الامارة (أي الطريق المجعول في حق الجاهل بالواقع) المجعول في حق الجاهل بالواقع ان كان له كاشفية ذاتية عن الواقع ناقصة وناظرية وحكاية ولو نوعية واعتبره الشارع بلحاظ كشفه ونظره يسمى ذلك دليلا وامارة، والا فاصلا كما تقدم وقد يطلق على المجعول لكشف حال الاحكام الدليل وعلى المعتبر لبيان حال الموضوعات الامارة.
فقوام أمارية الامارة بأمرين: أحدهما: وجود كاشفية ناقصة فيها بالذات. والثاني:
كون امضائها بنحو تتميم كشفها وامضاء طريقيتها.
مثلا إذا أخبر العادل بوجوب الجمعة أو حرمة العصير فقوله حاك عن الواقع ظنا وبعد ورود أدلة تدل على وجوب تصديقه والعمل على طبقه يصير قوله دليلا اجتهاديا وامارة على الاحكام ومثل ذلك الظن الانسدادي والاجماع المنقول والشهرة في الفتوى على القول بحجيتها.
وإذا قامت البينة على كون المال المعين ملكا لزيد كان ذلك دليلا وامارة في الموضوعات ويجب ترتيب آثار المخبر به بواسطة اخبارها.
تنبيهات:
الأول: ان المعتبر للدليل ان كان هو الشارع يسمى ذلك دليلا شرعيا وامارة شرعية كخبر العدل والثقة والظن الانسدادي على الكشف، وان كان هو العقل يسمى دليلا عقليا وامارة عقلية كالظن الانسدادي على الحكومة فراجع عنوان الحكومة.
الثاني: ان الدليل الشرعي قد يكون هو جعل الحجية له من الشارع جعلا بدئيا من غير سبق عمل عليه من العقلاء فيقال انه دليل شرعي تأسيسي، وان كان مع عمل العقلاء بذلك والشارع أمضى عملهم ولو بالسكوت وعدم نهيهم عنه فيقال انه دليل امضائي; وجل الأدلة لو لم يكن كلها امضائية رخص الشارع فيها العمل بما عليه العقلاء.
الثالث: ان وجه تقييد الدليل بالاجتهادي أحيانا بملاحظة ما قيل في تعريف الاجتهاد; فإنهم عرفوا الاجتهاد بأنه استفراغ الوسع وبذل الجهد في تحصيل الأحكام الواقعية فالمجتهد هو الطالب للاحكام الواقعية كما أن الدليل هو الحاكي عن تلك الأحكام فناسب ان ينسب هذا النحو من الدليل إليه.
الرابع: ان افراد الامارة المعتبرة في الاحكام قليلة جدا فالذي تسلمه الجل لولا الكل هو خبر العدل أو الثقة وحكم العقل.
واما الاجماع المنقول وبعض مصاديق المحصل والشهرة في الفتوى والظن الانسدادي ونحوها فيمكن دعوى الشهرة من المتأخرين على عدم حجيتها.
واما أدلة الموضوعات فهي كثيرة عمدتها البينة أعني اخبار العدلين فما زاد.
ومنها: اخبار ذي اليد بالطهارة والنجاسة والملكية والكرية ونحوها.
ومنها: اخبار المرأة في بعض الموارد.
ومنها الأمور المختصة بهن كالطهر والحيض والعدة ونحوها.
ومنها: اخبار العدل مع انضمام اليمين.
ومنها: اخبار الصبيان في القتل.
ومنها: اخبار الشخص فيما لا يعرف الا من قبله كعلمه وجهله ونحوهما.
ومنها: اليد المثبتة للملكية بناء على كونها امارة.
الخامس: قد ظهر مما ذكرنا أن قول العدل الواحد حجة في الاحكام دون الموضوعات الا في الجملة والوجه في ذلك الاستظهار من الروايات.
ثم إن البحث عن كون حجية الامارات بنحو السببية أو الطريقية سيجئ انشاء الله تحت عنوان السببية.
الامتثال هو عبارة عن موافقة التكليف خارجا والجري على وفقه عملا بعثا كان التكليف أو زجرا، أكيدا كان أو ضعيفا، وله مراتب أربع:
الأولى: الامتثال التفصيلي وهو اتيان متعلق التكليف مع احراز انه متعلقه بعينه، والاحراز قد يكون علميا كما إذا كان احراز نفس العمل أو اجزائه وشرائطه بالعلم الوجداني، فإذا علم المكلف بان الواجب هو الظهر دون الجمعة فاتى به كان هذا امتثالا تفصيليا علميا، وهكذا العلم بالقبلة والطهارة وغيرهما، وقد يكون ظنيا بالظن المعتبر كما لو كان احراز أصل العمل أو كيفياته بدليل معتبر أو أصل كذلك; فإذا أدت الامارة أو الأصل إلى وجوب الظهر أو جزئية السورة أو تعيين القبلة مثلا وعمل المكلف على طبقها كان ذلك امتثالا تفصيليا ظنيا ومنه العمل على طبق الظن الانسدادي على الحكومة والكشف.
الثانية: الامتثال العلمي الاجمالي كالاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة الوجوبية منها والتحريمية، فبعد حصول العلم الاجمالي بوجوب الجمعة أو الظهر كان الاتيان بهما امتثالا علميا اجماليا ومثله ترك الإنائين المشتبهين.
الثالثة: الامتثال الظني بظن غير معتبر كاتيان الصلاة إلى القبلة المظنونة مع
امكان الاحراز العلمي.
الرابعة: الامتثال الاحتمالي كاتيان أحد أطراف الشبهة المحصورة في الوجوبية وترك أحدها في التحريمية.
تنبيه:
لا اشكال في عدم كفاية الامتثال الاحتمالي مع امكان الامتثال الظني ولا الظني مع امكان الامتثال العلمي واما جواز الاكتفاء بالعلمي الاجمالي مع امكان الاحراز التفصيلي بقسميه ففيه اختلاف بين الاعلام.
الامر هو في اللغة موضوع لمعان كثيرة وفى هذا الاصطلاح عبارة عن الطلب الانشائي، والتقييد بالانشائي لاخراج الطلب الحقيقي الذي هو الإرادة القلبية فلا يطلق عليها الامر الا مجازا.
وهل يعتبر في الطلب الذي هو معنى الامر أن يكون أكيدا ينتزع عنه الوجوب فالطلب الضعيف المنتزع عنه الاستحباب ليس بامر حقيقة، أو يعتبر فيه كونه صادرا من العالي فالصادر من المساوي والداني ليس بامر; أو يعتبر فيه كون الطالب مستعليا مرتفعا وإن لم يكن عاليا فالصادر من المتواضع الخافض جناحه ليس بامر، أو يعتبر فيه أحد الامرين اما كون الطالب عاليا ولو طلب بخفض الجناح أو كونه مستعليا ولو لم يكن عاليا فالصادر من غير العالي بخفض الجناح ليس بامر وجوه بل أقوال.
وينقسم الامر بتقسيمات:
منها: تقسيمه إلى الامر المولوي والامر الارشادي.
فالأول: هو البعث والطلب الحقيقي لمصلحة موجودة في متعلقه غالبا بحيث يحكم
العقل بترتب استحقاق المثوبة على موافقته والعقوبة على مخالفته مضافا إلى مصلحة الفعل المطلوب; كغالب الأوامر الواقعة في الكتاب والسنة فإذا امر المولى بالصلاة والصيام وحصل من العبد امتثال ذلك الامر ترتب عليه امران: أحدهما: حصول غرض المولى من امره وهو نيل العبد إلى المصالح الموجودة في الصلاة والصيام، وثانيهما:
حكم العقل باستحقاقه للجزاء والمثوبة بواسطة حصول الطاعة منه.
والثاني: هو البعث الصوري الذي ليس بطلب وأمر حقيقة بل ليس بالدقة الا اخبارا عن مصلحة الفعل وارشادا وهداية إلى فعل ذي صلاح بحيث لا يترتب لدى العرف والعقلاء على موافقته الا الوصول إلى مصلحة العمل المرشد إليه وعلى مخالفته الا فوت تلك المصلحة، فقوله تعالى: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " بعث إلى إطاعة الأوامر الصادرة منه تعالى فهو امر بالصلاة والزكاة والحج ونحوها فيجتمع حينئذ في الواجبات والمستحبات امران، امرها الأولى من قوله صل وصم وحج وغيرها، وأمرها الثانوي بواسطة انطباق عنوان الإطاعة عليها، فلصلاة الظهر مثلا امر بعنوان انها ظهر وأمر بعنوان انها إطاعة للامر الأول والأول حقيقي مولوي كما ذكرنا والثاني ارشادي يهدى إلى المصلحة الثابتة في متعلقه وهو الإطاعة باتيانه، فحينئذ إذ أتى العبد بالظهر لم يترتب على موافقة امرها الثانوي الأنفس ما في الإطاعة مع قطع النظر عن هذا الامر وهو درك مصلحة الظهر وثواب إطاعة الامر المولوي، لا انه يستحق جزاء للامر الأول وجزاء ومثوبة للامر الثاني، ولو خالف ولم يأت بها لم يترتب عليها أيضا الا فوت مصالح الظهر وترتب عقاب الامر الأول لا ان هنا عقابين أحدهما للامر الأول والثاني للامر الثاني وهكذا سائر موارد الارشاد.
ثم إن تعيين كون الامر مولويا أو ارشاديا وتشخيص مواردهما موكول إلى حكم العقل ونظر اهل الفن وقد اختلفت كلماتهم في ذلك فقال بعضهم ان كل مورد يكون للعقل فيه حكم بالاستقلال فالحكم الوارد فيه حكم ارشادي كقبح الظلم وحسن الاحسان، وقال آخرون ان كل مورد يلزم من اعمال المولوية فيه اللغوية فهو مورد الارشاد، وذهبت عدة ثالثة إلى أن كل مورد يلزم من جعل الامر المولوي محذور عقلي
كالدور والتسلسل فهو مورد الارشاد كالأوامر الإطاعة فإنها لو كانت مولوية لزم حصول إطاعة أخرى لها وحدوث امر جديد وهكذا فيتسلسل.
ومنها: تقسيمه إلى التعبدي والتوصلي والى النفسي والغيري والى التعييني والتخييري والى العيني والكفائي ويأتي جميع ذلك أن شاء الله تحت عنوان الوجوب.