اجزائه قيدا مستقلا ويكون الفعل في كل آن أو ساعة مثلا مطلوبا مستقلا بحيث يكون ترك الفعل في جزء من الزمان تفويتا لغرض وعصيانا لطلب واتيانه في جزء آخر تحصيلا لغرض آخر وامتثالا لطلب كذلك.
مثاله ما لو قال أكرم العلماء أو أكرم زيدا في كل يوم إذا فرضنا ان الاكرام المقيد بكل يوم مطلوب مستقل ويسمى هذا عموما زمانيا استغراقيا في ناحية الموضوع; وهذا القسم هو مراد الشيخ ره من قوله ان الزمان قد يلاحظ قيدا للموضوع وعبر عنه بان الزمان مفرد للموضوع لتكثر افراد الموضوع لا محالة بعدد الأيام وكون الاكرام في كل يوم موضوعا مستقلا له حكم مستقل، فكما كان في القسم الثاني طبيعة الاكرام المتعلق بزيد موضوعا مستقلا بحكم مستقل والمتعلق بعمرو موضوعا آخر فكذلك الاكرام المتعلق بزيد في يوم الخميس مثلا موضوع مستقل له حكم مستقل والاكرام المتعلق به في يوم الجمعة موضوع آخر له حكم آخر.
تنبيه:
إذا عرفت أن العموم الزماني عبارة عن استمرار الشئ في عمود الزمان وطوله وانه قد يلاحظ في نفس الحكم وقد يلاحظ في الموضوع المترتب عليه الحكم كالجلوس والاكرام والوفاء، وعرفت أيضا عدم ملاحظته في المتعلق كالعالم والخمر والماء إذ لا معنى له في المتعلق غالبا بان يقال ان العالم المقيد بيوم الخميس حكمه كذا وبيوم الجمعة كذا.
فاعلم أنه إذا ورد تخصيص على عام وكان المخصص مجملا غير واف لبيان حال المورد في ما بعد الزمان الأول، كما إذا قام الاجماع على عدم وجوب اكرام زيد يوم الجمعة بعد ورود قوله أكرم العلماء على الدوام، ففي لزوم استصحاب حكم المخصص فيما بعد الزمان الأول أو لزوم التمسك بالعام خلاف بين الاعلام.
وفصل شيخنا الأعظم (ره) في رسائله ومكاسبه بأنه ان كان الزمان الملحوظ في ناحية العام بنحو القسم الثاني وملحوظا ظرفا للحكم، فاللازم بعده استصحاب حكم
المخصص; إذا المفروض ان في كل فرد من افراد العلماء كزيد وعمرو وخالد، رتب طبيعة الحكم على طبيعة الموضوع ومعنى قيام الاجماع على عدم وجوب اكرامه رفع الحكم عن ذلك الموضوع وحيث ارتفع بالنسبة إلى فرد مثلا طبيعي الحكم عن طبيعي الموضوع في وقت فترتبه عليه ثانيا يحتاج إلى دليل، وان كان ملحوظا قيدا للموضوع بنحو القسم الأخير فاللازم التمسك بعد الزمان الأول بعموم العام إذا الفرض كما ذكرنا أن الموضوع في كل يوم امر مستقل له حكم مستقل فتخصيصه لا يستلزم تخصيص موضوع آخر.
الغلبة هي في الاصطلاح عبارة عن مشاركة أغلب افراد الكلى في صفة من الصفات بحيث يظن بكون ذلك من آثار الطبيعة الصادقة عليها وانها العلة في اتصاف المصاديق بها.
وثمرتها انه إذا شك في وجود هذا الحكم أو الصفة في فرد من افراد هذا الكلى يحكم على الفرد المشكوك بما وجد في أغلب افراده من الحكم والصفة.
فظهر ان انتاج الغلبة موقوف على أمور ثلاثة:
أولها: وجود افراد غالبة تشترك في صفة من الأوصاف كالبياض والسواد مثلا.
ثانيها: وجود جامع بينها يظن بكونه السبب في اتصاف تلك الافراد بها بحيث لو وجد فرد على الخلاف لكان على وجه الندرة والشذوذ.
ثالثها: وجود فرد مشكوك اللحوق بالغالب ليلحق به بواسطة الغلبة.
مثالها في غير الشرعيات انا إذا رأينا أكثر افراد الانسان الزنجي اسود على وجه ظننا ان الزنجية هي العلة في ثبوت السواد فإذا شككنا في زنجي انه اسود أو ابيض نحكم بكوه اسود وانه واجد لتلك الصفة الحاقا له بالأعم الأغلب.
ومثالها في الشرعيات انا إذا وجدنا أغلب افراد الصلاة يؤدى إلى القبلة بحيث ظننا ان العلة في ذلك هي الصلاتية فلو شككنا في صلاة كالنافلة المأتي بها قائما مثلا انها تؤدى إلى القبلة أم لا حكمنا بعدم الجواز إلى غيرها ثم إن الغلبة ليست بحجة ما لم تفد الاطمينان بالحكم الشرعي.
الفقه الفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية أو تحصيل الوظائف العملية عن الأدلة التفصيلية.
فخرج بقيد الفرعية العلم باحكام أصول الدين; كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى وصفاته والاعتقاد بالنبوة والإمامة والمعاد ونحوها، فإنها تسمى أحكاما شرعية أصولية.
وخرج أيضا العلم باحكام أصول الفقه كحجية ظواهر الكتاب وخبر العدل ونحوهما فإنه لا يسمى بعلم الفقه بل هو علم الأصول والمراد من الأحكام الشرعية أعم من الواقعية والظاهرية; فتدخل الأحكام الواقعية المستفادة من نصوص الكتاب الكريم والأخبار المتواترة والاجماعات القطعية ونحوها، والاحكام الظاهرية التكليفية أو الوضعية المستفادة من اخبار الآحاد وسائر الامارات على السببية ومن الأصول العملية الشرعية.
ودخل بعطف الوظائف ما يحصله الفقيه من الامارات الشرعية بناء على الطريقية ومن الامارات والأصول العقلية كلزوم اتباع الظن الانسدادي عقلا على الحكومة، والحكم بعدم فعلية التكليف أو الامن من العقاب في البراءة العقلية، ولزوم العمل بالاحتياط في مسألة الاشتغال.
والتقييد بالأدلة التفصيلية لاخراج علم المقلد باحكامه ووظائفه فان علومه مستفادة من التعبد بقول مقلده، وليست مأخوذة عن الأدلة التفصيلية.
والمراد من تلك الأدلة كتاب الله العزيز من نصوصه وظواهره والسنة الواردة عن المعصوم " عليه السلام " بشتى أصنافها والاجماع والعقل وقد مر شرح كل واحد تحت عنوانه.
تنبيهان:
الأول: الفقه والاجتهاد اصطلاحان مترادفان وقد يفرق بينهما باستعمال كل واحد في معنى يناسب معناه اللغوي، فيقال ان الاجتهاد تحصيل الحجة واقامتها على الاحكام والفقه هو العلم بتلك الاحكام في الغالب، فمعناهما متلازمان، ويطلق على المستنبط لعلة جهده واستفراغ وسعه في إقامة الحجة المجتهد، ومن جهة حصول العلم له فقيها.
فعلم أن الأصولي والمجتهد والفقيه عناوين مترتبة حسب الترتب التكويني، فان الباحث عن الاحكام يثبت أولا حجية خبر العدل مثلا فيكون أصوليا، ثم يتفحص ويحصل خبرا دالا على وجوب الجمعة فيكون مجتهدا ثم يحصل له العلم بذاك الحكم الشرعي فيكون فقيها.
الثاني: ما عرفنا به الفقه هو تعريف الأكثرين ويخرج عنه جميع المباحث الواقعة في الفقه في تشخيص الموضوعات، لا سيما الموضوعات المستنبطة، كالبحث عن ماهية العبادات واجزائها وشرائطها وموانعها وقواطعها، وكذا البحث عن سائر الموضوعات العرفية في موارد الحاجة إلى تشخيص بعض مصاديقها كالمعدن والوطن والصعيد ونحوها، مع كون البحث عنها في العبادات أكثر من البحث عن احكامها غالبا، والالتزام بالاستطراد فيها بعيد فينبغي القول بدخول تلك البحوث في هذا العلم، ويضاف إلى التعريف قيد - أو موضوعاتها المستنبطة أو ما أشبهها - مثلا.
قاعدة التجاوز هي الحكم بوجود عمل شك في وجوده بعد التجاوز عن محله والدخول في غيره أو بعدما خرج وقته، فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها الشك في الوجود وانه هل أوجده أم لا ومحمولها الحكم بالوجود وترتيب آثاره، فإذا شك المصلى في أنه أتى بالقراءة أم لا وهو في الركوع أو شك في الركوع وهو في السجود أو شك في السجود وهو قائم منتصب، يحكم بأنه أوجدها ويمضى في صلاته والشك حينئذ في الوجود بعد تجاوز محل المشكوك; وكذا لو شك بعد طلوع الشمس في أنه هل أتى بصلاة الصبح أم لا حكم بالاتيان وفراغ الذمة، وهذا من قبيل الشك في الوجود بعد خروج الوقت.
ثم إن الدليل عليها هو بناء العقلاء في اعمالهم وامضاء الشارع له بقوله: " كل شئ شك فيه مما جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " وقوله: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وقوله: " متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها صليتها وان شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك ".
تنبيهان:
الأول: حيث إن مورد هذه القاعدة الشك في الوجود ومورد قاعدة الفراغ الشك في الصحة كما سيجئ تكون النسبة بين القاعدتين العموم من وجه موردا، فإنه قد يوجد مورد تجرى فيه هذه دون تلك القاعدة; كما إذا شك في إتيان الركوع بعد الدخول في السجود وقد يوجد مورد تجرى فيه تلك القاعدة دون هذه، كما إذا شك في صحة صلاته من جهة انه زاد جزء أم لا أو جهر في موضع الاخفات عمدا أم لا، وقد يوجد مورد يمكن التمسك بكلتا القاعدتين كما إذا شك في صحة صلاته من جهة انه أتى بالركوع أم لا فيحكم بصحة الصلاة باجراء قاعدة التجاوز في الركوع أو اجراء قاعدة الفراغ في نفس العمل لولا القول بالسببية والمسببية.
الثاني: لا اشكال في عدم جريان هذه القاعدة في اجزاء الطهارات الثلث فإذا شك المتوضئ في غسل الوجه وقد شرع في غسل اليدين، أو شك الجنب في غسل الرأس وقد دخل في غسل الطرف الأيمن مثلا لا يجوز له عدم الاعتناء، والبناء على اتيانه بالجزء السابق بل اللازم إعادة الجزء على ما يحصل به الترتيب، الا ان الكلام في أنه هل القاعدة جارية في اجزاء كل عمل ذي اجزاء كجريانها في الصلاة خرج عنها اجزاء الطهارات الثلث تخصيصا أو انها مخصوصة باجزاء الصلاة فقط ولا دليل عليها بنحو العموم، فاجزاء الطهارات كاجزاء غيرها خارجة تخصصا وجهان لا يخلو ثانيهما من رجحان.