الغلبة هي في الاصطلاح عبارة عن مشاركة أغلب افراد الكلى في صفة من الصفات بحيث يظن بكون ذلك من آثار الطبيعة الصادقة عليها وانها العلة في اتصاف المصاديق بها.
وثمرتها انه إذا شك في وجود هذا الحكم أو الصفة في فرد من افراد هذا الكلى يحكم على الفرد المشكوك بما وجد في أغلب افراده من الحكم والصفة.
فظهر ان انتاج الغلبة موقوف على أمور ثلاثة:
أولها: وجود افراد غالبة تشترك في صفة من الأوصاف كالبياض والسواد مثلا.
ثانيها: وجود جامع بينها يظن بكونه السبب في اتصاف تلك الافراد بها بحيث لو وجد فرد على الخلاف لكان على وجه الندرة والشذوذ.
ثالثها: وجود فرد مشكوك اللحوق بالغالب ليلحق به بواسطة الغلبة.
مثالها في غير الشرعيات انا إذا رأينا أكثر افراد الانسان الزنجي اسود على وجه ظننا ان الزنجية هي العلة في ثبوت السواد فإذا شككنا في زنجي انه اسود أو ابيض نحكم بكوه اسود وانه واجد لتلك الصفة الحاقا له بالأعم الأغلب.
ومثالها في الشرعيات انا إذا وجدنا أغلب افراد الصلاة يؤدى إلى القبلة بحيث ظننا ان العلة في ذلك هي الصلاتية فلو شككنا في صلاة كالنافلة المأتي بها قائما مثلا انها تؤدى إلى القبلة أم لا حكمنا بعدم الجواز إلى غيرها ثم إن الغلبة ليست بحجة ما لم تفد الاطمينان بالحكم الشرعي.
الفقه الفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية أو تحصيل الوظائف العملية عن الأدلة التفصيلية.
فخرج بقيد الفرعية العلم باحكام أصول الدين; كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى وصفاته والاعتقاد بالنبوة والإمامة والمعاد ونحوها، فإنها تسمى أحكاما شرعية أصولية.
وخرج أيضا العلم باحكام أصول الفقه كحجية ظواهر الكتاب وخبر العدل ونحوهما فإنه لا يسمى بعلم الفقه بل هو علم الأصول والمراد من الأحكام الشرعية أعم من الواقعية والظاهرية; فتدخل الأحكام الواقعية المستفادة من نصوص الكتاب الكريم والأخبار المتواترة والاجماعات القطعية ونحوها، والاحكام الظاهرية التكليفية أو الوضعية المستفادة من اخبار الآحاد وسائر الامارات على السببية ومن الأصول العملية الشرعية.
ودخل بعطف الوظائف ما يحصله الفقيه من الامارات الشرعية بناء على الطريقية ومن الامارات والأصول العقلية كلزوم اتباع الظن الانسدادي عقلا على الحكومة، والحكم بعدم فعلية التكليف أو الامن من العقاب في البراءة العقلية، ولزوم العمل بالاحتياط في مسألة الاشتغال.
والتقييد بالأدلة التفصيلية لاخراج علم المقلد باحكامه ووظائفه فان علومه مستفادة من التعبد بقول مقلده، وليست مأخوذة عن الأدلة التفصيلية.
والمراد من تلك الأدلة كتاب الله العزيز من نصوصه وظواهره والسنة الواردة عن المعصوم " عليه السلام " بشتى أصنافها والاجماع والعقل وقد مر شرح كل واحد تحت عنوانه.
تنبيهان:
الأول: الفقه والاجتهاد اصطلاحان مترادفان وقد يفرق بينهما باستعمال كل واحد في معنى يناسب معناه اللغوي، فيقال ان الاجتهاد تحصيل الحجة واقامتها على الاحكام والفقه هو العلم بتلك الاحكام في الغالب، فمعناهما متلازمان، ويطلق على المستنبط لعلة جهده واستفراغ وسعه في إقامة الحجة المجتهد، ومن جهة حصول العلم له فقيها.
فعلم أن الأصولي والمجتهد والفقيه عناوين مترتبة حسب الترتب التكويني، فان الباحث عن الاحكام يثبت أولا حجية خبر العدل مثلا فيكون أصوليا، ثم يتفحص ويحصل خبرا دالا على وجوب الجمعة فيكون مجتهدا ثم يحصل له العلم بذاك الحكم الشرعي فيكون فقيها.
الثاني: ما عرفنا به الفقه هو تعريف الأكثرين ويخرج عنه جميع المباحث الواقعة في الفقه في تشخيص الموضوعات، لا سيما الموضوعات المستنبطة، كالبحث عن ماهية العبادات واجزائها وشرائطها وموانعها وقواطعها، وكذا البحث عن سائر الموضوعات العرفية في موارد الحاجة إلى تشخيص بعض مصاديقها كالمعدن والوطن والصعيد ونحوها، مع كون البحث عنها في العبادات أكثر من البحث عن احكامها غالبا، والالتزام بالاستطراد فيها بعيد فينبغي القول بدخول تلك البحوث في هذا العلم، ويضاف إلى التعريف قيد - أو موضوعاتها المستنبطة أو ما أشبهها - مثلا.
قاعدة التجاوز هي الحكم بوجود عمل شك في وجوده بعد التجاوز عن محله والدخول في غيره أو بعدما خرج وقته، فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها الشك في الوجود وانه هل أوجده أم لا ومحمولها الحكم بالوجود وترتيب آثاره، فإذا شك المصلى في أنه أتى بالقراءة أم لا وهو في الركوع أو شك في الركوع وهو في السجود أو شك في السجود وهو قائم منتصب، يحكم بأنه أوجدها ويمضى في صلاته والشك حينئذ في الوجود بعد تجاوز محل المشكوك; وكذا لو شك بعد طلوع الشمس في أنه هل أتى بصلاة الصبح أم لا حكم بالاتيان وفراغ الذمة، وهذا من قبيل الشك في الوجود بعد خروج الوقت.
ثم إن الدليل عليها هو بناء العقلاء في اعمالهم وامضاء الشارع له بقوله: " كل شئ شك فيه مما جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " وقوله: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وقوله: " متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها صليتها وان شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك ".
تنبيهان:
الأول: حيث إن مورد هذه القاعدة الشك في الوجود ومورد قاعدة الفراغ الشك في الصحة كما سيجئ تكون النسبة بين القاعدتين العموم من وجه موردا، فإنه قد يوجد مورد تجرى فيه هذه دون تلك القاعدة; كما إذا شك في إتيان الركوع بعد الدخول في السجود وقد يوجد مورد تجرى فيه تلك القاعدة دون هذه، كما إذا شك في صحة صلاته من جهة انه زاد جزء أم لا أو جهر في موضع الاخفات عمدا أم لا، وقد يوجد مورد يمكن التمسك بكلتا القاعدتين كما إذا شك في صحة صلاته من جهة انه أتى بالركوع أم لا فيحكم بصحة الصلاة باجراء قاعدة التجاوز في الركوع أو اجراء قاعدة الفراغ في نفس العمل لولا القول بالسببية والمسببية.
الثاني: لا اشكال في عدم جريان هذه القاعدة في اجزاء الطهارات الثلث فإذا شك المتوضئ في غسل الوجه وقد شرع في غسل اليدين، أو شك الجنب في غسل الرأس وقد دخل في غسل الطرف الأيمن مثلا لا يجوز له عدم الاعتناء، والبناء على اتيانه بالجزء السابق بل اللازم إعادة الجزء على ما يحصل به الترتيب، الا ان الكلام في أنه هل القاعدة جارية في اجزاء كل عمل ذي اجزاء كجريانها في الصلاة خرج عنها اجزاء الطهارات الثلث تخصيصا أو انها مخصوصة باجزاء الصلاة فقط ولا دليل عليها بنحو العموم، فاجزاء الطهارات كاجزاء غيرها خارجة تخصصا وجهان لا يخلو ثانيهما من رجحان.
قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وقع الاختلاف بين العلماء في أنه هل يحكم العقل بحسن الأفعال وقبحها أو انه لا يحكم بشئ من الحسن والقبح، بل هو منعزل عن منصب الحكومة والقضاوة وليس ذلك من حقه ولا هو من وظيفته.
والمراد من حكم العقل ادراكه فان المعروف انه ليس للعقل بعث وزجر بل انما وظيفته ادراك كون الشئ حسنا وكونه قبيحا.
والمراد من الحسن كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح ومن القبح كونه بحيث يستحق فاعله الذم.
وحاصل النزاع حينئذ انه هل تتصف للأشياء لدى العقل بحسن وقبح يدركهما ويحكم بهما حكما جاز ما فيمدح فاعل الحسن ويذم فاعل القبيح، أم لا تتصف بهما عنده، والنزاع في هذه المسألة وقع بين أصحابنا الامامية (ره) والمعتزلة وبين الأشاعرة، فذهب الفريق الأول إلى الوجه الأول والفريق الثاني إلى الوجه الثاني.
قال صاحب الكفاية في مقام اثبات مختار أصحابنا الامامية ما ملخصه، والحق الذي عليه قاطبة اهل الحق هو الأول، فإنه كما يختلف الأحجار والأشجار وسائر الجمادات والنباتات في الخير والشر والنفع والضر تفاوتا فاحشا أكثر مما بين السماء
والأرض، فكذا أفعال الناس بالنسبة إلى حكم العقل فأين الضرب المورث للحزن والغم من الاحسان الموجب للفرح والسرور، وكما ان المسموعات بعضها يلائم القوة السامعة وبعضها ينافرها وكذا المبصرات والمذوقات وغيرها، فكذلك المدركات بالنسبة إلى القوة العاقلة التي هي رئيس تلك القوى فان لبعض الأفعال بحسب خصوصيات وجوده نفعا وضرا وخيرا وشرا موجبة لاختلافها في الملائمة للقوة العاقلة والمنافرة، ومع هذا لا يبقى مجال لانكار الحسن والقبح عقلا إذ لا نعنى بهما الا كون الشئ في نفسه ملائما للعقل فيعجبه أو منافرا فيضربه فيوجبان ذلك صحة مدح الفاعل وصحة قدحه انتهى.
واما الأشاعرة فوجه انكارهم الحسن والقبح اما في أفعاله تعالى فلبنائهم على أن كلما فعله تعالى فهو صدر منه في محله، لأنه مالك الخلق كله، فلو أثاب العاصي وعاقب المطيع لم يأت بقبيح لأنه تصرف في مملكته ومحل سلطنته لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، واما في أفعال العباد فلبنائهم على عدم صدور الأفعال منهم بالاختيار بل بالجبر والاضطرار ولا شئ من أفعال المجبور متصف بحسن ولا قبح، وكلا البنائين باطلان لان قدرته تعالى لا يصير الحسن العقلي فقبيحا ولا القبيح العقلي حسنا وأفعال العباد اختيارية على الغالب كما يشهد به الوجدان.
تنبيه:
تنقسم الأفعال الاختيارية للمكلفين بناء على قول الإمامية والمعتزلة إلى أقسام ثلثة، ما يدرك العقل حسنه، وما يدرك قبحه، وما لا يدرك له حسنا ولا قبحا ولا يحكم فيه بشئ، هذا بالنسبة إلى عقولنا القاصرة غير المحيطة بجهات الخير والشر والمصلحة والمفسدة، واما العقول الكاملة المحيطة بجميع جهات الأفعال وملاكاتها كالموجودة في النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأوصيائه " عليهم السلام " فتقسم عندها إلى ما هو حسن واقعا وما هو قبيح كذلك وما ليس له حسن ولا قبح، ولعل الصحيفة المكتوبة فيها جميع الاحكام الموروثة من امام إلى امام كناية عن عقلهم " عليهم السلام " المنعكس فيه جميع الكائنات على ما هي عليه وكذا الجفر وغيره.