الكتاب والقرآن والمصحف والفرقان هذه الألفاظ الشريفة حقيقة بالفعل في الكلام الذي نزل به الروح الأمين على قلب نبينا الأعظم " صلى الله عليه وآله " بلسان عربي مبين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وهو يشتمل على آيات محكمات واخر متشابهات فمحكماته هي النصوص والظواهر، ومتشابهاته ما هو مجمل ليس له ظاهر.
ثم إنه لا اشكال في جواز العمل بالمحكمات، ولا يصغى إلى ما صدر عن بعض من المنع عن التمسك بالكتاب العزيز فإنهم عزلوا العقل أيضا عن الحكم والقضاء; وليت شعري فماذا يبقى لنا بعد عزل عقولنا واخذ كتابنا، وهل هذا الا جناية على العقل وخيانة للكتاب.
ويستدل على الحجية بأمور:
منها: قول مولانا علي " عليه السلام " في نهج البلاغة: " وانزل عليه - أي على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " القرآن ليكون إلى الحق هاديا; وبرحمته بشيرا، فالقرآن آمر زاجر وصامت ناطق، حجة الله على خلقه اخذ عليهم ميثاقه " الخ.
ومنها: خبر الثقلين حيث قال: " صلى الله عليه وآله ": " ما ان تمسكتم بهما لن
تضلوا " فامر بالتمسك بالكتاب وأهل البيت.
ومنها: الاخبار الكثيرة الآمرة: " يعرض كل حديث على كتاب الله فما وافقه فخذوه وما خالفه فاضربوه على الجدار " فلو لم تكن الظواهر حجة فكيف يمكن عرض الاخبار عليه والحكم بصحتها وسقمها.
ومنها: الاخبار الكثيرة الواردة عن الأئمة " عليهم السلام " ارشادا لأصحابهم إلى التمسك بالقرآن واستفادة الحكم عنه كقول مولانا الصادق " عليه السلام ": " يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله "، وغيرها من الاخبار.
تنبيه:
حجية ظواهر الكتاب على ما ذكرنا ليست الا كحجية سائر الأدلة والامارات من السنة والاجماع والعقل، مشروطة بالفحص عن المعارضات وسائر القرائن الصارفة عن الظهور من الحاكم والمخصص والمقيد وغيرها، فكما انه لا يجوز للمستدل بتلك الأدلة التمسك بها قبل الفحص واليأس عن الظفر بالمخالف فكذلك الكتاب العزيز، للقطع بورود التخصيص والتقييد وسائر الصوارف على عدة من ظواهره.
نعم لا بأس بالتمسك بما كان نصا من آياته بلا حاجة إلى الفحص فان دلالة النصوص كأصل السند غير قابلة لرفع اليد عنها فيحصل القطع بعدم وجود المعارض لها، الا ان الكلام في تشخيص ما هو نص عما هو ظاهر فعلى المستدل التحرى التام حتى لا يقع في الاشتباه والخطاء.
مجارى الأصول اعلم أن المكلف إذا توجه والتفت إلى حكم من احكام أفعاله فلا يخلو حاله عن أحد أقسام ثلاثة:
الأول: ان يحصل له القطع بذلك الحكم، ووظيفته حينئذ بحكم العقل العمل بقطعه والجري على وفق علمه ويسمى هذا المكلف بالقاطع والعالم.
الثاني: أن لا يحصل له العلم به بل يقوم عنده طريق معتبر إلى حكمه من خبر عدل أو ثقة أو اجماع أو شبهها، وحكمه أيضا ان يعمل على طبق طريقه ويسمى هذا بمن قام عنده الطريق.
الثالث: أن لا يحصل له العلم ولا يقوم عنده طريق معتبر، ويسمى بالجاهل والشاك وهو الذي يجرى في حقه الأصول العملية، الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير، فإنه اما أن يكون للحكم الذي شك فيه حالة سابقة أم لا فعلى الأول يتحقق مجرى الاستصحاب وعلى الثاني فاما أن يكون الشك في التكليف أو في المكلف به مع العلم بالتكليف، فعلى الأول يتحقق مجرى البراءة، وعلى الثاني فاما ان يمكن فيه الاحتياط أم لا فعلى الأول يتحقق مجرى الاحتياط، وعلى الثاني مجرى التخيير.
ثم إنه قد ظهر من هذا التقسيم ان للاستصحاب شرطا واحدا وهو ملاحظة الحالة السابقة، وللبراءة شرطين وهما عدم ملاحظة الحالة السابقة وكون الشك في التكليف، وللاحتياط شروطا ثلاثة; عدم ملاحظة الحالة السابقة وكون الشك في المكلف به وامكان الاحتياط، وللتخير أيضا شروطا ثلاثة: عدم ملاحظة الحالة السابقة وكون الشك في المكلف به وعدم امكان الاحتياط.
تنبيهات: الأول: ان الجاهل والشاك اما أن يكون شاكا في الحكم التكليفي أو في الحكم الوضعي أو في متعلقات الاحكام.
اما الأول: فهو الذي يجرى في حقه الأصول المذكورة، وحصر الأصول العملية في الأربعة المشهورة انما هو بالنسبة إليه فلا يجرى في حقه غير تلك الأصول.
واما الثاني: كمن شك في الطهارة والنجاسة والصحة والفساد والملكية والزوجية والحرية والرقية وغيرها، فلا يجرى في حقه من تلك الأصول غير الاستصحاب وله أصول اخر كأصالة الطهارة وأصالة الصحة وأصالة الفساد وأصالة الحرية وأصالة التحقق المسماة بقاعدة التجاوز، ولم يتعرض بعض المحققين لتلك الأصول ومجاريها في أول الباب زعما منه ان مباحثها قليلة وانها تختص ببعض الأبواب.
واما متعلقات الاحكام وموضوعاتها فلا يجرى فيها من الأصول الأربعة الا الاستصحاب، ويجرى فيها بعض الأصول الاخر والامارات كالقرعة واليد وخبر العدل ونحوها.
الثاني: ان ما ذكرنا من المجاري للأصول العملية انما هو بيان لخصوص مجاريها بنحو الاجمال واما بيان نفس تلك الأصول وانها احكام شرعية أو عقلية وبيان مجاريها تحقيقا وتفصيلا فهو موكول إلى شرح حال ذلك الأصل تحت عنوانه الخاص فراجع تلك العناوين لتكون على بصيرة منها.
المجمل والمبين والظاهر والمأول والمحكم والمتشابه والنص والصريح اما المجمل: فهو اللفظ الذي ليس له ظهور بالفعل ولو كان ذلك بسبب اكتنافه بما أوجب اجماله وابهامه، وأقسامه كثيرة.
فمنها: المجمل بالذات كأوائل السور القرآنية من (ق) و (ن) وغيرهما.
ومنها: المشترك اللفظي الذي لا قرينة على تعيين بعض معانيه كقوله تعالى:
" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء " فان لفظة قرء مشتركة بين الطهر والحيض فلا يدرى من ظاهر القرآن كون أيام التربص والعدة أطهار ثلثة أو حيضات ثلث.
ومنها: المشترك المعنوي في بعض الموارد، كقوله تعالى: " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " فلا يعلم ان المراد من الموصول الزوج أو ولى المرأة.
ومنها: العام والمطلق المقترنان بمخصص مجمل أو مقيد كذلك كما إذا قال أكرم العلماء الا فساقهم، وتردد امر الفاسق بين مرتكب مطلق الذنب ومرتكب الكبيرة فقط فيكون العام بالنسبة إلى اهل الصغائر مجملا.
ومنها: كل لفظ اقترن بما يصلح لصرفه عن ظاهره فحصل الاجمال بسببه.
واما المبين: فهو ما كان ظاهر الدلالة على المعنى المقصود وينقسم إلى قسمين:
الأول: النص وهو الظاهر البالغ في ظهور دلالته إلى حيث لا يقبل التأويل عند
أهل العرف بل يعدون التأويل له قبيحا خارجا عن رسوم المحاورة كقوله يجب اكرام زيد فحمل الوجوب على الإباحة أو الاكرام على الإهانة أو زيد على عدوه ببعض التأويلات لا يقبله أهل العرف ويرادفه الصريح أيضا.
الثاني: الظاهر وهو اللفظ الذي له ظهور قابل للتأويل بسبب القرائن كالعام والمطلق ونحوهما.
واما المأول: فهو اللفظ الذي خرج عن ظهوره الذاتي وأريد منه خلاف ظاهره بواسطة القرينة، فيدخل فيه كل لفظ علم استعماله في غير ما وضع له بقرينة حالية أو مقالية.
فمنه: العام الذي علم تخصيصه، والمطلق الذي علم تقييده.
ومنه: أيضا قوله تعالى: " وجاء ربك والملك صفا صفا " وقوله تعالى: " وعصى آدم ربه فغوى " وقوله تعالى: " يضل من يشاء " وغيرها.
واما المحكم والمتشابه، فالأول يساوق المبين والثاني يساوق المجمل.
المخصص ويطلق عليه الخاص أيضا وهو في الاصطلاح عبارة عن الدليل الواقع في مقابل ما هو أعم منه موردا عموما مطلقا، بحيث يكون غالبا أقوى دلالة منه ويصير سببا لرفع اليد عن حكمه وترك العمل به، وقد يطلق على أحد العامين من وجه إذا قدمناه على الاخر وخصصناه به كما إذا قدمنا قوله أكرم العلماء على قوله لا تكرم الفساق لقوة دلالته في مورد الاجتماع.
وينقسم بتقسيمات:
الأول: تقسيمه إلى المخصص اللفظي والمخصص اللبي.
فاللفظي هو ما كان لفظا كما إذا ورد لا تكرم فساق العلماء بعد ورود اكرام كل عالم; واللبي هو ما كان من قبيل المعنى ولا قالب لفظي له فكأنه لب لا قشر له كما إذا قام الاجماع أو دلت سيرة العلماء أو العقلاء على عدم لزوم اكرام الفاسق في المثال السابق، وكذا إذا قال المولى أكرم جيراني وحكم العقل بقبح اكرام من كان منهم عدوا للمولى، فالاجماع والسيرة وحكم العقل من المخصصات اللبية.
الثاني: تقسيمه إلى المبين والمجمل.
والثاني ينقسم إلى أقسام أربعة لأنه اما أن يكون مجملا مفهوما أو مجملا مصداقا و
على التقديرين اما أن يكون مرددا بين الأقل والأكثر أو مرددا بين المتباينين فجميع الأقسام خمسة فمثال المبين مبين واضح.
واما مثال المجمل المفهومي المردد بين الأقل والأكثر فكما إذا ورد أكرم العلماء وورد أيضا لا تكرم الفساق منهم، وحصل الشك في أن الفاسق هل هو مطلق من ارتكب المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، أو هو خصوص مرتكب الكبيرة، فإذا فرضنا العلماء مئة والمرتكبين للكبيرة منهم عشرين وللصغيرة عشرة، فالمخصص مردد بين عشرين وثلاثين من حيث اجمال المفهوم والقدر المتيقن عشرون والمشكوك عشرة، والحكم هنا بناء على المشهور الرجوع إلى عموم العام على غير ما كان متيقنا من المخصص.
ومثال المجمل المفهومي المردد بين المتباينين، كما لو قال المولى لا تكرم زيدا في المثال السابق مع كونه مشتركا بين رجلين، وحكمه عدم جواز التمسك بالعام في كلا الفردين والرجوع إلى الأصول العملية، من برائة واحتياط وتخيير.
ومثال المجمل المصداقي المردد بين الأقل والأكثر، ما لو علم في المثال الأول بان المراد من الفاسق هو اهل الكبائر دون الصغائر، وعلم أيضا بان عشرين منهم قد ارتكبوا للكبيرة وشك في ارتكاب عشرة آخرين فالمخصص مردد بين عشرين وثلثين من حيث اشتباه المصداق، وفى جواز التمسك في العشرة المشكوكة بعموم العام أو عدمه ولزوم الرجوع إلى الأصول العملية وجهان أشهر هما الثاني.
ومثال المجمل المصداقي المردد بين المتباينين، ما لو علم معنى الفاسق وعلم اجمالا فسق أحد الرجلين وحكمه حكم المفهومي من المتباينين.
الثالث: تقسيمه إلى المتصل والمنفصل.
والأول: هو المقارن للعام بنظر العرف من وصف أو بدل أو شرط أو استثناء، كما إذا ورد أكرم كل عالم عادل، أو أكرم عالم عدولهم، أو ان كانوا عدولا، أو الا فساقهم.
والثاني: ما كان في كلام مستقل بحيث لا يصح عند العرف عده جزء من العام أو من متمماته، سواء أكان صدوره قبل العام أم بعده، طالت المدة الفاصلة بينهما أو