ومن كلمة إلى بيان حال منتهاه، فالمعاني الحرفية ملحوظة حالة للغير.
ومنها: ما ذكروه في مقام الفرق بين القطع الطريقي والموضوعي بالنسبة إلى بعض الألفاظ كالعلم والقطع والإرادة والقصد ونحوها، فإنها قد تلاحظ آلية وقد تلاحظ استقلالية; فربما يقول المولى إذا علمت بورود زيد إلى بلدك فزره فيريد ترتيب حكم الزيارة على نفس المجئ والورود لا على العلم به، فالمقصود إذا ورد بلدك فزره; وحيث إن انكشاف الورود وثبوته لا يكون الا بالعلم أطلق اسم الكاشف وأريد المنكشف كناية. وهذا هو العلم الذي يسمى في باب القطع بالقطع الطريقي.
وربما يقول إذا علمت بأنك تسافر فصل ركعتين أو تصدق على فقير، أو يقول إذا أردت الأكل فقل بسم الله، أو يقول إذا قطعت بكون مايع عصيرا حرم عليك شربه، ويريد ترتيب تلك الأحكام على صفة العلم والإرادة فيقال (ح) ان تلك العناوين لوحظت استقلالية، ويسمى هذا القطع في بابه بالقطع الموضوعي.
ومنها: ما ذكروه في باب الاستصحاب بالنسبة إلى كلمة اليقين من كون اليقين الوارد في اخبار ذلك الباب ملحوظا بنحو الالية لا الاستقلالية كقوله " عليه السلام ":
" لا تنقض اليقين بالشك " فمن شك في بقاء حياة زيد مثلا يكون المراد من اسناد حرمة النقض ووجوب الابقاء إلى يقينه اسنادهما إلى متيقنه كحيوة زيد فكأنه قال لا تنقض حياة زيد بالشك فمن شدة الارتباط بين اليقين والمتيقن أطلق اليقين وأريد به المتيقن كناية ولذلك أيضا أسند آثاره إليه وأريد من حرمة نقض آثار اليقين ووجوب ترتيب احكامه، حرمة نقض آثار المتيقن كحيوة زيد وكرية الماء مثلا.
أصالة الاحتياط ويعبر عنها بأصالة الاشتغال ومجراها في الأغلب الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي.
وهي على قسمين: أصالة الاحتياط العقلية وأصالة الاحتياط الشرعية.
فالأولى: عبارة عن حكم العقل بلزوم اتيان فعل يحتمل الضرر الأخروي في تركه ولزوم ترك فعل يحتمل الضرر الأخروي في فعله، فهي حكم عقلي كلى له موضوع ومحمول موضوعه الشئ المحتمل فيه لضرر الأخروي من فعل أو ترك ومحموله لزوم الاجتناب عنه عقلا، فإذا علمنا بوجوب صلاة يوم الجمعة قبل صلاة العصر وشككنا في أنها الظهر أو الجمعة فترك كل واحدة منهما مما يحتمل فيه الضرر الأخروي فالعقل يحكم بلزوم اتيان كلتيهما احتياطا، وكذا إذا علمنا بتحريم الشارع مايعا معينا وشككنا في أنه الخمر أو العصير العنبي ففعل كل منهما يحتمل فيه الضرر الأخروي فيحكم العقل بلزوم ترك كليهما احتياطا.
والثانية: عبارة عن حكم الشارع بلزوم اتيان ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته، فموضوعها مشكوك الوجوب والحرمة ومحمولها وجوب الفعل أو الترك شرعا.
ثم إن أصالة الاحتياط أيضا تنقسم إلى شبهة وجوبية وتحريمية حكمية وموضوعية.
اما الشبهة الوجوبية فكالشك في أن الواجب هذا أو ذاك.
فتارة يكون منشأ الشك فيها عدم النص على تعيين أحدهما بعد قيام الدليل على وجوب أحدهما بنحو الاجمال.
وأخرى يكون المنشأ هو اجمال النص كقوله تعالى: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " وكانت الوسطى مرددة بين الصبح والظهر.
وثالثة: يكون المنشأ تعارض النصين أو النصوص على التعيين كمسألة الظهر والجمعة.
ورابعة: يكون اشتباه المصداق والموضوع كما إذا حصل الشك في أن العالم الواجب اكرامه هذا أو ذاك أو انه نذر الاطعام أو الصيام والأمثلة الثلثة الأول شبهة وجوبية حكمية والأخير وجوبية موضوعية.
واما الشبهة التحريمية: ففيها أيضا تارة يكون منشأ الشك عدم الدليل على تعيين الحرام.
وأخرى يكون المنشأ اجمال النص الدال عليه.
وثالثة تعارض النصوص.
ورابعة اشتباه الأمور الخارجية أعني اشتباه المصداق لاجلها كما إذا لم يعلم ان الخمر هل هو في هذا الاناء أو ذاك. ثلثة منها شبهة حكمية وواحد موضوعية.
تنبيهات:
الأول: قسم الشيخ الأعظم (قده) مجرى أصالة الاحتياط بتقسيم آخر مغاير لم ذكرنا وحاصله: انا إذا علمنا بنوع التكليف من وجوب وحرمة وشككنا في متعلقه وانه هذا الفعل أو ذاك، فتارة يدور الامر بين الواجب وغير الحرام كما إذا شككنا في أن الواجب يوم الجمعة هل هو صلاة الظهر أو الجمعة فكل من الصلاتين يدور امرها بين الوجوب وغير الحرمة من الاحكام الثلاثة الباقية وأخرى بين الحرام وغير الواجب كما إذا علمنا حرمة أحد الإنائين فان كلا منهما يدور امره بين الحرمة وغير الوجوب من تلك الأحكام . وثالثة بين الحرام والواجب.
ويسمى القسم الأول بالشبهة الوجوبية للاحتياط، والثاني بالشبهة التحريمية، والثالث داخل في مسألة التخيير.
ثم إن في كل واحد من الأقسام الثلاثة اما أن يكون منشأ الشك عدم النص أو اجماله أو تعارضه أو اشتباه المصداق والموضوع فالأقسام فيها ترتقى إلى اثنى عشر قسما ثمانية منها داخلة تحت مسائل الاحتياط وأربعة في مسائل التخيير كما سيجئ.
الثاني: مجرى أصالة الاحتياط لا ينحصر في الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي كما يظهر من تقسيم الشيخ قدس سره، بل قد تجرى في الشبهة البدوية أيضا كما إذا كان التكليف المشكوك مهما، فإذا أراد رمى شبح من بعيد ولم يعلم انه انسان أو حجر مثلا لزم الاحتياط على المشهور وكذا في كل ما شك في وجوبه أو حرمته بالشبهة الحكمية وكان قبل الفحص وكذا إذا شك المكلف في اتيانه بالواجب الموقت قبل انقضاء وقته وغير ذلك من الموارد.
الثالث: الدليل على أصالة الاحتياط العقلي هو احتمال الضرر الأخروي أو الضرر المهم، فالعقل حاكم بلزوم الاجتناب عن كل ما احتمل فيه الضرر الأخروي موهوما كان ذلك الضرر أو مشكوكا أو مظنونا كما أن العقل حاكم بلزوم ترك مقطوعه فهذه قاعدة كلية عقلية، ولزوم الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي انما هو من جهة ان كل فرد من الأطراف داخل تحت هذه الكلية وكذا بعض الشبهات البدوية كما ذكرنا فإذا علمت بخمرية أحد الإنائين أشرت إلى واحد منهما وقلت هذا مما احتمل فيه الضرر الأخروي وكل ما احتمل فيه الضرر الأخروي يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه.
فان قلت: ما الفرق بين كل واحد من الإنائين في هذا المثال والاناء المحتمل الحرمة في الشبهة البدوية حيث حكموا في الأول بالاحتياط وفى الثاني بالبراءة مع أن احتمال الحرمة في الكل مستلزم لاحتمال العقاب الأخروي قلت: الفرق هو ان العلم الاجمالي في الأول حجة على المكلف منجز للواقع، فالمحتمل في كل طرف هو التكليف المنجز واحتماله مستلزم لاحتمال الضرر الأخروي فيجب تركه، وهذا بخلاف الشبهة البدوية التي لا علم فيها بالتكليف ومعه لا يكون منجز أو يقبح العقاب
عليه فالمحتمل فيه تكليف غير منجز والعقاب فيه مأمون منه.
واما الاحتياط النقلي فقد استدل عليه بعدة اخبار.
منها: اخبار التوقف كقوله " صلى الله عليه وآله ": " قفوا عند الشبهة " وقوله " عليه السلام ": " الوقوف عند الشبهة خير عن الاقتحام في الهلكة " فيجب الوقوف عملا والاحتياط في كل محتمل التحريم من فعل أو ترك.
ومنها: قوله " عليه السلام ": " إذا خفت ضلالة فان الكف عنده خير من ركوب الأهوال. " ومنها: قوله " عليه السلام ": " وأمر اختلف فيه فرده إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم ".
ومنها: قوله " عليه السلام ": " ومن ارتكب الشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم ".
الرابع: الظاهر أن أكثر علمائنا الأخباريين (قدهم) قائلون بالاحتياط النقلي فقط في موارد العلم الاجمالي بمقتضى الاخبار المتقدمة، وبعضهم قائل بالشرعي والعقلي كليهما، واما الأصوليون قدس الله اسرارهم فمنهم من قال بالاحتياط العقلي فقط وحمل الاخبار السابقة على الارشاد إلى حكم العقل أو على الاستحباب أو على الاحتياط في المسائل الاعتقادية، ومنهم من قال بكلا قسمي الاحتياط العقلي منه والنقلي فراجع.
أصالة البراءة هي على قسمين: أصالة البراءة العقلية وأصالة البراءة الشرعية.
فالأولى: عبارة عن حكم العقل بعدم استحقاق العقوبة على ما شك في حكمه ولم يكن عليه دليل، فأصالة البراءة العقلية قاعدة كلية عقلية لها موضوع ومحمول; موضوعها الفعل المشكوك الذي لا بيان على حكمه من الشارع ومحمولها الحكم بعدم العقوبة عليه وعدم حرمته بالفعل، فإذا شك المكلف في حرمة العصير التمري مثلا بعد غليانه فتفحص ولم يجد دليلا على حرمته تحقق موضوع البراءة العقلية، فيحكم عقله بعدم استحقاق العقاب على شربه، وكذا إذا شك في وجوب الصوم أول كل شهر ولم يجد بيانا على الوجوب حكم عقله بعدمه.
والثانية: عبارة عن حكم الشارع بعدم التكليف الفعلي أو بالإباحة والرخصة في فعل أو ترك شك في حكمهما الواقعي، فموضوعها العمل المشكوك حكمه واقعا ومحمولها الإباحة والرخصة، فإذا شك في حرمة شرب التتن أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال ولم يوجد دليل على حرمة الأول ووجوب الثاني حكم الشارع بالإباحة فيهما.
ثم إن مسألة أصالة البراءة مطلقا تنقسم إلى مسائل ثمان، فإنه اما أن يكون الشك في وجوب شئ أو يكون في حرمته، والأول يسمى بالشبهة الوجوبية للبراءة
والثاني بالتحريمية لها وعلى كل تقدير اما أن يكون الشك في الحكم الكلى للموضوع الكلى أو في الحكم الجزئي للموضوع الجزئي، وعلى الأول اما أن يكون منشأ الشك هو عدم وجود دليل في المورد أو يكون اجمال الدليل الوارد أو يكون تعارضه مع آخر، كما أنه على الثاني يكون منشأ الشك اشتباه الأمور الخارجية.
فالشبهة الوجوبية لها مسائل أربع:
الأولى: ان يشك في الوجوب الكلى وكان منشأ الشك هو عدم الدليل كالشك في وجوب الاطعام في أول كل شهر مثلا.
الثانية: ان يشك في الوجوب الكلى من جهة اجمال النص كما إذا ورد اغتسل للجمعة وشككنا في أن هيئة الامر تدل على الوجوب أو على استحباب.
الثالثة: ان يشك في الوجوب الكلى من جهة تعارض الدليلين كما إذا ورد صل في أول كل شهر الصلاة الفلانية وورد أيضا لا تصلها، فإذا تعارض الدليلان فتساويا فتساقطا رجعنا إلى أصالة البراءة وهذه الأقسام الثلاثة تسمى بالشبهة الحكمية، لان الشك فيها انما هو في حكم الشارع دون موضوعه، ورفع الشك وكشف الحجاب عن الواقع فيها يتوقف على بيان الشارع ولا يمكن الا من قبله.
الرابعة: الشك في الوجوب الجزئي كما إذا شك في وجوب اكرام هذا الشخص وعدم وجوبه من جهة الشك في أنه عالم أو ليس بعالم ويسمى هذا القسم بالشبهة الموضوعية تارة والمصداقية أخرى، لان المفروض العلم بان كل عالم يجب اكرامه وانما الشك في أن هذا عالم أو ليس بعالم فالشبهة في المصداق والموضوع وفى الحكم الجزئي دون الكلى.
والشبهة التحريمية أيضا تنقسم إلى مسائل أربع، مثل ما إذا شككنا في حرمة الفقاع من جهة عدم الدليل أو اجماله أو تعارضه وهذه أقسام الشبهة الحكمية التحريمية، أو شككنا في أن هذا المايع فقاع أم لامع العلم بان كل فقاع حرام، وهذه هي الشبهة الموضوعية التحريمية منشأ الشك فيه اشتباه الأمور الخارجية.
تنبيهات:
الأول: انهم ذكروا ان الدليل على البراءة العقلية هي قاعدة قبح العقاب بلا بيان; بتقريب ان العقل حاكم بالاستقلال بأنه لو التفت عبد إلى حكم فعل من أفعاله وشك في وجوبه الواقعي وعدم وجوبه أو في حرمته وعدمها وتتبع وتفحص بقدر الوسع والامكان فلم يجد دليلا على الحكم فترك مشكوك الوجوب وفعل مشكوك الحرمة كان عقاب المولى ومؤاخذته عليه قبيحا، وهذا ما هو المشهور من أن دليل الأصل العقلي هو قبح عقاب الحكيم بلا بيان ومؤاخذته بلا برهان.
والدليل على البراءة الشرعية:
أولا ظاهر الكتاب كقوله تعالى: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " والمعنى ما كان عادتنا سابقا ولا حقا ان نعذب أحد على ترك واجب وفعل حرام حتى نبين حكمهما فبعث الرسول كناية عن بيان حكم الأفعال.
وقوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا الا وسعها " بناء على أن المراد الوسع العلمي.
" ولا يكلف الله نفسا الا ما آتاها " بناء على أن الايتاء الاعلام.
وثانيا الاخبار، فمنها: قوله " صلى الله عليه وآله " في حديث الرفع: " رفع عن أمتي ما لا يعلمون " فان الايجاب والتحريم المجهولين من قبيل ما لا يعلم فيكونان مرفوعين.
ومنها قوله " عليه السلام " في حديث الحجب: " ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ".
ومنها قوله " عليه السلام ": " الناس في سعة ما لا يعلمون " أي انهم من ناحية مجهولاتهم في سعة لا يؤاخذون عليها ولا يعاقبون.
ومنها قوله " عليه السلام ": " كل شئ لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه " أي كل مشكوك الحرمة والحلية في الواقع فهو لك حلال ظاهرا وهو معنى البراءة.
ومنها قوله " عليه السلام ": " كل شئ لك مطلق حتى يرد فيه نهى " أي كل فعل أنت مرخص فيه حتى يصل إليك حرمته.