العموم والعام العموم في الاصطلاح عبارة عن شمول المفهوم لكل ما يصلح ان ينطبق عليه وبعبارة أخرى فعلية الشمول فيما فيه قابليته، والعام عبارة عن اللفظ الدال على المفهوم وشموله.
فمعنى لفظ العام يتركب من امرين المفهوم القابل للانطباق على كثيرين، وفعلية ذلك الانطباق.
ثم إن ألفاظ العام الدالة على ذلك المعنى ان كانت جامدة غير مركبة نظير ما ومن الشرطيتين ومتى وحيث وكيف وأمثال ذلك فإنها بمعنى كل شئ أو كل شخص أو كل زمان ومكان فواضح.
والا فالجزء الذي يدل من اللفظ على نفس المفهوم هو مادة اللفظ والذي يدل على الشمول والسريان يسمى أداة العموم.
ففي ألفاظ كل رجل والعلماء ولا رجل تكون كلمة رجل وعالم هي المواد الدالة على المفهوم وكلمة كل وهيئة الجمع ووقوع النكرة في سياق النفي هي إدواة العموم.
ثم إن للعام عند اهل الفن تقسيمات:
منها: تقسيمه إلى العام البدلي والعام الاستغراقي والعام المجموعي.
بيانه ان اللفظ الدال على الاستيعاب ان دل على شمول المفهوم للافراد بنحو البدل كان الشمول بدليا وأطلق عليه العام البدلي، كقولك أكرم أي رجل شئت وسافر إلى يوم أردت فكلمة أي وما يؤدى معناها من أدواة البدلي.
وان دل على شموله دفعة وبنحو الاستيعاب كان الشمول استيعابيا وحينئذ ان قصد في الكلام ترتب الحكم الكلامي على كل فرد من افراد المفهوم مستقلا سمى ذلك " عاما استغراقيا " كما لو ورد أكرم كل عالم مع كون الفرض انشاء وجوب مستقل لكل فرد وان قصد ترتب حكم واحد على الجميع سمى العام مجموعيا.
فظهر مما ذكرنا أن انقسام العام إلى البدلي والاستيعابي انقسام وضعي نشأ من وضع اللفظ للمعاني المختلفة ولذلك صارت ألفاظهما أيضا مختلفة، وانقسام الاستيعابي إلى الاستغراقي والمجموعي انقسام بلحاظ الحكم المرتب عليله ويشهد لذلك اتحاد ألفاظهما وجواز استعمال كل واحد منها في موضع الاخر.
تنبيه:
الفرق بين الأقسام في هذا التقسيم واضح إذ في الحكم المرتب على العام البدلي يتحقق الامتثال بالاتيان ولو في ضمن فرد واحد ويحصل الغرض ويسقط الامر بخلاف الاستيعابي، واما الفرق بين الاستغراقي والمجموعي فهو ان في الأول يكون الحكم متعددا بتعدد الافراد ولكل واحد منها إطاعة مستقلة وعصيان مستقل، فأي فرد من العلماء أكرمه المكلف في المثال السابق استحق ثوابه وأي فرد لم يكرمه استحق عقابه ولا ارتباط بينهما، وفى الثاني يكون الحكم واحدا بحيث لو أكرم الجميع حصل امتثال واحد ولو ترك الكرام واحد حصل عصيان الامر بالكلية.
ومنها: تقسيمه إلى العام الافرادي والعام الأزماني.
فالأول: عبارة عن شمول المفهوم وسريانه بحسب الافراد.
والثاني: عبارة عن شموله وسريانه بحسب الا زمان بمعنى لحاظ استمرار المفهوم وبقائه في عمود الزمان.
بيان المطلب ان تعلق حكم شرعي بفعل من الأفعال من حيث اخذ الزمان قيدا للحكم أو للموضوع يتصور على أقسام أربعة:
الأول: أن لا يلاحظ الزمان أصلا لا في طرف الحكم ولا في طرف الموضوع بل تلاحظ طبيعة الحكم فترتب على طبيعة الموضوع بلا لحاظ تقيدهما بزمان، كما إذا قال المولى أوجبت عليك الجلوس في المسجد أو صيام يوم، أو قال أعتق رقبة وأكرم عالما، وحكم هذا القسم هو حصول الغرض وسقوط الامر باتيان مسمى الجلوس والصيام وطبيعة العتق والاكرام.
الثاني: ان يلاحظ مقدار من الزمان محدود كشهر أو سنة أو مستمر دائم، ظرفا لثبوت الحكم على الموضوع بان يجعل ويرتب طبيعي الحكم على طبيعي الموضوع ويراد بذكر الزمان دوام الحكم عليه واستمراره في تلك المدة في مقابل كونه آنيا من حيث الزمان أو منوطا بمجرد تحقق الطبيعة ولو في ضمن فرد واحد كما لو قال المولى يجب الصدق في الكلام ابدا وأكرم زيدا دائما فلا يسقط الامر بتحقق الصدق ولو دفعة واكرام زيد ولو مرة.
ونظير التصريح بالدوام استفادة ذلك من الاطلاق فيطلق (ح) على دوام الوجوب على عنوان الصدق وعنوان الاكرام العموم الأزماني للحكم; ويقال ان لهذا الحكم عموما أزمانيا ويطلق على عموم عنوان الاكرام لمصاديقه كاكرام زيد واكرام عمرو العموم الافرادي للموضوع وهذا القسم هو الذي ذكر الشيخ قده بان الزمان فيه لوحظ ظرفا للحكم لا قيدا للموضوع.
الثالث: ان يلاحظ الزمان قيدا للموضوع بنحو المجموع بان يلاحظ الزمان جميعه ولو كان طويلا ويجعل قيدا واحدا لموضوع التكليف أعني فعل المكلف ويكون المطلوب الفعل المستمر في عمود الزمان بحيث لو ترك الفعل في جزء من الزمان لما امتثل للتكليف أصلا، كما إذا أوجب على المعتكف الكون في المسجد أيام أو الكون في عرفات ومنى يوما أو أياما ومنه الامساك الواقع بين الطلوع والغروب والعموم هنا ينسب إلى الموضوع ويقال ان له عموما أزمانيا مجموعيا.
الرابع: لحاظ الزمان قيدا للموضوع بنحو الاستغراق بان يلاحظ كل جزء من
اجزائه قيدا مستقلا ويكون الفعل في كل آن أو ساعة مثلا مطلوبا مستقلا بحيث يكون ترك الفعل في جزء من الزمان تفويتا لغرض وعصيانا لطلب واتيانه في جزء آخر تحصيلا لغرض آخر وامتثالا لطلب كذلك.
مثاله ما لو قال أكرم العلماء أو أكرم زيدا في كل يوم إذا فرضنا ان الاكرام المقيد بكل يوم مطلوب مستقل ويسمى هذا عموما زمانيا استغراقيا في ناحية الموضوع; وهذا القسم هو مراد الشيخ ره من قوله ان الزمان قد يلاحظ قيدا للموضوع وعبر عنه بان الزمان مفرد للموضوع لتكثر افراد الموضوع لا محالة بعدد الأيام وكون الاكرام في كل يوم موضوعا مستقلا له حكم مستقل، فكما كان في القسم الثاني طبيعة الاكرام المتعلق بزيد موضوعا مستقلا بحكم مستقل والمتعلق بعمرو موضوعا آخر فكذلك الاكرام المتعلق بزيد في يوم الخميس مثلا موضوع مستقل له حكم مستقل والاكرام المتعلق به في يوم الجمعة موضوع آخر له حكم آخر.
تنبيه:
إذا عرفت أن العموم الزماني عبارة عن استمرار الشئ في عمود الزمان وطوله وانه قد يلاحظ في نفس الحكم وقد يلاحظ في الموضوع المترتب عليه الحكم كالجلوس والاكرام والوفاء، وعرفت أيضا عدم ملاحظته في المتعلق كالعالم والخمر والماء إذ لا معنى له في المتعلق غالبا بان يقال ان العالم المقيد بيوم الخميس حكمه كذا وبيوم الجمعة كذا.
فاعلم أنه إذا ورد تخصيص على عام وكان المخصص مجملا غير واف لبيان حال المورد في ما بعد الزمان الأول، كما إذا قام الاجماع على عدم وجوب اكرام زيد يوم الجمعة بعد ورود قوله أكرم العلماء على الدوام، ففي لزوم استصحاب حكم المخصص فيما بعد الزمان الأول أو لزوم التمسك بالعام خلاف بين الاعلام.
وفصل شيخنا الأعظم (ره) في رسائله ومكاسبه بأنه ان كان الزمان الملحوظ في ناحية العام بنحو القسم الثاني وملحوظا ظرفا للحكم، فاللازم بعده استصحاب حكم
المخصص; إذا المفروض ان في كل فرد من افراد العلماء كزيد وعمرو وخالد، رتب طبيعة الحكم على طبيعة الموضوع ومعنى قيام الاجماع على عدم وجوب اكرامه رفع الحكم عن ذلك الموضوع وحيث ارتفع بالنسبة إلى فرد مثلا طبيعي الحكم عن طبيعي الموضوع في وقت فترتبه عليه ثانيا يحتاج إلى دليل، وان كان ملحوظا قيدا للموضوع بنحو القسم الأخير فاللازم التمسك بعد الزمان الأول بعموم العام إذا الفرض كما ذكرنا أن الموضوع في كل يوم امر مستقل له حكم مستقل فتخصيصه لا يستلزم تخصيص موضوع آخر.
الغلبة هي في الاصطلاح عبارة عن مشاركة أغلب افراد الكلى في صفة من الصفات بحيث يظن بكون ذلك من آثار الطبيعة الصادقة عليها وانها العلة في اتصاف المصاديق بها.
وثمرتها انه إذا شك في وجود هذا الحكم أو الصفة في فرد من افراد هذا الكلى يحكم على الفرد المشكوك بما وجد في أغلب افراده من الحكم والصفة.
فظهر ان انتاج الغلبة موقوف على أمور ثلاثة:
أولها: وجود افراد غالبة تشترك في صفة من الأوصاف كالبياض والسواد مثلا.
ثانيها: وجود جامع بينها يظن بكونه السبب في اتصاف تلك الافراد بها بحيث لو وجد فرد على الخلاف لكان على وجه الندرة والشذوذ.
ثالثها: وجود فرد مشكوك اللحوق بالغالب ليلحق به بواسطة الغلبة.
مثالها في غير الشرعيات انا إذا رأينا أكثر افراد الانسان الزنجي اسود على وجه ظننا ان الزنجية هي العلة في ثبوت السواد فإذا شككنا في زنجي انه اسود أو ابيض نحكم بكوه اسود وانه واجد لتلك الصفة الحاقا له بالأعم الأغلب.
ومثالها في الشرعيات انا إذا وجدنا أغلب افراد الصلاة يؤدى إلى القبلة بحيث ظننا ان العلة في ذلك هي الصلاتية فلو شككنا في صلاة كالنافلة المأتي بها قائما مثلا انها تؤدى إلى القبلة أم لا حكمنا بعدم الجواز إلى غيرها ثم إن الغلبة ليست بحجة ما لم تفد الاطمينان بالحكم الشرعي.
الفقه الفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية أو تحصيل الوظائف العملية عن الأدلة التفصيلية.
فخرج بقيد الفرعية العلم باحكام أصول الدين; كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى وصفاته والاعتقاد بالنبوة والإمامة والمعاد ونحوها، فإنها تسمى أحكاما شرعية أصولية.
وخرج أيضا العلم باحكام أصول الفقه كحجية ظواهر الكتاب وخبر العدل ونحوهما فإنه لا يسمى بعلم الفقه بل هو علم الأصول والمراد من الأحكام الشرعية أعم من الواقعية والظاهرية; فتدخل الأحكام الواقعية المستفادة من نصوص الكتاب الكريم والأخبار المتواترة والاجماعات القطعية ونحوها، والاحكام الظاهرية التكليفية أو الوضعية المستفادة من اخبار الآحاد وسائر الامارات على السببية ومن الأصول العملية الشرعية.
ودخل بعطف الوظائف ما يحصله الفقيه من الامارات الشرعية بناء على الطريقية ومن الامارات والأصول العقلية كلزوم اتباع الظن الانسدادي عقلا على الحكومة، والحكم بعدم فعلية التكليف أو الامن من العقاب في البراءة العقلية، ولزوم العمل بالاحتياط في مسألة الاشتغال.