الامر هو في اللغة موضوع لمعان كثيرة وفى هذا الاصطلاح عبارة عن الطلب الانشائي، والتقييد بالانشائي لاخراج الطلب الحقيقي الذي هو الإرادة القلبية فلا يطلق عليها الامر الا مجازا.
وهل يعتبر في الطلب الذي هو معنى الامر أن يكون أكيدا ينتزع عنه الوجوب فالطلب الضعيف المنتزع عنه الاستحباب ليس بامر حقيقة، أو يعتبر فيه كونه صادرا من العالي فالصادر من المساوي والداني ليس بامر; أو يعتبر فيه كون الطالب مستعليا مرتفعا وإن لم يكن عاليا فالصادر من المتواضع الخافض جناحه ليس بامر، أو يعتبر فيه أحد الامرين اما كون الطالب عاليا ولو طلب بخفض الجناح أو كونه مستعليا ولو لم يكن عاليا فالصادر من غير العالي بخفض الجناح ليس بامر وجوه بل أقوال.
وينقسم الامر بتقسيمات:
منها: تقسيمه إلى الامر المولوي والامر الارشادي.
فالأول: هو البعث والطلب الحقيقي لمصلحة موجودة في متعلقه غالبا بحيث يحكم
العقل بترتب استحقاق المثوبة على موافقته والعقوبة على مخالفته مضافا إلى مصلحة الفعل المطلوب; كغالب الأوامر الواقعة في الكتاب والسنة فإذا امر المولى بالصلاة والصيام وحصل من العبد امتثال ذلك الامر ترتب عليه امران: أحدهما: حصول غرض المولى من امره وهو نيل العبد إلى المصالح الموجودة في الصلاة والصيام، وثانيهما:
حكم العقل باستحقاقه للجزاء والمثوبة بواسطة حصول الطاعة منه.
والثاني: هو البعث الصوري الذي ليس بطلب وأمر حقيقة بل ليس بالدقة الا اخبارا عن مصلحة الفعل وارشادا وهداية إلى فعل ذي صلاح بحيث لا يترتب لدى العرف والعقلاء على موافقته الا الوصول إلى مصلحة العمل المرشد إليه وعلى مخالفته الا فوت تلك المصلحة، فقوله تعالى: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " بعث إلى إطاعة الأوامر الصادرة منه تعالى فهو امر بالصلاة والزكاة والحج ونحوها فيجتمع حينئذ في الواجبات والمستحبات امران، امرها الأولى من قوله صل وصم وحج وغيرها، وأمرها الثانوي بواسطة انطباق عنوان الإطاعة عليها، فلصلاة الظهر مثلا امر بعنوان انها ظهر وأمر بعنوان انها إطاعة للامر الأول والأول حقيقي مولوي كما ذكرنا والثاني ارشادي يهدى إلى المصلحة الثابتة في متعلقه وهو الإطاعة باتيانه، فحينئذ إذ أتى العبد بالظهر لم يترتب على موافقة امرها الثانوي الأنفس ما في الإطاعة مع قطع النظر عن هذا الامر وهو درك مصلحة الظهر وثواب إطاعة الامر المولوي، لا انه يستحق جزاء للامر الأول وجزاء ومثوبة للامر الثاني، ولو خالف ولم يأت بها لم يترتب عليها أيضا الا فوت مصالح الظهر وترتب عقاب الامر الأول لا ان هنا عقابين أحدهما للامر الأول والثاني للامر الثاني وهكذا سائر موارد الارشاد.
ثم إن تعيين كون الامر مولويا أو ارشاديا وتشخيص مواردهما موكول إلى حكم العقل ونظر اهل الفن وقد اختلفت كلماتهم في ذلك فقال بعضهم ان كل مورد يكون للعقل فيه حكم بالاستقلال فالحكم الوارد فيه حكم ارشادي كقبح الظلم وحسن الاحسان، وقال آخرون ان كل مورد يلزم من اعمال المولوية فيه اللغوية فهو مورد الارشاد، وذهبت عدة ثالثة إلى أن كل مورد يلزم من جعل الامر المولوي محذور عقلي
كالدور والتسلسل فهو مورد الارشاد كالأوامر الإطاعة فإنها لو كانت مولوية لزم حصول إطاعة أخرى لها وحدوث امر جديد وهكذا فيتسلسل.
ومنها: تقسيمه إلى التعبدي والتوصلي والى النفسي والغيري والى التعييني والتخييري والى العيني والكفائي ويأتي جميع ذلك أن شاء الله تحت عنوان الوجوب.
الامر بالشئ يقتضى النهى عن ضده أم لا؟
من الأبحاث الراجعة إلى الامر بحثهم عن أن الامر بالشئ هل يقتضى النهى عن ضده أم لا؟
وبيانه انه إذا تعلق امر المولى بفعل من الأفعال كإزالة النجاسة عن المسجد فلا محالة يتصور له ضد أو أضداد يعاند وجوده وينافى تحققه، وجوديا كان المعاند كالصلاة والأكل والنوم، أو عدميا كترك ذلك الفعل.
فوقع البحث (ح) في أنه هل يكون للامر الدال على وجوب فعل بالمطابقة دلالة على النهى عن تلك المعاندات أم لا؟.
واو جز البيان في المقام ان نقول إنه لا بأس بالقول بدلالة الامر بالشئ على النهى عن المعاند العدمي وهو ترك المأمور به بالملازمة العقلية فان ايجاب الإزالة مثلا يلازم عقلا عدم رضا الآمر بتركها ومبغوضية ذلك الترك.
واما الأضداد الوجودية ففيها وجهان:
أحدهما: دلالته على النهى عنها بتخيل ان ترك الأضداد مقدمة لفعل المأمور به; فيترشح من الطلب المتعلق بالفعل طلب غيرى متعلق بترك الأضداد وهو معنى النهى عنه.
أو بتخيل ان فعل المأمور به وترك الأضداد متلازمان والامر بأحد المتلازمين يستلزم الامر بالملازم الاخر فطلب الفعل يستلزم طلب ترك ضده وهو معنى النهى عنه.
وثانيها: عدم الدلالة لان وجود المأمور به وعدم الضد امران متقارنان في الوجود لا علية لأحدهما الاخر ولا توقف، بل كل منهما معلول لعلة مستقلة، فالمكلف الداخل في المسجد إذا قصد الإزالة ولم يقصد الصلاة أو النوم، يكون قصده للإزالة علة لحصول الإزالة وعدم قصده للصلاة علة لعدم الصلاة إذ يكفى في عدم الشئ عدم تحقق علة وجوده، فالمأمور به معلول لعلة; وترك الضد معلول لعلة أخرى وحيث لا علية بينهما فلا توقف ولا تقدم، فان توقف شئ على شئ فرع كون الثاني من اجزاء علة الأول.
نعم هما متلازمان في التحقق والوجود الا ان طلب أحد المتلازمين لا يستلزم طلب الاخر بل غاية الامر عدم جعل حكم له يخالف حكم ملازمه.
إذا فلا يدل الامر بالشئ على النهى عن أضداده الوجودية.
ثم إن ثمرة هذه المسألة حرمة الأضداد الوجودية على الاقتضاء وعدمها على العدم وتنتج الحرمة بطلان الضد إذا كان عبادة كما في المثال.
الامكان والوجوب والامتناع ينقسم الامكان إلى الذاتي والوقوعي وينقسم كل من الوجوب والامتناع إلى الذاتي والغيري والوقوعي ويعرف حقيقة كل منها ونسبته مع صاحبه في ضمن مثاله فنقول:
الأول: الامكان الذاتي وهو كون الشئ بحيث ليس في ذاته اقتضاء للوجود ولا للعدم بل رجحان كل من وجوده وعدمه يحتاج إلى علة وان كان يكفى في طرف عدمه عدم علة الوجود، وهذا كجميع الممكنات الموجودة والمعدومة، فالفلك والشمس والقمر والفرس والنجم والشجر ممكنات اقتضت إرادة الله تعالى وجودها والانسان الذي له الف رأس ممكن لم يرد الواجب تعالى وجوده.
الثاني: الامكان الوقوعي وهو كون الشئ بحيث لا يستلزم وجوده وعدمه ووقوعه ولا وقوعه محذورا عقليا كاجتماع النقيضين والضدين والخلف والقبح على الحكيم ونحوها، ومثاله غالب الحركات والأفعال الصادرة منا والنسبة بين هذا الامكان وسابقه عموم مطلق، فكل ممكن وقوعي ممكن ذاتي ولا عكس لأنه قد يكون الممكن الذاتي واجبا وقوعيا أو ممتنعا وقوعيا كما ستعرف; فالامكان الذاتي أعم من الامكان الوقوعي.
الثالث: الوجوب الذاتي وهو كون الشئ بحيث يقتضى الوجود لذاته اقتضاء
حتميا ويحكم العقل بمجرد تصور ذاته بأنه لا بد له من الوجود ويمتنع في حقه العدم، وهذا المعنى منحصر المصداق في ذات الله تعالى فهو الواجب لذاته دون غيره.
الرابع: الوجوب الغيرى وهو وجود علة الشئ وتحققها خارجا، فيطلق على الشئ حينئذ انه واجب غيرى; اما وجوبه فلانه لا يمكن أن لا يوجد مع فرض وجود علته التامة واما كونه غيريا فلان المقتضى لوجوده ليس نفس ذاته بل وجود علته والنسبة بينه وبين الواجب الذاتي هي التباين.
الخامس: الوجوب الوقوعي وهو كون الشئ بحيث يلزم من عدم وجوده محذور عقلي ويستلزم عدمه امرا باطلا أو محالا عقليا وان كان ممكنا ذاتا، وذلك كالمعلول الصادر من العلة الواجبة لذاتها والآثار اللازمة للواجب بالذات، فكل موجود خلقه الله تعالى لاقتضاء ذاته وصفاته تعالى خلقه وايجاده من العقل والروح والنور والماء ونحوها فهو واجب وقوعي، إذ يلزم من عدمه عدم ذات الواجب وصفاته وهو خلف محال، والنسبة بينه وبين الوجوب الغيرى عموم من وجه فمادة الافتراق من الغيرى أفعال العباد ومعلولات الممكنات غالبا إذ لا يلزم من عدم فعلنا الا عدم ارادتنا التي هي علة ولا محذور فيه، ومادة الافتراق من الواجب الوقوعي ذات الباري تعالى فإنه كما هو واجب ذاتي واجب وقوعي أيضا إذ يلزم من عدمه الخلف وعدم كونه واجب الوجود، ومادة الاجتماع المعلول الأول الصادر من الله تعالى فإنه واجب وقوعي وواجب غيرى، ومنه تعرف النسبة بين الواجب الذاتي والوقوعي أيضا فان الأول أخص من الثاني إذ كل واجب ذاتي واجب وقوعي وليس كل وقوعي ذاتيا.
السادس: الامتناع الذاتي وهو كون الشئ بحيث يقتضى بذاته العدم اقتضاء حتميا ويحكم العقل بمجرد تصوره انه ممتنع الوجود كشريك الباري واجتماع النقيضين والضدين وتقدم الشئ على نفسه وصدور القبيح من الحكيم كما قيل.
السابع: الامتناع الغيرى وهو عدم تحقق علة الشئ، فكل شئ لم يوجد علته التامة يطلق عليه انه ممتنع غيرى; اما امتناعه فلعدم امكان الشئ بلا علة واما كونه غيريا فلان عدمه ليس لاقتضاء ذاته بل لعدم علة وجوده.
ومثاله غالب الممكنات فإذا لم يصدر منك الأكل والشرب والنوم في وقت معين
مثلا صدق عليها انها ممتنعات غيرية.
والنسبة بينه وبين الممتنع الذاتي عموم مطلق إذ كل ممتنع ذاتي ممتنع غيرى فإنه لا يعقل تحقق علة للممتنع الذاتي فيكون ممتنعا غيريا أيضا وليس كل ممتنع غيرى ممتنعا ذاتيا كالممكنات غير الموجودة فالذاتي أخص من الغيرى.
الثامن: الامتناع الوقوعي وهو كون الشئ بحيث يلزم من وقوعه باطل ومحال وإن لم يكن ذاتا بمحال، وذلك كصدور معلول واحد عن علتين مستقلتين فالحرارة المحدودة المعينة في ماء مثلا لا يمكن صدورها عن النار والشمس عن الاستقلال، فهي وان كانت بنفسها ممكنة الا ان صدورها عن علتين مستقلتين ممتنع لاستلزامه صدور الواحد عن اثنين مع أن المشهور انه لا يصدر الواحد إلا عن الواحد، وهذا أخص من الممتنع الغيرى فكل ممتنع وقوعي ممتنع غيرى إذ لا يعقل وجود العلة للمتنع الوقوعي فيكون غيريا أيضا وليس كل غيرى وقوعيا إذ غالب ما لم يوجد علته ممتنع غيرى مع عدم لزوم محذور من وجوده.