كالدور والتسلسل فهو مورد الارشاد كالأوامر الإطاعة فإنها لو كانت مولوية لزم حصول إطاعة أخرى لها وحدوث امر جديد وهكذا فيتسلسل.
ومنها: تقسيمه إلى التعبدي والتوصلي والى النفسي والغيري والى التعييني والتخييري والى العيني والكفائي ويأتي جميع ذلك أن شاء الله تحت عنوان الوجوب.
الامر بالشئ يقتضى النهى عن ضده أم لا؟
من الأبحاث الراجعة إلى الامر بحثهم عن أن الامر بالشئ هل يقتضى النهى عن ضده أم لا؟
وبيانه انه إذا تعلق امر المولى بفعل من الأفعال كإزالة النجاسة عن المسجد فلا محالة يتصور له ضد أو أضداد يعاند وجوده وينافى تحققه، وجوديا كان المعاند كالصلاة والأكل والنوم، أو عدميا كترك ذلك الفعل.
فوقع البحث (ح) في أنه هل يكون للامر الدال على وجوب فعل بالمطابقة دلالة على النهى عن تلك المعاندات أم لا؟.
واو جز البيان في المقام ان نقول إنه لا بأس بالقول بدلالة الامر بالشئ على النهى عن المعاند العدمي وهو ترك المأمور به بالملازمة العقلية فان ايجاب الإزالة مثلا يلازم عقلا عدم رضا الآمر بتركها ومبغوضية ذلك الترك.
واما الأضداد الوجودية ففيها وجهان:
أحدهما: دلالته على النهى عنها بتخيل ان ترك الأضداد مقدمة لفعل المأمور به; فيترشح من الطلب المتعلق بالفعل طلب غيرى متعلق بترك الأضداد وهو معنى النهى عنه.
أو بتخيل ان فعل المأمور به وترك الأضداد متلازمان والامر بأحد المتلازمين يستلزم الامر بالملازم الاخر فطلب الفعل يستلزم طلب ترك ضده وهو معنى النهى عنه.
وثانيها: عدم الدلالة لان وجود المأمور به وعدم الضد امران متقارنان في الوجود لا علية لأحدهما الاخر ولا توقف، بل كل منهما معلول لعلة مستقلة، فالمكلف الداخل في المسجد إذا قصد الإزالة ولم يقصد الصلاة أو النوم، يكون قصده للإزالة علة لحصول الإزالة وعدم قصده للصلاة علة لعدم الصلاة إذ يكفى في عدم الشئ عدم تحقق علة وجوده، فالمأمور به معلول لعلة; وترك الضد معلول لعلة أخرى وحيث لا علية بينهما فلا توقف ولا تقدم، فان توقف شئ على شئ فرع كون الثاني من اجزاء علة الأول.
نعم هما متلازمان في التحقق والوجود الا ان طلب أحد المتلازمين لا يستلزم طلب الاخر بل غاية الامر عدم جعل حكم له يخالف حكم ملازمه.
إذا فلا يدل الامر بالشئ على النهى عن أضداده الوجودية.
ثم إن ثمرة هذه المسألة حرمة الأضداد الوجودية على الاقتضاء وعدمها على العدم وتنتج الحرمة بطلان الضد إذا كان عبادة كما في المثال.
الامكان والوجوب والامتناع ينقسم الامكان إلى الذاتي والوقوعي وينقسم كل من الوجوب والامتناع إلى الذاتي والغيري والوقوعي ويعرف حقيقة كل منها ونسبته مع صاحبه في ضمن مثاله فنقول:
الأول: الامكان الذاتي وهو كون الشئ بحيث ليس في ذاته اقتضاء للوجود ولا للعدم بل رجحان كل من وجوده وعدمه يحتاج إلى علة وان كان يكفى في طرف عدمه عدم علة الوجود، وهذا كجميع الممكنات الموجودة والمعدومة، فالفلك والشمس والقمر والفرس والنجم والشجر ممكنات اقتضت إرادة الله تعالى وجودها والانسان الذي له الف رأس ممكن لم يرد الواجب تعالى وجوده.
الثاني: الامكان الوقوعي وهو كون الشئ بحيث لا يستلزم وجوده وعدمه ووقوعه ولا وقوعه محذورا عقليا كاجتماع النقيضين والضدين والخلف والقبح على الحكيم ونحوها، ومثاله غالب الحركات والأفعال الصادرة منا والنسبة بين هذا الامكان وسابقه عموم مطلق، فكل ممكن وقوعي ممكن ذاتي ولا عكس لأنه قد يكون الممكن الذاتي واجبا وقوعيا أو ممتنعا وقوعيا كما ستعرف; فالامكان الذاتي أعم من الامكان الوقوعي.
الثالث: الوجوب الذاتي وهو كون الشئ بحيث يقتضى الوجود لذاته اقتضاء
حتميا ويحكم العقل بمجرد تصور ذاته بأنه لا بد له من الوجود ويمتنع في حقه العدم، وهذا المعنى منحصر المصداق في ذات الله تعالى فهو الواجب لذاته دون غيره.
الرابع: الوجوب الغيرى وهو وجود علة الشئ وتحققها خارجا، فيطلق على الشئ حينئذ انه واجب غيرى; اما وجوبه فلانه لا يمكن أن لا يوجد مع فرض وجود علته التامة واما كونه غيريا فلان المقتضى لوجوده ليس نفس ذاته بل وجود علته والنسبة بينه وبين الواجب الذاتي هي التباين.
الخامس: الوجوب الوقوعي وهو كون الشئ بحيث يلزم من عدم وجوده محذور عقلي ويستلزم عدمه امرا باطلا أو محالا عقليا وان كان ممكنا ذاتا، وذلك كالمعلول الصادر من العلة الواجبة لذاتها والآثار اللازمة للواجب بالذات، فكل موجود خلقه الله تعالى لاقتضاء ذاته وصفاته تعالى خلقه وايجاده من العقل والروح والنور والماء ونحوها فهو واجب وقوعي، إذ يلزم من عدمه عدم ذات الواجب وصفاته وهو خلف محال، والنسبة بينه وبين الوجوب الغيرى عموم من وجه فمادة الافتراق من الغيرى أفعال العباد ومعلولات الممكنات غالبا إذ لا يلزم من عدم فعلنا الا عدم ارادتنا التي هي علة ولا محذور فيه، ومادة الافتراق من الواجب الوقوعي ذات الباري تعالى فإنه كما هو واجب ذاتي واجب وقوعي أيضا إذ يلزم من عدمه الخلف وعدم كونه واجب الوجود، ومادة الاجتماع المعلول الأول الصادر من الله تعالى فإنه واجب وقوعي وواجب غيرى، ومنه تعرف النسبة بين الواجب الذاتي والوقوعي أيضا فان الأول أخص من الثاني إذ كل واجب ذاتي واجب وقوعي وليس كل وقوعي ذاتيا.
السادس: الامتناع الذاتي وهو كون الشئ بحيث يقتضى بذاته العدم اقتضاء حتميا ويحكم العقل بمجرد تصوره انه ممتنع الوجود كشريك الباري واجتماع النقيضين والضدين وتقدم الشئ على نفسه وصدور القبيح من الحكيم كما قيل.
السابع: الامتناع الغيرى وهو عدم تحقق علة الشئ، فكل شئ لم يوجد علته التامة يطلق عليه انه ممتنع غيرى; اما امتناعه فلعدم امكان الشئ بلا علة واما كونه غيريا فلان عدمه ليس لاقتضاء ذاته بل لعدم علة وجوده.
ومثاله غالب الممكنات فإذا لم يصدر منك الأكل والشرب والنوم في وقت معين
مثلا صدق عليها انها ممتنعات غيرية.
والنسبة بينه وبين الممتنع الذاتي عموم مطلق إذ كل ممتنع ذاتي ممتنع غيرى فإنه لا يعقل تحقق علة للممتنع الذاتي فيكون ممتنعا غيريا أيضا وليس كل ممتنع غيرى ممتنعا ذاتيا كالممكنات غير الموجودة فالذاتي أخص من الغيرى.
الثامن: الامتناع الوقوعي وهو كون الشئ بحيث يلزم من وقوعه باطل ومحال وإن لم يكن ذاتا بمحال، وذلك كصدور معلول واحد عن علتين مستقلتين فالحرارة المحدودة المعينة في ماء مثلا لا يمكن صدورها عن النار والشمس عن الاستقلال، فهي وان كانت بنفسها ممكنة الا ان صدورها عن علتين مستقلتين ممتنع لاستلزامه صدور الواحد عن اثنين مع أن المشهور انه لا يصدر الواحد إلا عن الواحد، وهذا أخص من الممتنع الغيرى فكل ممتنع وقوعي ممتنع غيرى إذ لا يعقل وجود العلة للمتنع الوقوعي فيكون غيريا أيضا وليس كل غيرى وقوعيا إذ غالب ما لم يوجد علته ممتنع غيرى مع عدم لزوم محذور من وجوده.
الانحلال استعمال هذا العنوان في علم الأصول يقع في موارد:
منها: مورد وجود العلم الاجمالي بالتكليف المنجز، وينقسم بهذا الاطلاق إلى الانحلال الحقيقي والانحلال الحكمي.
بيان ذلك أنه إذا حصل للمكلف علم اجمالي بوجوب أحد الشيئين أو الأشياء مثلا ثم حصل له الاحراز التفصيلي بالنسبة إلى بعض الأطراف بان انكشف له ان المعلوم بالاجمال هو هذا دون ذاك وزال العلم الأول وتحقق علم تفصيلي بالواجب أو الحرام سمى زوال الأول وحدوث الثاني انحلالا.
مثلا إذا علم المكلف اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة ثم علم على التفصيل بان الواجب هو الظهر دون الجمعة أو علم أولا بخمرية ما في أحد الإنائين ثم علم تفصيلا بان الخمر في هذا الاناء دون ذاك يقال حينئذ انه قد انحل العلم الاجمالي.
هذا هو الانحلال الحقيقي وفى حكمه ما سموه بانحلال الحكمي، مثاله ما إذا قام دليل معتبر على تعيين المعلوم بالاجمال من دون حصول العلم على طبقه كما إذا أخبر العادل بان الواجب هو الظهر لا الجمعة أو قامت البينة على أن الخمر هي ما في هذا الاناء دون ذاك، فيجوز حينئذ الاخذ بمفاد ذاك الدليل وترتيب حكم الواقع عليه
وترك الاحتياط في الطرف الاخر وسمى ذلك بالانحلال الحكمي لأنه في حكم الانحلال الحقيقي في جواز اخذ مؤديه وطرح الآخر بلا ترتب عقاب على المكلف ولو كان الدليل مخطئا عن الواقع.
تنبيه:
العلم التفصيلي الطارئ بعد العلم الاجمالي يتصور على صور بعضها موجب للانحلال قطعا وبعضها غير موجب له على المشهور وبعضها مختلف فيه.
فالأول: هو ما لو علم انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل كما إذا علم تفصيلا بان المغصوب الموجود في البين هو ما في هذا الاناء دون ذاك.
والثاني: ما إذا كان المعلوم بالتفصيل تكليفا حادثا أو عنوانا آخر غير عنوان المعلوم بالاجمال كما إذا علم اجمالا بغصبية أحد الإنائين ثم وقع قطرة من البول في أحدهما المعين أو علم اجمالا بالغصبية ثم علم تفصيلا بكون هذا الاناء نجسا من أول الامر وان احتمل الانطباق في كلتا الصورتين.
والثالث: ما إذا احتمل وحدة التكليف واتحاد العنوانين كما إذا علم اجمالا بخمرية أحد الإنائين ثم علم بنجاسة أحدهما المعين مع احتمال أن يكون نجاسته لكونه هو الخمر، أو علم اجمالا بنجاسة أحدهما ثم علم تفصيلا بان هذا الاناء خمر; أو علم بحرمة أحدهما اجمالا ثم علم بحرمة هذا ولم يعلم وجه الحرمة في متعلق العلمين، ففي المثال الأول عنوان المعلوم بالاجمال معلوم دون عنوان المعلوم بالتفصيل وفى الثاني الامر بالعكس وفى الثالث كلا العنوانين مجهولان، وفى هذه الموارد وقع الاشكال والاختلاف في الانحلال وعدمه فراجع المطولات.
ومنها: مورد انحلال الحكم التكليفي المنشأ بانشاء واحد إلى احكام كثيرة مستقلة فإذا قال المولى أكرم كل عالم، فالانشاء في هذا الكلام وان كان واحدا الا انه ينحل لدى العقل والعرف إلى انشاءات كثيرة واحكام مستقلة شتى بعدد افراد الموضوع ومصاديقه، فكان المولى أنشأ لاكرام كل فرد وجوبا مستقلا بانشاء مستقل فلكل منها