بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 56

الأصل هو في الاصطلاح عبارة عن الحكم المجعول للشاك ليس فيه ناظرية وجهة كشف.
بيانه ان المجعول للجاهل بالواقع لو كان فيه جهة كشف بالذات وكان الجعل بتتميم كشفه واعطاء الطريقية له فهو يسمى امارة ودليلا، ولو لم يكن كذلك بل فرض المشكوك موضوعا من الموضوعات ورتب عليه حكم من الاحكام سمى ذلك أصلا، فالأصل كالامارة حكم ظاهري مجعول في موضوع الجهل بالواقع وينقسم بتقسيمات:
الأول: تقسيمه إلى الأصل العملي والأصل اللفظي.
اما العملي: فهو الحكم الظاهري المحتاج إليه في مقام العمل من دون ارتباط له بمقام الألفاظ; فكل حكم ظاهري كان جريه باب الألفاظ فهو أصل لفظي; وكل حكم ظاهري كان مجراه عمل المكلف وتعيين وظيفة له بالنسبة إلى عمله فهو أصل عملي، كأصالة البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب والطهارة والصحة والفساد وغيرها، فراجع عنوان مجارى الأصول وعناوين نفس تلك الأصول.
واما الأصل اللفظي: فهو الحكم الظاهري الذي يعمل به في باب الألفاظ ويسمى أصلا لفظيا عقلائيا; اما كونه أصلا فلكونه مجعولا في حق الشاك، واما كونه


صفحه 57

لفظيا فلكون مجريه باب الألفاظ، واما كونه عقلائيا فلكون مدركه بناء العقلاء وعملهم وان كان الشارع قد أمضاه أيضا بالعمل على طبق طريقتهم وهو كثير يرجع جلها إلى مقام وضع اللفظ واستعماله في معناه وإرادة معناه منه، كأصالة عدم الوضع وأصالة عدم الاشتراك وأصالة عدم النقل وأصالة عدم الاضمار وأصالة الظهور وأصالة الحقيقة وأصالة العموم وأصالة الاطلاق وغيرها.
بيان ذلك: ان العقلاء إذا شكوا في أن هذا اللفظ المعين مثلا موضوع أم لا؟ بنوا على عدم الوضع، وإذا علموا بوضعه لمعنى فشكوا في وضعه لمعنى آخر أم لا؟ بنوا على العدم أيضا ويعبر عنه بأصالة عدم الاشتراك، وإذا شكوا في أنه أضمر في الكلام شئ من المضاف والمتعلق ونحوهما بنوا على العدم ويعبر عنه بأصالة عدم الاضمار، وإذا شكوا في أنه أريد ما كان اللفظ ظاهرا فيه ولو بالقرينة أم لا؟ بنوا على إراداته ويعبر عنه بأصالة الظهور، وإذا شكوا في أنه أريد المعنى الحقيقي أم أريد غيره بنوا على إرادة المعنى الحقيقي ويعبر عنه بأصالة الحقيقة، وإذا شكوا في ألفاظ العموم، هل أريد منها الكل أو البعض بنوا على إرادة العموم ويعبر عنه بأصالة العموم، وإذا شكوا في الألفاظ الموضوعة للطبايع الكلية مثلا انه هل أريد منها مطلق الطبيعة السارية في الافراد ولو بنحو البدل أو أريد الطبيعة المحدودة المقيدة؟ بنوا على إرادة نفس الطبيعة ويعبر عنه بأصالة الاطلاق وهكذا.
تنبيهان:
الأول: ان هنا أصلين آخرين لا بد من التعرض لهما.
أحدهما: أصالة التطابق وتوضيح معناها انه ان قلنا بان استعمال العام والمطلق مع إرادة الخاص والمقيد مجاز فالأصل الجاري فيهما هو أصالتا العموم والاطلاق وهما من مصاديق أصالة الحقيقة غير أن مورد هذين الأصلين الشك في مجازية العام والمطلق ومورد أصالة الحقيقة الشك في مجازية كل لفظ واستعماله في غير ما وضع له، وان قلنا بعدم المجازية كما هو مذهب عدة من المحققين بتقريب ان المتكلم بالعام على هذا المبنى


صفحه 58

لا يستعمله مطلقا الا في العموم ولا يريد منه الا تفهيم العموم للمخاطب ليرتب عليه حكما عاما ويعطى قاعدة كلية يعمل بها المخاطب.
ثم إن السامع تارة يعلم بكون مراده الجدي موافقا لظاهر كلامه فيكون الحكم المرتب على جميع الافراد حكما فعليا حقيقيا ويطابق الانشاء الظاهري الإرادة الجدية فيقال حينئذ ان الإرادة الاستعمالية قد طابقت الإرادة الجدية.
وأخرى: يعلم بكن المراد مخالفا لظاهر الكلام فلم يرد بنحو الجد شمول الحكم لبعض الافراد مع شمول العام له استعمالا وترتب الحكم عليه انشاء فيكون الحكم المرتب عليه حكما انشائيا ويقال حينئذ ان الإرادة الاستعمالية قد خالفت الإرادة الجدية.
وثالثة: يحصل التردد في بعض الافراد ويشك في أن المراد الجدي موافق للاستعمال أم لا؟ فيبنى العقلاء حينئذ على كون المراد الجدي مطابقا لظاهر الاستعمال، ويعبر اهل الفن عن هذا البناء تارة بأصالة التطابق بين الإرادة الجدية والاستعمالية; وأخرى بأصالة العموم أو الاطلاق، فظهر لك ان مجرى أصالة العموم والاطلاق على قول المشهور الشك في الاستعمال وعلى مبنى بعض المحققين الشك في الإرادة مع العلم بالاستعمال فراجع بحث الإرادة الجدية والاستعمالية.
ثانيهما: أصالة عدم الادعاء وبيانها انه قد يدعى في بعض المجازات عدم استعمال اللفظ في غير معناه بل فيه مع دعوى الاتحاد بينه وبين المعنى المجازى فإذا قال القائل جاءني أسد مريدا به الرجل الشجاع فمعناه جاءني الحيوان المعهود وهو هذا الرجل فالشك في المجازية (ح) يرجع إلى الشك في أنه هل أراد المعنى المجازى بدعوى الاتحاد أم لا؟ فيبنى العقلاء (ح) على عدم تحقق الادعاء ويسمى هذا بأصالة عدم الادعاء.
الثاني: انه هل يبنى العقلاء على إرادة الحقيقة أو العموم أو غيرهما ابتداء من غير توسيط شئ آخر أو هم يبنون ابتداء على عدم وجود قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة فيبنون بواسطته على تلك الأمور فيكون مرجع تلك الأصول حقيقة إلى أصالة عدم القرينة; قولان مشهوران بين الأصحاب، وهذا الخلاف هو المراد من قولهم ان حجية الظواهر هل هي من جهة أصالة الحقيقة أو من جهة أصالة عدم القرينة؟ وتظهر الثمرة


صفحه 59

بينهما فيما إذا شك في إرادة الظاهر مع العلم بعدم وجود القرينة فإنه بناء على الأول يكون الظاهر حجة وبناء على الثاني لا معنى لأصالة عدم القرينة مع العلم بعدمها.
الثاني: تقسيمه إلى الأصل الشرعي والأصل العقلي اما الأول: فكل حكم ظاهري كان مجعولا من ناحية الشارع فهو أصل شرعي، كالاستصحاب الشرعي والبراءة الشرعية وأصالة الطهارة والصحة ونحوها.
واما الثاني: فكلما كان بحكم العقل وبناء العقلاء فهو أصل عقلي; كأصالة البراءة العقلية وأصالة التخيير والاحتياط وجميع الأصول الجارية في باب الألفاظ كما ذكرنا.
الثالث: تقسيمه إلى الأصل المحرز والأصل غير محرز قد عرفت أن معنى الأصل هو الحكم المجعول للجاهل بالواقع الذي ليس له إليه طريق، وحينئذ فان لوحظ في جعل تلك الأحكام حال الواقع وكان لسان الدليل جعل الاحكام المماثلة له سمى ذلك أصلا محرزا، وهذا كالاستصحاب وأصالة الصحة وقاعدة الفراغ والتجاوز، ففي استصحاب حياة زيد مثلا يحكم بترتيب آثار الحياة ويكون الحكم المذكور مماثلا للواقع فكأنه محرز له ولذا سمى بالأصل المحرز.
وإن لم يلاحظ ذلك بل كان المجعول حكما ظاهريا مستقلا بلا لحاظ كون المجعول مما يماثل الواقع سمى أصلا غير محرز، كالبراءة والتخيير ونحوهما فان حكم الشارع بالإباحة في مشكوك الحرمة ليس بلسان ترتيب حكم الواقع بل هو حكم ظاهري مستقل.
الرابع: تقسيمه إلى الأصل المثبت وغير المثبت.
توضيحه: ان كل موضوع له اثر شرعي لابد في ترتيب اثره عليه من احراز ذلك الموضوع بالقطع أو بامارة معتبرة أو بأصل عملي، فان أحرز بالقطع فلا اشكال ولا كلام في لزوم ترتيب آثار نفس ذلك الموضوع وآثار جوانبه.



صفحه 60

بيانه ان الشئ يتصور له جوانب أربعة: اللازم والملزوم والملازم والمقارن; فحياة زيد ملزوم وتنفسه وتغذيه وتلبسه ونبات لحيته لوازم عقلية وعادية والتنفس بالنسبة إلى نبات اللحية ملازم، وفيما لو حصل العلم الاجمالي بموت زيد وعمرو فموت كل منهما بالقياس إلى حياة الآخر مقارن، ثم إنه لاشكال في أن القطع بالشئ مستلزم للقطع بتحقق جميع لوازمه، فحينئذ إذا كانت تلك الجوانب لها آثار شرعية فلا اشكال في لزوم ترتيب آثارها عند القطع بأصل الشئ لان الجوانب أيضا تكون محرزة بالوجدان كنفس الشئ.
واما لو لم يحصل القطع وكان حياة زيد مثلا مشكوكة فمن الواضح ان الجوانب أيضا تكون مشكوكة بالوجدان، إذ كما أن القطع بالملزوم مستلزم للقطع باللازم فكذلك الشك فيه مستلزم للشك فيه، فإذا فرضنا قيام امارة معتبرة على الشئ كاخبار البينة عن حياة زيد فلا اشكال في لزوم ترتيب آثار نفس الحياة من حرمة التصرف في ماله وحرمة تزويج زوجته ووجوب الانفاق عليه فإنه معنى تصديق البينة في اخبارها، واما الآثار الشرعية المترتبة على الجوانب كما إذا كان ناذرا للتصدق بدرهم لو كان زيد متنفسا وبدينار لو كان متلبسا أو إذا نبت له لحية فالظاهر أيضا وجوب ترتيب تلك الآثار بمجرد قيام البينة على حياة زيد إذ لا اشكال في أن اخبار العادل بالحيوة كما أنه حاك في نفس الحياة بالمطابقة حاك عن الجوانب بالملازمة والشارع كما امر بالعمل على ما حكى عنه بالمطابقة امر بالعمل على ما حكى عنه بالملازمة فيجب ترتيب آثار الجميع وهذا معنى ما يقال ان مثبتات الامارة حجة، ومرادهم ان الامارة تثبت لوازم ما أدى إليه أيضا وجوانبه فيجب ترتيب آثارها.
هذا حال الامارات واما الأصول العملية الجارية في الموضوع عند عدم الامارة كاستصحاب حياة زيد مثلا فهل يثبت بها نفس الحياة ويجب ترتيب آثارها فقط أو يثبت بها آثار المستصحب وآثار جوانبه كالامارة وجهان بل قولان:
أشهرهما انه لا يثبت به الآثار نفسها واما آثار الجوانب كما عرفت فلا تكاد تترتب باجراء الاستصحاب في نفس الحياة، فلو أريد اثبات تلك الآثار فلا بد من اجراء استصحاب آخر بالنسبة إلى كل من الجوانب لو كان لها حالة سابقة وجودية;


صفحه 61

فاستصحاب الحياة ينفع لترتيب حرمة التصرف في ماله واما لزوم التصدق بدرهم أو دينار في المثال السابق فاثباته يحتاج إلى اجراء الاستصحاب في نفس التنفس والتلبس وهذا معنى ما اشتهر من أن الأصل المثبت غير حجة، ومرادهم ان الأصل الذي يراد به اثبات اللوازم للمستصحب ليترتب عليها آثارها لا يكون بحجة.
فان قلت إذا حكم الشارع بحيوة زيد مثلا بالاستصحاب فلازمه ترتيب آثار التنفس والتلبس ونحوهما أيضا إذ الملازمة بينهما واضحة عقلا وعادة فكيف يحكم بترتيب آثار الحياة دون آثارها.
قلت المفروض ان أصل الحياة ولوازمها كلها مشكوكة وجدانا وحكم الشارع بترتيب الآثار تعبدا لم يثبت الا في خصوص ما وقع مجرى الاستصحاب وهو الحياة فالجوانب لم تحرز بعد بالقطع ولا بحكم تعبدي بترتيب آثارها.



صفحه 62

الأصول عرفوا المعنى الاصطلاحي لهذه الكمة بتعاريف كثيرة:
والأولى: تعريفها بأنها العلم بالقواعد الممهدة لرعاية الأحكام الشرعية الفرعية اثباتا أو اسقاطا.
فخرج بالعلم بالقواعد علم الفقه فإنه علم بنفس الأحكام الشرعية والوظائف العملية لا بالقواعد المعدة لكشف حالها.
وبعبارة أخرى هنا قواعد معينة مدونة قابلة لان يصل بها الباحث إلى الأحكام الفرعية والوظائف العملية; فالعلم بتلك القواعد يسمى بعلم الأصول، والعلم بتلك الاحكام والوظائف يسمى بعلم الفقه.
مثلا إذا وقع البحث عن خبر الثقة وأثبتت له الحجية، سميت النتيجة مسألة أصولية، والعلم بها علم الأصول، وإذا جعلت تلك النتيجة كبرى لقياس مؤلف، فقيل وجوب الجمعة مما أخبر به الثقة وكلما أخبر به الثقة ثابت فالوجوب ثابت; سميت النتيجة مسألة فقهية والعلم بها فقها واجتهادا.
وخرج بقيد الرعاية القواعد التي لم يكن تمهيدها لخصوص رعاية الاحكام كعلم اللغة والمنطق وغيرهما.



صفحه 63

وخرج بالتقييد بالفرعية ماله دخل في استخراج الأحكام الشرعية الأصولية كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى والمعاد وسفرائه إلى العباد.
ثم إن تلك القواعد أعم مما يوجب القطع بالحكم وغيره، ومن الشرعية والعقلية، ومن الامارات والأصول، ومن مثبتات الاحكام ومسقطاتها فيدخل في التعريف حجية نصوص الكتاب والأخبار المتواترة وهي مفيدة للقطع، وحجية ظواهر الكتاب واخبار الآحاد وهي تفيد الظن ويدخل أيضا الحديث والاجماع والشهرة مثلا وهي امارات، والاستصحاب والبراءة والاحتياط وهي أصول عملية، ويدخل أيضا اخبار الآحاد واستصحاب والبراءة النقلية وهي قواعد شرعية، والظن الانسدادي على الحكومة وقاعدة الملازمة والبراءة والاحتياط العقليين ونحوهما وهي قواعد عقلية; ويدخل أيضا كل امارة أو أصل مثبت حكما من الاحكام وكلما ينفيه ويسقطه.
تنبيهان:
الأول: مقتضى التعريف المذكور انه ليس لهذا العلم موضوع معين معلوم المفهوم، بل هو القدر الجامع بين شتات موضوعات المسائل فبعد وقوع البحث عن خبر العدل وظاهر الكتاب والظن والانسدادي واليقين بثبوت شئ والشك في بقائه ونحوها ينتزع من تلك الموضوعات عنوان جامع يكون هو موضوع العلم وسيأتي الكلام في ذلك تحت عنوان الموضوع.
الثاني: مسائل هذا العلم عبارة عن النتائج الحاصلة من أبحاثه القابلة لان تقع كبرى كلية في مقام الاستنباط كحجية الخبر والملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته ولزوم ابقاء ما كان ونحوها وبذلك يعلم ان الغرض منه النيل إلى هدف الاستنباط وتحصيل الأحكام الشرعية.