كما أنه بالنسبة إلى دليل العنون الأولى وهو قوله العصير إذا غلى يحرم المجمل من جهة دوام الحرمة وعدمه متمم لدلالته بحسب الظاهر.
تنبيهات:
الأول: قد ظهر مما قدمنا ان الفرق بين الحكومة والتخصيص من وجوه:
أولها: ان الحاكم ناظر وشارح بدلالته اللفظية للمحكوم بخلاف المخصص فإنه لا نظر له للعام ولا شرح له ولا تفسير، وبعبارة أخرى قد صدر الحاكم لبيان حال المحكوم وساقه القائل مفسرا لتحديد حكمه أو موضوعه وصدر المخصص لبيان حكم مستقل من دون نظر من القائل إلى كونه شارحا لدليل آخر أم لا، فيكون العام والخاص في مورد التصادم متعارضين من دون حكومة لاحد الطرفين; وحيث إن الخاص يكون أظهر من العام غالبا في مورد التعارض يقدم عليه، فلو فرض في مورد تساويهما ظهورا فهما يتساقطان ويرجع إلى الأصل أو فرض أظهرية العام فإنه يقدم هو ويطرح الخاص سندا.
ثانيها: لحاظ الظهور والأظهرية في العام والخاص كما مر ولا يلاحظان في الحاكم والمحكوم بل يقدم الحاكم الظاهر في أقل مرتبة من الظهور على المحكوم ولو كان أظهر.
ثالثها: عدم لحاظ النسبة بين الحاكم والمحكوم، ولذا قلنا بتقديم أدلة العناوين الثانوية كقوله لا ضرر ولا ضرار على دليل وجوب الصوم الضرري مع أن بينهما عموما من وجه; فان دليل لا ضرر يشمل غير الصوم كالوضوء والغسل الضرريين ودليل وجوب الصوم يشمل الصوم غير الضرري وكلاهما يشملان الصوم الضرري.
الثاني: لا يخفى عليك ان الورود والحكومة كما كانا جاريين في الامارة والأصل كذلك يجريان في الخاص الوارد في مقابل العام فالخاص النص أو الأظهر قد يكون واردا على أصالة العموم وقد يكون حاكما.
بيانه ان لنا في طرف العام أصلا عقلائيا وهو الحكم باستعماله في معناه الحقيقي أعني الاستغراق عند الشك في استعماله فيه أو هو الحكم بعدم وجود القرينة عند
الشك في وجودها وعدمها واقعا، ولهذا الأصل موضوع ومحمول، موضوعه الشك في استعماله في معناه ومحموله الحكم باستعماله فيه وإرادته منه أو موضوعه احتمال وجود القرينة ومحموله الحكم بعدمها وإرادة الظاهر، على المبنيين من أن حجة الظواهر من باب الظهور النوعي أو من باب أصالة عدم القرينة، وحينئذ فإذا ورد خاص في قبال العام فإن كان قطعيا سندا ودلالة كان واردا على الأصل المذكور; لأنه ينتفى الشك وجدانا ويحصل اليقين بوجود القرينة واستعمال العام في المعنى المجازى فينتفى موضوع الأصل اللفظي حقيقة وهو الورود وان كان نصا ظني السند فمقتضى دليل اعتباره هو الحكم بصدوره تعبدا وكونه قرينة وانه لم يستعمل العام في معناه الحقيقي فيكون الخاص بدليل اعتباره حاكما على أصالة العموم.
هذا كله على القول بان العام المخصص مجاز مستعمل في غير ما وضع له كساير المجازات، واما على القول بعدم المجازية فيه وان التخصيص تصرف في الإرادة الجدية فالأصل العقلائي هو أصالة التطابق بين الاستعمال والإرادة والموضوع أيضا الشك في التطابق فيتصور فيه أيضا الورود والحكومة.
الثالث: قد تطلق الحكومة في مقابل الكشف ويراد بها حكومة العقل بحجية الظن بعد تمامية مقدمات الانسداد فراجع التنبيه الأخير من بحث الانفتاح والانسداد.
الحمل الأولى الذاتي والحمل الشايع الصناعي لا اشكال في لزوم نحو من الاتحاد بين الموضوع والمحمول والا لبطل حمله عليه. والاتحاد يتصور على أقسام ثلاثة:
الأول: الاتحاد مفهوما وماهية ووجودا كقولك في مقابل من يتوهم امكان سلب الشئ عن نفسه الانسان انسان فبين الموضوع والمحمول اتحاد في المراحل الثلث.
الثاني: الاتحاد ماهية ووجودا مع الاختلاف في المفهوم، كقولك الانسان حيوان ناطق فبين المفهومين اختلاف بالاجمال والتفصيل واتحاد في المقامين أي الماهية والوجود.
الثالث: الاتحاد في الوجود مع الاختلاف في المفهوم والماهية كقولك زيد انسان وعمرو جسم.
ويطلق على الحمل في القسمين الأولين حمل الكلى على الكلى والحمل الأولى الذاتي، وعلى القسم الثالث حمل الكلى على الفرد والحمل الشايع الصناعي اما كونه شايعا فلشيوعه في الاستعمالات بين الناس واما كونه صناعيا فلاستعماله عند اهل الصناعات وأرباب العلوم.
الدلالة وهي تنقسم بتقسيمات:
منها: تقسيمها إلى دلالة المطابقة والتضمن والالتزام.
فالأولى: دلالة اللفظ على تمام ما وضع له كدلالة لفظ الانسان على الحيوان الناطق، ودلالة الدار على جميع ما تحويه وتحيط به جدرانها.
والثانية: دلالة اللفظ على جزء معناه كدلالة لفظة زيد على رأسه ورجليه.
والثالثة: دلالة اللفظ على لازم معناه كدلالة الشمس على الضوء والانسان على تعقله وكتابته.
ومنها: تقسيمها إلى الدلالة التصورية والتصديقية، فقد قيل إن اللفظ الموضوع الصادر من المتكلم له دلالتان.
الأولى: الدلالة التصورية وهي خطور معنى اللفظ في الذهن عند سماعه وكون سماعه موجبا لتصور معناه، وهذه الدلالة تتوقف من طرف السامع على أمور ثلثة:
سماع اللفظ وكونه موضوعا وعلم السامع بالوضع; ومن جانب اللافظ لا شرط لها بل لو صدر اللفظ من وراء الجدار من لافظ بلا شعور واختيار حصلت هذه الدلالة.
الثانية: الدلالة التصديقية، وهي دلالة اللفظ على كون المعنى مرادا لقائله فتكون سببا لتصديقك بان اللافظ مريد مفاد لفظه; فإذا قال أحد زيد قائم تقول ان يعتقد
قيام زيد وان مراده الاخبار بقيامه، وهذه الدلالة للفظ ثابتة مسلمة عند العقلاء وهي المعبر عنها بحجية الظواهر.
ومنها: تقسيمها إلى دلالة الاقتضاء والايماء والإشارة.
اما الاقتضاء فهي دلالة الكلام على امر مقصود للمتكلم دلالة التزامية عقلية أو شرعية، من جهة توقف صحة الكلام عقلا أو شرعا على إرادة القائل ذلك المعنى، بحيث لو لم يكن من قصده ذلك لعد غالطا في كلامه فدلالة الاقتضاء على قسمين عقلية وشرعية.
مثال الأولى دلالة قوله تعالى: " واسأل القرية " على كون المسؤول اهل القرية لا نفسها، فهذه الدلالة مقصودة بالملازمة العقلية للقائل وتتوقف صحة الكلام بحكم العقل على كون المراد ذلك.
ومثال الثانية كما في قول القائل بع مالي عنك أو أعتق عبدي عنك، فان الكلامين يدلان على قصد المتكلم تمليك ماله للمخاطب قبل بيعه وعتقه حتى يجوز له البيع والعتق عن نفسه، فإنه لا بيع الا في ملك ولا عتق الا في ملك، كما أن اقدام المخاطب على البيع والعتق بالشروع في الانشاء، يدل على قبول ذلك التمليك وقصده لتملكه المال قبلهما، فدلالة كلام الامر بالبيع على التمليك من دلالة الاقتضاء بحكم الشرع; ودلالة بيع المخاطب وعتقه على التملك أيضا من قبيل تلك الدلالة.
ومن ذلك أيضا قول من عليه الكفارة لمخاطبة الذي له مملوك: أعتق عبدك عنى وأنشأ المخاطب عتق عبده بعد طلبه هنا فان الكلام الأول يدل بدلالة الاقتضاء الشرعية على طلب تمليك العبد له وبيعه منه بذلك الثمن قبل العتق، والكلام الثاني يدل بتلك الدلالة على قبول استدعائه بتمليكه العبد وبيعه منه; فالكلامان يدلان اقتضاء على بيع بينهما حاصل بايجاب ضمني وقبول كذلك.
واما دلالة الايماء والإشارة فكدلالة قوله: " عليه السلام ": " كفر " عقيب قول القائل انى واقعت أهلي في نهار شهر رمضان، هذا الامر باعطاء الكفارة بعد ذلك السؤال لا يخلو عن الإشارة إلى علية الجماع لوجوب الكفارة ولذا يتعدى من المخاطب إلى غيره، ومن الأهل إلى غيرها.
الدليل العقلي والنقلي قد يطلق الدليل ويراد به الامارة التي تقابل الأصل وقد مر بيانه بهذا المعنى تحت عنوان الامارة.
وقد يطلق ويراد به القياس المؤلف من صغرى وكبرى وهو بهذا اللحاظ ينقسم إلى أقسام ثلاثة; دليل نقلي، ودليل عقلي مستقل، ودليل عقلي غير مستقل ويطلق عليه العقلي الظني أيضا.
اما القسم الأول: فهو القياس الذي كانت الكبرى المأخوذة فيه شرعية سواء كانت الصغرى أيضا شرعية أم لا، كقولك الماء المشكوك في طهارته طاهر وكل طاهر يجوز شربه فالماء المشكوك في طهارته كذلك فالكبرى والصغرى شرعيتان، وكقولك هذا خمر وكل خمر حرام فهذا حرام فالكبرى فقط فيه شرعية.
واما القسم الثاني: فهو القياس الذي كانت مقدمتاه عقليتين كقولك العالم ممكن وكل ممكن محتاج إلى مؤثر فالعالم محتاج إلى مؤثر.
واما القسم الثالث: فهو القياس الذي كانت الكبرى المأخوذة فيه عقلية والصغرى غير عقلية وأمثلتها كثيرة أشار الشيخ (قدس سره) في الرسائل إلى عدة منها.
فمنها: الاستصحاب على القول بكونه حجة من جهة العقل; فتقول وجوب صلاة
الجمعة مظنون البقاء وكل مظنون البقاء باق بحكم العقل فالوجوب باق فهذا الدليل عقلي غير مستقل اما كونه عقليا فلان لزوم ابقاء كل مظنون البقاء وترتيب آثار البقاء عليه يكون على هذا القول بحكم العقل فالكبرى عقلية، واما كونه غير مستقل فلان الصغرى وجدانية من حيث النسبة الكلامية وشرعية من حيث الموضوع.
ومنها: القياس وكيفية تأليف الشكل فيه أن تقول مثلا ان النبيذ مسكر وكل مسكر حرام لاستنباطه من قوله الخمر حرام فالنبيذ حرام.
ومنها: الاستحسان والقياس المؤلف فيه أن يقول الفقيه حرمة العصير مما يترجح في ذهني بملاحظة أشباهه وموارد تناسبه وكل حكم ترجح في ذهني لذلك فهو حكم الله فحرمة العصير حكم الله والكبرى فيه عقلية.
ومنها: المفاهيم فتقول في مفهوم الوصف وجوب الزكاة علق على وصف السوم في قوله " عليه السلام ": " في الغنم السائمة زكاة " وكلما علق عليه الحكم في الكلام ينتفى الحكم عند انتفاء ما علق عليه فالوجوب ينتفى عند عدم السوم، وكذلك تقول في مفهوم الشرط ونحوه فهذا الدليل عقلي غير مستقل لكون كبراه فقط عقلية.
ومنها: الاستلزامات والمراد منها الملازمة بين وجوب الشئ وحرمة ضده أو وجوب الشئ ووجوب مقدمته فتقول الصلاة واجبة وكل واجب تجب مقدمته أو يحرم ضده فالصلاة كذلك فالكبرى عقلية والصغرى شرعية.
الدور قد يعرف الدور بأنه توقف الشئ على نفسه; وقد يعرف بأنه توقف الشئ على ما يتوقف عليه، ولا اشكال في أن اثبات دورية شئ يتوقف على تشكيل شبه قياس مؤلف من صغرى وكبرى، فنقول مثلا ان الألف موقوف على الباء والباء موقوف على الألف فالألف موقوف على الألف، فمن عرفه بالتعريف الأول فهو ناظر في تعريفه إلى النتيجة في المثال وتعريفه ينطبق عليها، ومن عرفه بالتعريف الثاني فنظره إلى الكبرى وتعريفه ينطبق عليها.
وعلى أي تقدير فان تم اثبات الدورية بكبرى واحدة في قياس الدليل كالمثال المذكور سمى ذلك دورا مصرحا وان احتاج إلى ضم كبرى أخرى إلى الكبرى الأولى سمى ذلك دورا مضمرا، وحينئذ فان كانت الكبرى الزائدة واحدة يسمى مضمرا بواسطة وان كانت اثنتين فمضمرا بواسطتين وهكذا فقولك الألف موقوف على الباء والباء موقوف على التاء والتاء موقوف على الألف دور مضمر بواسطة وان زدت عليه قولك والتاء موقوف على الثاء مثلا كان مضمرا بواسطتين.
تنبيه: