الدليل العقلي والنقلي قد يطلق الدليل ويراد به الامارة التي تقابل الأصل وقد مر بيانه بهذا المعنى تحت عنوان الامارة.
وقد يطلق ويراد به القياس المؤلف من صغرى وكبرى وهو بهذا اللحاظ ينقسم إلى أقسام ثلاثة; دليل نقلي، ودليل عقلي مستقل، ودليل عقلي غير مستقل ويطلق عليه العقلي الظني أيضا.
اما القسم الأول: فهو القياس الذي كانت الكبرى المأخوذة فيه شرعية سواء كانت الصغرى أيضا شرعية أم لا، كقولك الماء المشكوك في طهارته طاهر وكل طاهر يجوز شربه فالماء المشكوك في طهارته كذلك فالكبرى والصغرى شرعيتان، وكقولك هذا خمر وكل خمر حرام فهذا حرام فالكبرى فقط فيه شرعية.
واما القسم الثاني: فهو القياس الذي كانت مقدمتاه عقليتين كقولك العالم ممكن وكل ممكن محتاج إلى مؤثر فالعالم محتاج إلى مؤثر.
واما القسم الثالث: فهو القياس الذي كانت الكبرى المأخوذة فيه عقلية والصغرى غير عقلية وأمثلتها كثيرة أشار الشيخ (قدس سره) في الرسائل إلى عدة منها.
فمنها: الاستصحاب على القول بكونه حجة من جهة العقل; فتقول وجوب صلاة
الجمعة مظنون البقاء وكل مظنون البقاء باق بحكم العقل فالوجوب باق فهذا الدليل عقلي غير مستقل اما كونه عقليا فلان لزوم ابقاء كل مظنون البقاء وترتيب آثار البقاء عليه يكون على هذا القول بحكم العقل فالكبرى عقلية، واما كونه غير مستقل فلان الصغرى وجدانية من حيث النسبة الكلامية وشرعية من حيث الموضوع.
ومنها: القياس وكيفية تأليف الشكل فيه أن تقول مثلا ان النبيذ مسكر وكل مسكر حرام لاستنباطه من قوله الخمر حرام فالنبيذ حرام.
ومنها: الاستحسان والقياس المؤلف فيه أن يقول الفقيه حرمة العصير مما يترجح في ذهني بملاحظة أشباهه وموارد تناسبه وكل حكم ترجح في ذهني لذلك فهو حكم الله فحرمة العصير حكم الله والكبرى فيه عقلية.
ومنها: المفاهيم فتقول في مفهوم الوصف وجوب الزكاة علق على وصف السوم في قوله " عليه السلام ": " في الغنم السائمة زكاة " وكلما علق عليه الحكم في الكلام ينتفى الحكم عند انتفاء ما علق عليه فالوجوب ينتفى عند عدم السوم، وكذلك تقول في مفهوم الشرط ونحوه فهذا الدليل عقلي غير مستقل لكون كبراه فقط عقلية.
ومنها: الاستلزامات والمراد منها الملازمة بين وجوب الشئ وحرمة ضده أو وجوب الشئ ووجوب مقدمته فتقول الصلاة واجبة وكل واجب تجب مقدمته أو يحرم ضده فالصلاة كذلك فالكبرى عقلية والصغرى شرعية.
الدور قد يعرف الدور بأنه توقف الشئ على نفسه; وقد يعرف بأنه توقف الشئ على ما يتوقف عليه، ولا اشكال في أن اثبات دورية شئ يتوقف على تشكيل شبه قياس مؤلف من صغرى وكبرى، فنقول مثلا ان الألف موقوف على الباء والباء موقوف على الألف فالألف موقوف على الألف، فمن عرفه بالتعريف الأول فهو ناظر في تعريفه إلى النتيجة في المثال وتعريفه ينطبق عليها، ومن عرفه بالتعريف الثاني فنظره إلى الكبرى وتعريفه ينطبق عليها.
وعلى أي تقدير فان تم اثبات الدورية بكبرى واحدة في قياس الدليل كالمثال المذكور سمى ذلك دورا مصرحا وان احتاج إلى ضم كبرى أخرى إلى الكبرى الأولى سمى ذلك دورا مضمرا، وحينئذ فان كانت الكبرى الزائدة واحدة يسمى مضمرا بواسطة وان كانت اثنتين فمضمرا بواسطتين وهكذا فقولك الألف موقوف على الباء والباء موقوف على التاء والتاء موقوف على الألف دور مضمر بواسطة وان زدت عليه قولك والتاء موقوف على الثاء مثلا كان مضمرا بواسطتين.
تنبيه:
لا اشكال ولا خلاف في بطلان الدور وهل الوجه في ذلك كون توقف الشئ على نفسه مما يدرك العقل بطلانه بنفسه كاجتماع الضدين والنقيضين، أو الوجه فيه استلزامه تقدم الشئ على نفسه إذا الشئ لو توقف على نفسه لزم ان يوجد أو لا مقدمة لوجوده ثم يوجد ثانيا، أو استلزامه اجتماع النقيضين أي وجود الشئ وعدمه في وقت واحد فان الشئ إذا وجد أولا مقدمة لوجوده ثانيا لزم على الفرض عدم وجوده في حال وجوده أولا وجوه، وعلى الوجهين الأخيرين فالدور امر وملاك بطلانه امر آخر من تقدم الشئ على نفسه أو اجتماع النقيضين وفى بعض الموارد يوجد ملاك الدور دون نفسه فيقال ان هذا المطلب باطل لوجود ملاك الدور فيه.
السببية والطريقية هما وصفان عارضان للامارة الحاكية عن الحكم الشرعي أو عن موضوع ذي حكم شرعي.
توضيحه: انه ذهب فريق من الأصوليين إلى أن قيام الامارة على حكم أو موضوع سبب لحدوث حكم تكليفي نفسي ظاهري على طبقها; كانت الامارة مصيبة أو مخطئة، فمعنى جعل الامارة وامضائها من ناحية الشارع جعل حكم ظاهري على وفقها طابق الحكم الواقعي أو خالفه; فإذا أخبر العدل مثلا بوجوب صلاة الجمعة، أو بحرمة العصير تولد من الأول حكم وجوبي متعلق بصلاة الجمعة، ومن الثاني حكم تحريمي متعلق بشرب العصير، فيطلق على هذا النحو من التأثير للامارة السببية والموضوعية.
وذهب آخرون إلى عدم تأثير الامارة في حدوث حكم تكليفي، وليس معنى جعل الامارة الا اعطاء الطريقية لها وجعلها علما تعبد يا تنزيليا ليترتب عليها آثار العلم من تنجيز الواقع في صورة الإصابة والعذر عن مخالفتها في صورة الخطاء فالمجعول فيها حكم وضعي لا تكليفي فكما أن القطع الوجداني بالوجوب أو الحرمة لا اثر له الا التنجيز والعذرية فكذلك الامارة ويطلق على هذه الصفة للامارة الطريقية.
تنبيهات:
الأول: يفرق بين السببية والطريقية في الامارة بأمور:
أحدها: وجود مصلحة في تبعية الامارة وترتيب الأثر عليها على الأول وهذه المصلحة هي التي أوجبت جعل الحكم النفسي على وفقها، بخلاف الثاني فإنه لا مصلحة في سلوكها غير ادراك الواقع لو اتفق.
ثانيها: جعل الحكم التكليفي النفسي على طبقها بناء على الأول وجعل الحكم الوضعي على الثاني.
ثالثها: سقوط الحكم الواقعي عن الفعلية في صورة إصابة الامارة وخطائها على الأول. إذ يستلزم بقائه على الفعلية مع فرض كون الحكم الظاهري فعليا أيضا اجتماع المثلين أو الضدين; وهذا بخلاف الثاني فإنه عليه يتنجز الواقع لدى الإصابة ويسقط عن الفعلية لدى المخالفة.
رابعها: كون مخالفة الامارة أصابت أم أخطأت; عصيانا للشارع ناشئا من جهة مخالفة الحكم الظاهري بلا محذور من ناحية الواقع على الأول وكونها عصيانا من جهة مخالفة الواقع في صورة الإصابة وكونها تجريا في صورة الخطاء على الثاني.
خامسها: حصول الاجزاء في بعض الموارد على الأول دون الثاني; فإذا أخبر العدل بعدم جزئية السورة للصلاة أو عدم مانعية لبس الحرير فيها ثم انكشف الخلاف بعد العمل صحت على الأول وبطلت على الثاني.
الثاني: ظاهر الأدلة الدالة على حجية الامارات من السيرة العقلائية والاخبار الواردة هي الطريقية لا السببية، فان العقلاء لا يعملون باخبار الثقة عندهم أو بظاهر الكلام مثلا الا لتوقع الوصول إلى الواقع المحكى بهما فلا مصلحة عندهم في تبعيتها الا النيل إلى الواقع ولا مفسدة لديهم في مخالفتها الا فوت الواقع من دون نفسية في سلوكها ومصلحة تعبدية في موافقتها.
كما أن العرف أيضا لا يفهمون من ظواهر الأدلة الشرعية المثبتة لحجيتها والباعثة على العمل على طبقها الا امضاء عمل العقلاء وتثبيت ما هم عليه وهذا هو الطريقية.
الثالث: قد يتوهم ان القول بالسببية هو القول بالتصويب المجمع على بطلانه عند الإمامية ولكنه توهم فاسد فانا قد ذكرنا تحت عنوان التخطئة والتصويب ان للتصويب أقساما ثلثة; وان القسمين الأولين داخلان في التصويب الباطل والقسم الثالث الذي يساوق السببية فيما نحن فيه اما ليس بتصويب أو ليس بباطل فراجع.
السنة والحديث والحديث القدسي اما السنة: فهي في الاصطلاح عبارة عن قول المعصوم أو فعله أو تقريره.
واما الحديث: فقد يطلق على كلام غير المعصوم الحاكي عن السنة الصادرة عن المعصوم كما أنه قد يطلق على الأعم من الحاكي والمحكى ويرادفه الخبر.
واما الحديث القدسي: فهو كلام الله تعالى غير المنزل على سبيل التحدي والتعجيز سواء نقله المعصوم عن الله بواسطة الملك أم نقله من الكتب السماوية الماضية.
تنبيهات:
الأول: قد أشرنا إلى أن السنة قول أو فعل أو تقرير، والأول واضح من حيث الموضوع ومن حيث الحجية كما سيجئ.
واما الفعل: فهو حجة في الجملة ومثبت للحكم في بعض الموارد.
اما في الأفعال الضرورية ولوازم الحياة كالأكل والشرب ونحوهما، فلا حاجة في اثبات جوازها إلى فعل المعصوم لثبوته بالعقل والضرورة من الشرع.
واما في غيرها، فترك المعصوم فعلا من الأفعال يدل على عدم وجوبه كما أن فعله