أو الجمعة فهو إذا أتى بالظهر مثلا وفرضنا ان الواجب واقعا في حقه هو الظهر، فحينئذ وان حصل به الامتثال واقعا لكنه لم يحصل له العلم بذلك فإذا أتى بالجمعة يحصل له العلم بالامتثال فيكون اتيان المحتملات مقدمة للعلم بامتثال التكليف لا لنفس الامتثال والعلم بالامتثال واجب عقلا كنفس الامتثال فتكون مقدمته كذلك.
الخامس: انقسامها إلى الموصلة وغير الموصلة.
بيانه: ان القائلين بوجوب المقدمة وكونها واجبة بوجوب غيرى مترشح من الوجوب النفسي اختلفوا في اطلاق تعلق الوجوب بها واطلاق انصافها بصفة الوجوب أو تقيدهما بقيد على أقوال:
الأول: كون وجوبها الغيرى مشروطا بقصد اتيان ذي المقدمة، فإذا قصد المكلف الاتيان بالصلاة مثلا صارت مقدماتها واجبة وإلا فلا، فقصد الاتيان بذي المقدمة بالنسبة إلى وجوب المقدمة من قبيل الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، فعلى هذا يكون وجوب الصلاة بعد دخول الوقت مطلقا ووجوب مقدماتها مشروطا بإرادة الصلاة وهذا نوع من القول بالمقدمة الموصلة ومعناه ان المقدمة ان قصد بها الوصول إلى ذي المقدمة تعلق بها الوجوب وإلا فلا، وهذا مختار صاحب المعالم (قده).
الثاني: ان الوجوب المتعلق بها وان كان مطلقا الا ان اتصافها بصفة الوجوب مشروط بقصد الوصول إلى ذيها، وعليه إذا دخل الوقت لصلاة الظهر مثلا; فكما يتعلق الوجوب النفسي بالصلاة يتعلق الوجوب الغيرى أيضا بمقدماتها من غسل الثوب والوضوء ونحوهما، الا انه متعلق بالمقدمة المقصود بها التوصل لا بغيرها، والفرق بينه وبين سابقه ان قصد الوصول كان هناك شرطا للوجوب فقبل تحقق القصد لا وجوب أصلا وهو هنا شرط للواجب والمقدمة الموصلة وغير الموصلة بهذا المعنى نظير المقدمة المحللة والمحرمة; فكما أن الوجوب الغيرى لا يتعلق الا بالمحللة دون المحرمة فكذا لا يتعلق هنا الا بالمقصود بها التوصل دون غيرها وهذا مختار الشيخ (ره).
وتظهر الثمرة بينهما فيما إذا نذر الشخص بأنه متى توجه إليه وجوب غيرى تصدق بدرهم، فإذا دخل وقت الصلاة في المثال ولم يقصد اتيانها لم يتوجه إليه وجوب غيرى أصلا فلا يجب التصدق على قول صاحب المعالم (ره)، وتوجه إليه ذلك ووجب التصدق
على مختار الشيخ (ره).
الثالث: القول باطلاق الوجوب الغيرى كسابقه الا ان اتصاف المقدمة بالوجوب مشروط بترتب ذي المقدمة عليها وتحققه بعدها، سواء قصد الوصول إليه أم لا وسواء كان تحققه بعدها اتفاقيا أو لاجل كون هذه المقدمة علة تامة لحصوله; والشرط هنا أيضا من قبيل شرط الواجب لا شرط الوجوب الا ان الشرط في سابقه كان قصد الوصول وهنا نفسه، فإذا أتى الشخص بالمقدمة مع عدم قصده الاتيان بالواجب كأن غسل ثوبه النجس لا لغرض اتيان الصلاة ثم بدا له في فعلها واتى بها اتصف الغسل بالوجوب الغيرى بناء على هذا الوجه ولم يتصف به على الوجه السابق وهذا مختار صاحب الفصول (ره).
الرابع: اطلاق الوجوب أيضا الا انه مترتب على خصوص المقدمة المستلزمة لوجود ذي المقدمة والعلة التامة له، فيختص الوجوب بالعلة التامة من بين المقدمات، ففي الأفعال الاختيارية لا يتصف بالوجوب من مقدماتها الا إرادة المكلف ان قلنا بصحة تعلق الوجوب بها إذ هي العلة التامة للفعل دون غيرها; وفى الأفعال التوليدية كالقتل بالتسبيب مثلا تتصف به المقدمة الأخيرة كرمى السهم والالقاء في النار والماء، وهذا هو المعنى الرابع للمقدمة الموصلة وهو الذي أورده صاحب الكفاية على الفصول بأنه يلزمه القول بوجوب ذلك.
الموافقة والمخالفة يلاحظ كل واحد من العنوانين في الاصطلاح منسوبا إلى تكاليف الآمر ومضافا إليها فالمراد بها ههنا موافقة الأحكام الشرعية ومخالفتها.
ثم إن كلا منهما اما ان يلاحظ في العمل أعني فعل الجوارح أو في الالتزام أعني فعل القلب والجوانح، ويسمى الأول بالموافقة والمخالفة العمليتين والثاني بالموافقة والمخالفة الالتزاميتين، وعلى التقادير اما ان تكون قطعية أو احتمالية فالأقسام ثمانية فإذا اعتقد المكلف بوجوب دفن ميت مثلا فتركه وذهب بسبيله فهو مخالفة عملية قطعية، وإذا لم يعتقده قلبا لكنه دفنه خوفا منه أو كراهة لرائحته فهو مخالفة قطعية التزامية، وإذا لم يعتقد ولم يدفن مع قيام الدليل على وجوب دفنه فهما مخالفتان قطعيتان عملية والتزامية، ولو اعتقد بعد حصول العلم الاجمالي بوجوب الظهر والجمعة وجوب إحديهما فاتى بها ولم يعتقد وجوب الأخرى فتركها حصلت الموافقة الاحتمالية العملية والالتزامية بالنسبة إلى ما أتى بها والمخالفة الاحتمالية كذلك بالنسبة إلى الأخرى.
تنبيهات:
الأول: لا اشكال ولا خلاف في حرمة المخالفة العملية للاحكام الفرعية
واستحقاق العقوبة عليها عقلا وهو واضح، كما أنه لا اشكال في حرمة المخالفة الالتزامية للاحكام الأصولية الاعتقادية، فإذا وجب عقد القلب على كون المعاد والمعراج جسمانيين كان ترك الاعتقاد بهما مخالفة التزامية وعصيانا; واما حرمة المخالفة الالتزامية ووجوب موافقتها بالنسبة إلى الأحكام الفرعية ففيه خلاف واشكال، والمشهور عدمها إذ لا يستفاد من قوله أدفن الميت مثلا الا وجوب الدفن خارجا وحرمة تركه عملا لا لزوم الاعتقاد بوجوبه قلبا مضافا إلى العمل خارجا، فلو دفن الميت لم يكن مستحقا للعقاب ولو لم يعتقد قلبا بل فعله اقتراحا، كما أنه لو تركه لم يستحق العقاب الا على تركه عملا اللهم الا ان تستلزم المخالفة الالتزامية المخالفة العملية كما في العبادات.
وبعبارة أخرى لا يخلو حال المكلف عن أحد أمور أربعة: العمل خارجا والالتزام قلبا وترك العمل والالتزام معا وفعل الأول وترك الثاني وعكسه، فعلى القول بوجوب الالتزام مضافا إلى العمل يلزم استحقاقه لثوابين في الأول ولعقابين في الثاني ولثواب وعقاب في الثالث والرابع; وهذا خلاف عمل العقلاء وبنائهم في التكليف الواحد فيرون المكلف مستحقا لثواب واحد في الأول والثالث ولعقاب واحد في الثاني والرابع، فنعلم حينئذ ان الملاك في الثواب والعقاب هو العمل لا الاعتقاد.
الثاني: المراد من الالتزام المذكور هو البناء الباطني والعقد القلبي وفى اتحاد هذا المعنى مع العلم أو مغايرته له أقوال:
أحدها: مغايرته له بمعنى كونه قلبيا اختياريا يجتمع مع العلم بالمعتقد والشك فيه ويمكن تركه ولو مع وجود اليقين، فالشك في وجوب الجمعة مثلا امر وعقد القلب عليه امر آخر، والأول قهري الحصول والزوال غالبا والثاني اختياري دائما، وكذا اليقين بوجوبها امر والالتزام به وعدم الالتزام امر آخر، فبينهما تباين ذاتا وعموم من وجه تحققا.
ثانيها: انه عين العلم بالحكم ولا نتعقل معنى للالتزام الباطني وعقد القلب على الوجوب مثلا سوى العلم به.
ثالثها: انه وان كان غير العلم الا انه لا يتحقق الا في مورد العلم دون الشك
والظن فإذا علم بشئ أمكن عقد القلب عليه.
الثالث: لا اشكال في امكان الموافقة العملية القطعية ومخالفتها في غالب موارد العلم بالتكليف وقد يوجد مورد لا يمكن فيه الموافقة العملية القطعية ولا المخالفة كذلك، وهو مورد دوران الامر بين وجوب فعل وحرمته، فإذا علم المكلف اجمالا بان دفن الميت المنافق اما واجب واما حرام. فلا يعقل ان يعمل عملا تحصل به الموافقة القطعية أو المخالفة القطعية بل هو اما ان يفعل أو أن يترك وعلى كل منهما يحصل احتمال الموافقة والمخالفة.
واما الموافقة والمخالفة الالتزاميتان فهما ممكنتان حتى في مورد الدوران بين المحذورين أيضا ففي مثال الدفن يلتزم قلبا بما هو حكم الله في الواقع إذ لا يشترط في الالتزام بحكم العلم بذلك تفصيلا فتكفي الموافقة اجمالا.
ولو قلنا باشتراط ذلك وان الواجب هو الالتزام بحكم معلوم بالتفصيل، فهنا لا يخلو امر المكلف من أحد أمور ثلاثة: عدم الالتزام بشئ منهما والالتزام بأحدهما والالتزام بكليهما، والصواب هو الأول، إذ على الثاني لو التزم بالوجوب مثلا احتمل أن يكون ما التزم به هو الواقع فيكون التزامه واجبا أو هو ضد الواقع فيكون حراما فالتزامه دائر بين الواجب والحرام ولا ترجيح في البين، وعلى الثالث كما أنه يعلم بالالتزام بالواقع يعلم بالالتزام بضده أيضا وهو أيضا باطل فانحصر الامر في الأول.
الموضوع وقد يقابله المتعلق يطلق هذه الكلمة في علم الأصول في موارد:
منها: في مقام بيان موضوع علم الأصول فتستعمل هناك ويراد منها موضوع العلم وحري بنا ان لتعرض هنا لبيان كلى الموضوع أولا ولبيان موضوع علم الأصول ومسائله ثانيا فنقول:
اما الأول: فهو الذي يبحث في العلم عن الأوصاف العارضة له حقيقة، كالصحة والمرض للانسان، والرفع والنصب للكلمة، وهي التي تسمى بالعوارض الذاتية في مقابل ما ينسب إليه عناية ومجازا كالسرعة المنسوبة إلى الطائر; فإنها عارضة لحركته لا لنفسه وهوا المسمى بالعرض الغريب كما سيأتي في عنوان الواسطة.
واما الثاني: فقد قيل في موضوعه أقوال:
أحدها: انه ذوات الأدلة الأربعة; أعني الكتاب العزيز والسنة الصادرة عن المعصوم " عليهم السلام " والاجماع والعقل، مع قطع النظر عن كونها حجة ودليلا في الفقه، وعلى هذا فالبحث عن حجية تلك الأمور بحث عن المسألة الأصولية ويكون من مسائل هذا العلم، نعم يخرج عنها عدة من مباحث الألفاظ، كبحث الصحيح والأعم والمشتق والامر والنهى وكذا الظن الانسدادي والظن الاستصحابي، بل البحث عن
حجية قول العدل والثقة; إذ ليس البحث فيها عن أموال الأدلة الأربعة.
ثانيها: ان الموضوع هو الأدلة الأربعة بعد الفراغ عن دليليتها فالموضوع ظاهر الكتاب الثابت حجيته والسنة المفروغ عن حجيتها; وعليه يكون البحث عن حجية ظاهر الكتاب والسنة خارجا عن مسائل هذا العلم داخلا في مباديه، إذ البحث عن وجود الموضوع أو عن جزئه وقيده يكون من المبادئ لا المسائل.
ثالثها: ان الموضوع هو عنوان الدليل في الفقه أو عنوان ما يمكن ان يقع في طريق الاستنباط وهذا أعم من سابقيه، فيشمل قول العدل والظن الانسدادي والاستصحابي، ويكون البحث عن حجية الشئ في مقام الاستنباط وعدمها من مسائل هذا العلم، إذ البحث عن انطباق عنوان الموضوع على مورد أو عن فعلية ما له شأنية الحجة بحث عن حالاته.
رابعها: ان الموضوع هو كلى موضوعات المسائل والقدر المشترك بينها ولا نعلمه باسمه وعنوانه.
توضيح ذلك أن الغرض من هذا العلم معلوم وهو التمكن من استنباط الأحكام الفرعية ، فإذا جمعنا قضايا متشتتة مختلفة الموضوع والمحمول بلحاظ دخالتها في ذلك الغرض، وسميناها بعلم الأصول، تعينت مسائل هذا العلم كتعين غرضه، (فح) إذا سئلنا عن موضوعه أشرنا إلى موضوعات تلك المسائل وقلنا إن الموضوع هو القدر الجامع بينها والكلى المنطبق عليها فسمه بأي اسم شئت وهذا مختار صاحب الكفاية (ره).
واما مسائله فهي القضايا المختلفة التي يبحث فيها عن أحوال أدلة الفقه بناء على غير الأخير من الأقوال، كقولك ظاهر الكتاب حجة، أو هي كل مسألة لها دخل قريب في استنباط الحكم الشرعي الفرعي، وبعبارة أخرى كل مسألة تقع كبرى كلية لاستنتاج الحكم الشرعي بناء على القول الأخير كحجية قول العدل فإذا أثبتت حجيته قلت، وجوب الجمعة مما أخبر به العدل وكلما أخبر به العدل ثابت فالوجوب ثابت.
ثم إنه علم مما ذكرنا الغرض من هذا العلم وهو التمكن من الاستنباط.
ومنها: ما وقع التعرض له في باب الاستصحاب في مقام بيان اشتراط بقاء
الموضوع في استصحاب الحكم، فقسموه إلى موضوع عقلي ودليلي وعرفي.
بيان ذلك انهم اشترطوا في جواز اجراء استصحاب الحكم احراز بقاء الموضوع فيلزم في استصحاب كرية الماء احراز بقاء نفس الماء، ومع القطع بعدم البقاء أو الشك فيه لا يجوز اجراء استصحاب الكرية، ثم إن تشخيص موضوعات الاحكام وتمييز الأوصاف الدخيلة فيها عن غيرها يختلف باختلاف الانظار، أعني نظر العقل المبنى على الدقة، ونظر العرف بما يفهمون الموضوع من ظاهر الدليل، ونظرهم بعد ملاحظة القرائن والمناسبات المغروسة في أذهانهم لدى ترتب الاحكام على الموضوعات، ففي موارد الشك في بقاء الموضوع قد لا يكون باقيا بنظر العقل ولو من جهة انتفاء ما له دخل في موضوعيته، لكنه باق بنظر غيره، فإذا اخذ مقدار من ما كر ثم شك في بقاء كريته لم يجر الاستصحاب بناء على الموضوع العقلي، فان الماء الباقي بنظره غير الماء السابق وجرى بناء على الموضوع العرفي فان الباقي هو السابق ذاتا وان حصل له تغيير في كميته ووصفه.
وإذا ورد دليل على أن الماء المتغير بأوصاف نجس العين نجس، وكان هناك ماء متغير فزال تغيره من قبل نفسه فشككنا في بقاء نجاسته، لم يكن الموضوع الدليلي باقيا، فان ظاهر الدليل بنظر العرف البدوي هو الماء المقيد بالتغير، والمقيد ينتفى بانتفاء قيده الا ان الموضوع العرفي باق في المثال فان أهل العرف يعدون الموضوع للنجاسة نفس الماء ويحسبون ان التغير من أوصاف الموضوع وله دخل في ترتب الحكم عليه لا انه قيد للموضوع ومعروض للنجاسة، فيجعلون ما هو قيد بحسب الدليل خارجا عن القيدية راجعا إلى حالاته، فيرون الموضوع باقيا فإذا حصل الشك في بقاء الحكم لاجل زوال ما يحتمل دخله فيه جرى الاستصحاب، فالموضوع باق بهذا النظر وان كان زائلا بالنظرين الأولين.
ومنها: موارد يقع التعرض فيها لموضوعات الأحكام الشرعية ومتعلقاتها فيقع الكلام هنا لك في الفراق بين الموضوع والمتعلق.
بيانه ان الأفعال الصادرة عن المكلف على قسمين: قسم لازم لا يتعدى منه إلى غيره كالصلاة والصيام والركوع والقيام، وقسم يتعدى ويتعلق بامر آخر كالأكل