بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 90

الخامسة: ان ترجيح المرجوح على الراجح قبيح.
وحاصل تلك المقدمات انه بعد العلم بوجود احكام فعلية وعدم امكان العلم التفصيلي بها وعدم جواز اهمالها أو الاحتياط التام في أطرافها يلزمنا التبعيض في الاحتياط فيدور الامر بين ان نعمل بظننا ونأتي بمظنونات الوجوب مثلا ونترك ما شككنا أو وهمنا وجوبه وبين عكسه ولا اشكال في وجوب الأول فينتج لزوم العمل بالظن.
تنبيه:
اختلف القائلون بالانسداد وتمامية هذا الدليل في أن مفاده ونتيجته هل هو حجية الظن عقلا بمعنى ان العقل يحكم بلزوم العمل عليه كحكمه بحجية القطع بلا حصول جعل من الشارع، أو ان مفاده حجيته شرعا بمعنى انا نستكشف منه ان الشارع جعله حجة وأمرنا باتباعه كخبر العدل والثقة عند من قال بحجيتهما، وعلى التصوير الأول يقال ان الظن الانسدادي حجة على الحكومة وعلى التصوير الثاني يقال إنه حجة على الكشف والمنشأ في هذا الاختلاف هو ان عدم لزوم الاحتياط هل هو بحكم العقل أو بحكم الشرع.



صفحه 91

انقلاب النسبة ودوامها مورد هذين العنوانين هو تقابل أكثر من دليلين مع امكان الجمع العرفي بينها أو بين بعضها مع بعض آخر، فإذا لوحظ ابتداء حال أحدهما مع صاحبه وعمل بينهما على نحو يقتضيه نظر العرف ثم لو حظ حاله مع الثالث فتارة تنقلب النسبة بينهما عما كانت قبل ذلك فيتحقق عنوان انقلاب النسبة وأخرى لا تنقلب فيوجد عنوان دوامها.
مثال الانقلاب ما إذا ورد أكرم العلماء وورد لا تكرم الفساق منهم وورد أيضا لا تكرم النحويين منهم، فالنسبة ابتداء بين الثاني والثالث عموم من وجه وبين كل منهما مع الأول عموم مطلق، فإذا جعلنا الخاص الأول مخصصا للعام تغير عنوان العام وانقلبت النسبة بينه وبين الخاص الثاني إلى العموم من وجه فكأنه قال أكرم العلماء غير الفساق ولا تكرم النحويين منهم فمادة الافتراق من ناحية الأول العالم الفقيه ومن الثاني النحوي الفاسق ومادة الاجتماع العادل النحوي.
ثم إن الحكم هنا هو ملاحظة النسبة الأولية وجعل كلا الخاصين مخصصا للعام في عرض واحد ما لم يستلزم الاستغراق أو التخصيص المستهجن، فان استلزم ذلك يؤخذ بأحد الخاصين ويخصص به العام ويطرح الخاص الآخر.
ومثال عدم الانقلاب ما إذا ورد أكرم العلماء وورد لا تكرم الأصوليين وورد


صفحه 92

أيضا لا تكرم النحويين وفرضنا التباين بين الخاصين، فإذا خصصنا العام بالخاص الأول وصار عنوان العام العالم الغير الأصولي كان النسبة بينه وبين الخاص الثاني هي النسبة الأولى بعينها فان كل عالم نحوي عالم غير أصولي وليس كل عالم غير أصولي عالما نحويا كالفقيه القليل المعرفة بالنحو.
ثم إن أقسام انقلاب النسبة وعدمه كثيرة جدا واحكامها مختلفة اقتصرنا على المثالين خوفا من الإطالة فراجع مظانها.



صفحه 93

التبادر هو في الاصطلاح عبارة عن انسباق المعنى إلى الذهن من اللفظ عند سماعه; فإن كان ذلك من نفس اللفظ بلا معونة قرينة كان ذلك علامة كون ذلك اللفظ حقيقة في ذلك المعنى وموضوعا له بوضع تخصيصي أو بوضع تخصصي، لبداهة انه لولا وضعه له لما تبادر ذلك منه ولما انسبق، فإذا سمعت قول المولى جئني بأسد واستبق إلى ذهنك من الكلام وجوب الاتيان بالحيوان المفترس قلت إن هيئة الامر حقيقة في الوجوب وكلمة أسد حقيقة في الحيوان المفترس وهكذا.



صفحه 94

التجري هو في اللغة الجرئة وعدم الخوف في مورد يكون معرضا له.
وفى اصطلاح هذا العلم فعل أو ترك، يقطع أو يتخيل كونه مخالفة للمولى وعصيانا لحكمه، مع عدم المخالفة واقعا.
كما أن المعصية الحقيقية هو الاقدام على مخالفة المولى فيما صادف الواقع، فالنسبة بين التجري والمعصية الحقيقية هو التباين، فمن شرب الماء معتقدا لخمريته تحقق التجري دون المعصية، ومن شرب الخمر ملتفتا إلى الخمرية والحرمة تحقق العصيان دون التجري.
وقد يطلق التجري على مطلق الجرئة على المولى صادف الواقع أم خالفه وعليه يكون التجري أعم مطلقا من العصيان.
ثم إن التجري هل هو عنوان ينطبق على إرادة الشخص المتجرى، فهو فعل من أفعال القلب ومعناه العزم على العصيان والقصد إلى مخالفة المولى مع اتيان ما يعتقد كونه عصيانا، أو هو عنوان ينطبق على الفعل الخارجي فهو من أفعال الجوارح ومعناه العمل الذي يعتقدانه مخالفة للمولى، قولان اختار كل واحد منهما عدة من المحققين.
فعلى الأول: يكون قبح التجري عقليا، من جهة خبث باطن الشخص وسوء قصده


صفحه 95

وإرادته ويطلق عليه القبح الفاعلي، وعلى الثاني يكون من أجل سوء عمله الخارجي ويطلق عليه القبح الفعلي، وفى استلزام القبح العقلي فعليا كان أو فاعليا للحرمة الشرعية كلام سيجئ التعرض له.
تنبيهان:
الأول: يقع الكلام تارة في قبح التجري عقلا وأخرى في حرمته شرعا وثالثة في سببيته لاستحقاق العقوبة، وعلى التقادير اما ان نقول بانطباق عنوان التجري على القصد والإرادة واما بانطباقه على الفعل المتجرى به.
وحينئذ نقول إن للأصوليين هاهنا أقوالا:
منها: القول بانطباق عنوان التجري على الإرادة وسببيته لاستحقاق العقاب مع عدم قبحه عقلا وعدم حرمته شرعا، وهذا هو مختار صاحب الكفاية (ره) على ما يظهر من كلامه فذهب إلى أن الإرادة المستتبعة لفعل ما يعتقد كونه معصية لا تكون قبيحا عقلا ولا حراما شرعا، فإنهما من عوارض الامر الاختياري والإرادة ليست اختيارية، والاستحقاق معلول للبعد عن المولى الحاصل بتلك الإرادة.
واما الفعل الخارجي كشرب الماء المقطوع بخمريته فهو باق على ما هو عليه من الأحوال والاحكام ولم ينطبق عليه عنوان يجعله قبيحا أو حراما.
ومنها: القول بانطباقه على الإرادة وقبحه عقلا مع عدم حرمته وعدم العقاب عليه شرعا وذلك لاجل ان النية والقبح الفاعلي لا تكون حراما ولا توجب استحقاق العقاب; وان كان قبيحا عقلا، والملازمة بين القبح العقلي والحرمة الشرعية على القول بها انما هي في القبح الفعلي الذي هو مجرى قاعدة الملازمة لا الفاعلي كما فيما نحن فيه، وهذا أيضا مع بقاء الفعل المتجرى به على ما هو عليه وعدم انطباق عنوان عليه يغيره وهذا هو مختار الشيخ (ره) في رسائله.
ومنها: القول بانطباق التجري على الفعل الخارجي وقبحه عقلا وسببيته لاستحقاق العقاب مع عدم حرمته شرعا فان القبح والاستحقاق العقليين لا يستلزمان


صفحه 96

الحرمة الشرعية فهما (ح) مترتبان على عنوان هتك حرمة المولى والإهانة له وطغيان العبد وخروجه عن زي الرقية; وكل تلك العناوين تنطبق على الفعل المتجرى به فيكون قبيحا عقلا وسببا لاستحقاق العقاب.
بل العلة التامة للاستحقاق حتى في المعصية الحقيقية انما هي تلك العناوين لا تفويت المصلحة الواقعية بترك الواجب أو الوقوع في المفسدة الواقعية بفعل الحرام، ولا مخالفة الامر والنهى الواقعيين، فإنهما يتحققان كثيرا في موارد الخطاء والنسيان والجهل القصوري مع عدم العقاب حينئذ قطعا، وبالجملة ما يمكن أن يكون علة للعقاب أمور ثلثة:
الأول: تفويت المصلحة أو الوقوع في المفسدة.
الثاني: مخالفة الامر أو النهى.
الثالث: هتك حرمة المولى والطغيان عليه، والأظهر لدى التأمل هو الثالث وهو موجود في صورة التجري أيضا كالمعصية الحقيقية وهذا القول قوى.
الثاني: ان هنا عنوانا آخر يسمى بالانقياد يضاهى التجري ويماثله، وهو الفعل أو الترك لما يقطع أو يتخيل كونه طاعة للمولى ومطلوبا له مع عدم كونه في الواقع كذلك، ويقابله الطاعة الحقيقية وهو الاقدام على طاعة المولى فيما صادف الواقع.
والبحث في الانقياد نظير البحث في التجري; في أنه هل هو عنوان ينطبق على القصد أو على الفعل الخارجي، وانه هل يكون حسنا عقلا ومطلوبا شرعا وسببا لاستحقاق المثوبة أم لا. والحاصل انهما متماثلان توأمان مرتضعان من أم واحدة بلبن واحد.



صفحه 97

التخصص هو في الاصطلاح خروج مورد عن موضوع دليل خروجا حقيقيا وجدانيا بلا وساطة تعبد ولا معاونة دليل كخروج الخل عن موضوع دليل حرمة الخمر وخروج زيد الجاهل عن دليل وجوب اكرام العلماء.
فنقول مثلا في مقام بيان: ان الحرمة مترتبة على افراد الخمر واما الخل فهو خارج عن موضوع ذلك الدليل تخصصا، ونقول في مقابل من تخيل ان زيدا عالم يجب اكرامه ان الواجب هو اكرام العالم واما زيد فهو خارج عن موضوع الوجوب تخصصا; فيطلق على هذا النحو من الخروج التخصص وعلى الدليل المخرج عنه المتخصص (بالفتح) وعلى المورد المحكوم بالخروج الخارج بالتخصص والفرق بينه وبين الورود سيجئ تحت عنوان الورود.