبدلية كبدلية التيمم عن الوضوء والتراب عن الماء، والتقبل كقبول العمل الناقص عوضا عن التام، والضمان أعني كون الشئ على عهدة الشخص، والجنابة والحرية والرقية والوكالة والشرطية والسببية والمانعية والقاطعية ونحوها.
الثاني: تقسيمه إلى الاقتضائي والانشائي والفعلي والمنجز.
ولا يخفى عليك ان هذه الأقسام من مصطلحات بعض المتأخرين (قده) والأكثرون منهم لا يقولون الا بالانشائي والفعلي واما بيان تلك المراتب الأربع:
فالأولى: مرتبة الاقتضاء وكون الحكم في تلك الرتبة معناه وجود المقتضى للجعل وكونه حسنا وذا مصلحة مع حصول مانع منه أو فقد شرط، واطلاق الحكم على هذه
المرتبة مع أن الموجود سببه ومقتضيه دون نفسه اطلاق مسامحي بلحاظ ان للمعلول والمقتضى نحو وجود في ضمن علته ومقتضيه، فالمصلحة في البعث والزجر مثلا كأنها وجود لنفس تلك الأحكام كما لو ادعى فيما إذا وجد المادة التي تنقدح منها النار ان النار موجودة.
وقيل إنه من هذا القبيل الأحكام الشرعية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله والحكم في هذه المرتبة يسمى حكما اقتضائيا شأنيا.
الثانية: مرتبة الانشاء وهي فيما إذا تحقق انشاء الحكم من الامر لوجود مقتضيه وفقد مانعه الا انه ليس له إرادة جدية بالنسبة إلى الفعل ولم يقصد إلزام المأمور لوجود مانع عن الالزام فيطلق على الحكم في هذه المرتبة الحكم الانشائي; وكانت عدة من الاحكام في صدر الاسلام من هذا القبيل فكانت الواجبات عندئذ بحكم المستحبات والمحرمات بحكم المكروهات لا تستلزم مخالفتها العقوبة.
ومنه أيضا الأوامر الامتحانية والاعتذارية. والأحكام الواقعية التي قامت الامارة على خلافها بناء على السببية أو جرت الأصول العملية في مواردها.
ومنه أيضا الحكم المستفاد من العموم بالنسبة إلى الافراد الخارجة بالتخصيص قبل انكشاف وجود المخصص. ولا يخفى عليك ان اطلاق الحكم على الانشائي أيضا اطلاق مسامحي فان الانشاء بلا إرادة جدية التي هي روح الحكم كالجسد بلا روح والحكم (ح) كصورة بلا حياة.
الثالثة: مرتبة الفعلية بان أنشأه الآمر وحصلت الإرادة الجدية في نفسه وقصد الالزام وتسجيل الامر على المأمور ويسمى هذه المرتبة بالفعلية والحكم فيها حكم فعلي وهو الذي ينبغي اطلاق الحكم عليه حقيقة لكنه حينئذ فعلى فقط بلا حصول تنجز ولا ترتب عقاب على تركه ما دام لم يلتفت إليه المكلف ولم تقم امارة على خلافه.
الرابعة: مرتبة التنجز بان يعلم المكلف بالحكم الفعلي أو يقوم عنده الامارة عليه فيبلغ (ح) مرتبة التنجز ويسمى حكما منجزا ويترتب على تركه العقوبة.
هذا وقد أشرنا إلى أن الأكثر قسموه إلى قسمين وذهبوا إلى أنه قبل الانشاء
لا حكم هنا أصلا فإذا أنشأ باللفظ حصل الحكم الانشائي والشأني، وحينئذ فان لم يكن على طبقه إرادة جدية فهو انشائي وشأني وان حصلت الإرادة وقصد الالزام به فهو فعلى ومنجز.
الثالث: تقسيمه إلى الواقعي الأولى والواقعي الثانوي والظاهري.
فالأول: هو الحكم المجعول على الأفعال والذوات بعناوينها الأولية الخالية عن قيد طرو العنوان الثانوي، وقيد الشك في حكمه الواقعي، كالوجوب المرتب على صلاة الصبح والحرمة المرتبة على شرب الخمر والطهارة والنجاسة المرتبتين على الماء والبول، فيطلق عليها الأحكام الواقعية وعلى متعلقاتها الموضوعات الواقعية.
والثاني: هو الحكم المرتب على الموضوع المتصف بوصوف الاضطرار والاكراه ونحوهما من العناوين الثانوية غير عنوان مشكوك الحكم، فإذا كان صوم شهر رمضان ضرريا أو حرجيا على أحدا وكره على الافطار كان جواز الافطار أو حرمة الامساك حكما واقعيا ثانويا والموضوع المعنون بتلك العناوين موضوعا ثانويا، وكذا إذا امر الوالد ولده بصوم أول شهر رجب مثلا أو نذره الشخص أو شرطه في ضمن عقد لازم أو صار مقدمة لواجب يقال ان هذا الصوم بما هو صوم شهر رجب وبعنوانه الأولى مستحب وبعنوانه الثانوي واجب فاستحبابه حكم واقعي أولى ووجوبه واقعي ثانوي.
وتسميته ثانويا لأنه في طول الواقع وموضوعه عنوان ثانوي عارض على العنوان الأولى الأصلي.
والثالث: هو الحكم المجعول عند الجهل بالواقع والشك فيه كالحكم المستفاد من أدلة اعتبار الامارات وأدلة الأصول العملية، فإذا أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعة أو حرمة العصير وحكم الشارع بتصديقه فان قلنا فيه بالسببية وان مرجع وجوب التصديق إلى جعل الوجوب التكليفي للصلاة والحرمة التكليفية للعصير كان المجعول حكما تكليفيا ظاهريا لكونه مجعولا لدى الجهل بالواقع.
وان قلنا فيه بالطريقية وان مفاد دليل الاعتبار جعل الحجية أو الطريقية لقول العادل كان ذلك حكما وضعيا ظاهريا.
وإذا شككنا في حكم صلاة الجمعة وكانت الحالة السابقة هي الوجوب فالحكم