بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا، والحمد لله الذي علم ادم الأسماء كلها والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد المصطفى وعلى اله الأتقياء الأوصياء واللعن على أعدائهم في الآخرة والأولى.
وبعد: اعلم أنه قد كثر استعمال عدة من الألفاظ لدى الأصوليين في معاني مخصوصة تغاير معانيها الحقيقة أو تباينها، بحيث صارت عندهم منقولة عن المعاني الأولية وحصل لها وضع تخصصي أو تخصيصي في المعاني الحديثة.
فأنتج ذلك تعسر ادراك المقصود منها للباحث في هذا الفن، أو عدم نيله إلى حقيقة الغرض من البحث.
فرأيت مستعينا بالله تعالى ان أضع كتابا شاملا لتوضيح ما اصطلحوا عليه وتفسيره مراعيا فيه حسن التعبير، مجتنبا عن الاطناب والتعسير، موضحا كل مطلب بمثال، مشيرا فيه إلى بعض الأقوال، وايراد ما يناسب البحث من الاستدلال، محافظا في ذلك على مقتضى الحال فأوردت ما تيسر لي ذكره من العناوين المصطلحة على ترتيب حروف أوائله ليكون سهل التناول للباحث الفاحص.
ثم إني رجوت ان تكون في هذا التأليف خدمة لطلبة العلم ورواد الحقيقة وتسهيلا
لأمرهم في دراسة علم الأصول، وحفظا لأوقاتهم الثمينة عن التضييع فيما لا يعنيهم، فقصدت القربة وأقدمت على التأليف مع ضيق الباع وقلة الاطلاع والمرجو من الرب الكريم ان يتقبل ذلك بقبول حسن ويثيبني عليه ثوابا جميلا، ويأجرني ومن يراجعه ويستفيد منه اجرا جزيلا فإنه اهل لذلك وهو ولي التوفيق.
وينبغي قبل الورود في المقصود من تقديم امر هام وهو انه قد وردت في شرف العلم وفضله والثناء عليه ومدحه وحمد طالبيه واطراء حامليه، اخبار كثيرة وأحاديث غفيرة تبلغ حد التواتر بل تزيد عليه بكثير، ان تريدوها لا تحسبوها وان تعدوها لا تحصوها. فنذكر هنا نبذا يسيرا، ونزرا قليلا تشرفا بنقلها وتيمنا بذكرها.
وليعلم قبل ذلك أن المراد من العلم الذي كثر الحث في تلك الأخبار على تحصيله والترغيب في تعلمه وتعليمه حتى أنه عد من أعلا الفرائض وأغلاها، وأشرف الذخائر وأسماها، انما هو علم الدين وفقه الشريعة من أصولها الاعتقادية وقوانينها الأخلاقية وفروعها العملية، فهي المتصفة بالشرف والفضيلة والممدوحة بمدائح جميلة كقوله " عليه السلام " " بالعلم حياة القلوب ونور الابصار من العمى، بالعلم يطاع الله ويعبد وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وانه السبب بينكم وبين الله، وانه لا خير في دين لا تفقه فيه، وان ذخيرة العلم اجتناب الذنوب، وان تعلم العلم حسنة ومدارسته تسبيح، لأنه معالم الحلال والحرام، وان بالعلم تحسن خدمة ربك " إلى غير ذلك مما ستسمعه.
واما العلوم المتداولة الدارجة، والفنون المتعارفة الرائجة في هذه الاعصار فإن كان الغرض منها تحصيل المعاش الحلال، وتوسعة الرزق، وعمارة الأرض والبلاد، والخدمة للعباد، فهي لدى الشرع ومشرعه كسائر صنوف تحصيل المعاش والمكاسب والتجارات حلال محلل وممدوح محمود، تشمله الأدلة الدالة على محبوبية طلب الحلال وتوسعة المعاش وإعانة الضعفاء وحفظ نظام المجتمع والمعاونة على رفاههم، كل ذلك بشرطها وشروطها.
وان كان الغرض مجرد الدنيا وجعلها مقدمة لتحصيل الثروة وحيازة المقام والترؤس على ضعفة العباد وتوسعة السلطة على الملك والبلاد، واشباع القوى البهيمية
والشهوية، والإجابة للملتمس الميول النفسانية وتقوية الملكات السبعية يمنع منازعه في هواه ويدفع مزاحمه في مناه فهي الدنيا المبغوضة الملعونة والمشتغلون بها هم اهل الدنيا، وقد صارت هي أكبر همهم ومبلغ علمهم ونعوذ بالله من ذلك.
واما ما أردنا ايراده من الاخبار فها إليك نبذا منها تتعلق بفضل نفس العلم وفضيلة التعلم والتعليم، ونبذا مما يتعلق بشرف طالبيه وحامليه وكرامتهم عند الله.
فمن الأول: ما ورد من انه: " لا كنز أنفع من العلم ".
وان: " من سلك طريقا يطلب به علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ".
وان تعلم العلم حسنة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام وسالك بطالبه سبيل الجنة، وهو أنيس في الوحشة وصاحب في الوحدة وسلاح على الأعداء وزين الاخلاء; يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق اعمالهم وتقتبس آثارهم وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم، لان العلم حياة القلوب ونور الابصار من العمى وقوة الأبدان من الضعف، وينزل الله حامله منازل الأبرار ويمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا والآخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد وبالعلم يعرف الله ويوحد وبالعلم توصل الأرحام وبه يعرف الحلال من الحرام، والعلم امام العقل والعقل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء.
وان فضل العلم أحب إلى الله من فضل العبادة.
وان كمال المؤمن في ثلث خصال أولها تفقهه في دينه.
وانه يلزم لكل ذي حجى استماع العلم وحفظه ونشره عند اهله والعمل به.
وان العلم ضالة المؤمن.
وانه وراثة كريمة.
وان طلب العلم فريضة على كل مسلم في كل حال، فاطلبوا العلم من مظانه واقتبسوه من اهله.
وانه السبب بينكم وبين الله تعالى.
وان طلب العلم فريضة من فرائض الله.
وانه يجب تعلمه من حملته وتعليم الاخوان كما علمه العلماء.
وانه لا خير في دين لا تفقه فيه.
وان كمال الدين طلب العلم والعمل به.
وان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، ان المال مقسوم بينكم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وسيفي لكم به; والعلم مخزون عليكم عند اهله قد أمرتم بطلبه منهم فاطلبوه، واعلموا ان كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلوب وان كثرة العلم والعمل به مصلحة للدين سبب إلى الجنة، والنفقات تنقص المال والعلم يزكو على انفاقه; وانفاقه بثه على حفظته ورواته.
وانه لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا.
وانه اف لكل مسلم لا يجعل في كل جمعة يوما يتفقه فيه امر دينه ويسئل عن دينه.
وانه لا يستحى الجاهل إذا لم يعلم ان يتعلم.
وانه يجب تعلمه قبل أن يقبض وقبل ان يجمع.
وانه يجب طلبه ولو بالصين.
وانه لا شرف كالعلم.
وان هذا العلم والأدب ثمن نفسك فاجتهد في تعلمهما فما يزيد في علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك، فان بالعلم تهتدى إلى ربك وبالأدب تحسن خدمة ربك، وبأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه.
وانه ليس الخيران يكثر مالك وولدك ولكن الخير ان يكثر علمك ويعظم حلمك.
وان كل وعاء يضيق بما جعل فيه الا وعاء العلم فإنه يتسع.
وان هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وان العلم أشرف الأحساب.
وانه لا كنز أنفع من العلم ولا قرين سوء شر من الجهل.
وانه صلة بين الاخوان ودال على المروة وتحفة في المجالس وصاحب في السفر
وانس في الغربة.
وان الكلمة من حكمة يسمعها الرجل فيقول أو يعمل بها خير من عبادة سنة.
وان بابا من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون أبو قبيس ذهبا فأنفقه في سبيل الله.
وان مثل العلم الذي بعث الله به النبي " صلى الله عليه وآله " كمثل غيث أصاب أرضا منها طائفة طيبة فقبلت الماء وأنبتت الكلاء والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منه وسقوا وزرعوا فذلك مثل من فقه في دين الله وتفقه فعلم ما بعث الله به نبيه وعلم.
وان النوم مع العلم خير من صلاة مع الجهل.
وان قليلا من العلم خير من كثير من العبادة.
وانه كفى بالعلم شرفا ان يدعيه من لا يحسن ويفرح إذا نسب إليه.
وان العلم أفضل من المال لسبعة:
الأول: انه ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة.
الثاني: ان العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص.
الثالث: يحتاج المال إلى حافظ والعلم يحفظ صاحبه.
الرابع: العلم يدخل في الكفن ويبقى المال.
الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل الا للمؤمن خاصة.
السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في امر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال.
السابع: العلم يقوى الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه.
وانه إن لم يسعد لم يشق، وإن لم يرفع لم يضع وإن لم يغن لم يفقر وا إن لم ينفع لم يضر، والعلم يشفع لصاحبه وحق على الله أن لا يخزيه.
وان بابا من العلم تتعلمه أحب إلى أبي ذر من الف ركعة تطوعا.
وان العلم عليه قفل ومفتاحه السؤال.
وان المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيمة
سترا فيما بينه وبين النار.
وانه من جلس مجلسا يحيي فيه امر الأئمة " عليهم السلام " لم يمت قلبه يوم يموت القلوب.
وان حلق الذكر رياض الجنة.
وانه يجب تحادث العلم، فان بالحديث تجلى القلوب الرائنة.
وانه يجب التكلم في العلم ليتبين قدر الرجل.
وان النبي " صلى الله عليه وآله " لما رأى مجلس الدعاء ومجلس مذاكرة الفقه قال:
كلا المجلسين إلى خير، اما هؤلاء فيدعون الله واما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل، هؤلاء أفضل، بالتعلم أرسلت، ثم قعد معهم.
وانه رحم الله عبدا أحيى العلم وتذاكر به عند اهل الدين والورع.
وان تذكر العلم دراسة والدراسة صلاة حسنة.
وانه يجب على الانسان ان يرتع في رياض الجنة أعني حلق الذكر، فان لله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا اتوا عليهم حفوا بها.
وانه لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج.
ومن الثاني: أعني ما دل على فضل حملة العلم وكرامتهم عند الله فقد ورد انه لا خير في العيش الا لرجلين، عالم مطاع أو مستمع واع.
وانه منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا، فاما طالب العلم فيزداد رضا الرحمن، واما طالب الدنيا فيتمادى في الطغيان.
وانه من خرج من بيته يطلب علما شيعه سبعون الف ملك يستغفرون له.
وانه إذا رأيتم المتفقهين فاستوصوا بهم خيرا.
وان العالم بين الجهال كالحي بين الأموات.
وان الله يحب بغاة العلم.
وان أكثر الناس قيمة أكثرهم علما وأقل الناس قيمة أقلهم علما.
وان قلبا ليس فيه علم كالبيت الخراب الذي لا عامر له.
وانه أوحى الله تعالى إلى النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله ": انه من سلك مسلكا يطلب فيه العلم سهلت له طريقا إلى الجنة.
وانه ما من عبد يغدو في طلب العلم ويروح الا خاض الرحمة خوضا، وهتف به الملائكة مرحبا بزائر الله وسلك من الجنة مثل ذلك المسلك.
وان صحبة العالم واتباعه دين يدان به الله; وطاعته مكسبة للحسنات ممحاة للسيئات وذخيرة للمؤمنين ورفقة في حياتهم وجميل الأحدوثة عنهم بعد موتهم.
وان فقيها واحدا أشد على إبليس من الف عابد.
وان من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
وان من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل ابدا.
وان طالب العلم لا يموت أو يمتع جده بقدر كده.
وان قوام الدنيا بأربعة: أولهم عالم يستعمل علمه وثانيهم جاهل لا يستنكف ان يتعلم.
وانه لا حرج على من لا يعلم ان يسئل من يعلم.
وان طالب العلم أحبه الله وأحبه الملائكة وأحبه النبيون ولا يحب العلم الا السعيد فطوبى لطالب العلم يوم القيمة; وهذا كله تحت هذه الآية: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ".
وان من خرج يطلب بابا من علم ليرد به باطلا إلى حق أو ضلالة إلى هدى كان عمله ذلك كعبادة متعبد أربعين عاما.
وان الشاخص في طلب العلم كالمجاهد في سبيل الله، وكم من مؤمن يخرج في طلب العلم فلا يرجع الا مغفورا.
وانه من تعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل كان أفضل من أن يصلى الف ركعة تطوعا.
وانه إذا خرج في طلب العلم ناداه الله عز وجل من فوق العرش مرحبا بك.
وان أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جائوا به.
وان الناس أبناء ما يحسنون.
وان العالم كبير وان كان حدثا والجاهل صغير وان كان شيخا وان الشريف من شرف علمه.
وان الملوك حكام على الناس والعلماء، حكام على الملوك. وانه من طلب علما فأدركه كتب الله له كفلين من الاجر ومن طلب علما فلم يدركه كتب الله له كفلا من الاجر.
وان من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الاسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة.
وان من غدا إلى مسجد ليتعلم خيرا، أو ليعلمه كان له اجر معتمر تام العمرة ومن راح إلى المسجد لا يريد الا ليتعلم خيرا أو ليعلمه فله اجر حاج تام الحجة.
وان أمقت الناس إلى الله الجاهل المستخف بحق اهل العلم التارك للاقتداء بهم.
وان أحب الناس إلى الله التقى الطالب للثواب الجزيل الملازم للعلماء. وانه ويل لمن سمع بالعلم ولم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار.
وان الله يقول يوم القيمة يا معشر العلماء ما ظنكم بربكم فيقولون ظننا ان ترحمنا وتغفر لنا فيقول الله تعالى فانى قد فعلت انى استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم بل لخير أردته بكم فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي ورحمتي.
وانه إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحالة مات شهيدا.
وان الأئمة " عليهم السلام " هم العلماء والشيعة هم المتعلمون وسائر الناس غثاء.
وانه يجب أن يكون الانسان اما عالما واما متعلما واما محبا للعلماء ولا يكون قسما رابعا فيهلك ببغضهم.
وان العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة.
وان النظر إلى وجه العالم عبادة.
وان مروة الانسان مجالسة العلماء والنظر في الفقه.
وان الفقهاء قادة والجلوس إليهم عبادة.
وان الفقهاء سادة والجلوس إليهم زيادة.