التجري هو في اللغة الجرئة وعدم الخوف في مورد يكون معرضا له.
وفى اصطلاح هذا العلم فعل أو ترك، يقطع أو يتخيل كونه مخالفة للمولى وعصيانا لحكمه، مع عدم المخالفة واقعا.
كما أن المعصية الحقيقية هو الاقدام على مخالفة المولى فيما صادف الواقع، فالنسبة بين التجري والمعصية الحقيقية هو التباين، فمن شرب الماء معتقدا لخمريته تحقق التجري دون المعصية، ومن شرب الخمر ملتفتا إلى الخمرية والحرمة تحقق العصيان دون التجري.
وقد يطلق التجري على مطلق الجرئة على المولى صادف الواقع أم خالفه وعليه يكون التجري أعم مطلقا من العصيان.
ثم إن التجري هل هو عنوان ينطبق على إرادة الشخص المتجرى، فهو فعل من أفعال القلب ومعناه العزم على العصيان والقصد إلى مخالفة المولى مع اتيان ما يعتقد كونه عصيانا، أو هو عنوان ينطبق على الفعل الخارجي فهو من أفعال الجوارح ومعناه العمل الذي يعتقدانه مخالفة للمولى، قولان اختار كل واحد منهما عدة من المحققين.
فعلى الأول: يكون قبح التجري عقليا، من جهة خبث باطن الشخص وسوء قصده
وإرادته ويطلق عليه القبح الفاعلي، وعلى الثاني يكون من أجل سوء عمله الخارجي ويطلق عليه القبح الفعلي، وفى استلزام القبح العقلي فعليا كان أو فاعليا للحرمة الشرعية كلام سيجئ التعرض له.
تنبيهان:
الأول: يقع الكلام تارة في قبح التجري عقلا وأخرى في حرمته شرعا وثالثة في سببيته لاستحقاق العقوبة، وعلى التقادير اما ان نقول بانطباق عنوان التجري على القصد والإرادة واما بانطباقه على الفعل المتجرى به.
وحينئذ نقول إن للأصوليين هاهنا أقوالا:
منها: القول بانطباق عنوان التجري على الإرادة وسببيته لاستحقاق العقاب مع عدم قبحه عقلا وعدم حرمته شرعا، وهذا هو مختار صاحب الكفاية (ره) على ما يظهر من كلامه فذهب إلى أن الإرادة المستتبعة لفعل ما يعتقد كونه معصية لا تكون قبيحا عقلا ولا حراما شرعا، فإنهما من عوارض الامر الاختياري والإرادة ليست اختيارية، والاستحقاق معلول للبعد عن المولى الحاصل بتلك الإرادة.
واما الفعل الخارجي كشرب الماء المقطوع بخمريته فهو باق على ما هو عليه من الأحوال والاحكام ولم ينطبق عليه عنوان يجعله قبيحا أو حراما.
ومنها: القول بانطباقه على الإرادة وقبحه عقلا مع عدم حرمته وعدم العقاب عليه شرعا وذلك لاجل ان النية والقبح الفاعلي لا تكون حراما ولا توجب استحقاق العقاب; وان كان قبيحا عقلا، والملازمة بين القبح العقلي والحرمة الشرعية على القول بها انما هي في القبح الفعلي الذي هو مجرى قاعدة الملازمة لا الفاعلي كما فيما نحن فيه، وهذا أيضا مع بقاء الفعل المتجرى به على ما هو عليه وعدم انطباق عنوان عليه يغيره وهذا هو مختار الشيخ (ره) في رسائله.
ومنها: القول بانطباق التجري على الفعل الخارجي وقبحه عقلا وسببيته لاستحقاق العقاب مع عدم حرمته شرعا فان القبح والاستحقاق العقليين لا يستلزمان
الحرمة الشرعية فهما (ح) مترتبان على عنوان هتك حرمة المولى والإهانة له وطغيان العبد وخروجه عن زي الرقية; وكل تلك العناوين تنطبق على الفعل المتجرى به فيكون قبيحا عقلا وسببا لاستحقاق العقاب.
بل العلة التامة للاستحقاق حتى في المعصية الحقيقية انما هي تلك العناوين لا تفويت المصلحة الواقعية بترك الواجب أو الوقوع في المفسدة الواقعية بفعل الحرام، ولا مخالفة الامر والنهى الواقعيين، فإنهما يتحققان كثيرا في موارد الخطاء والنسيان والجهل القصوري مع عدم العقاب حينئذ قطعا، وبالجملة ما يمكن أن يكون علة للعقاب أمور ثلثة:
الأول: تفويت المصلحة أو الوقوع في المفسدة.
الثاني: مخالفة الامر أو النهى.
الثالث: هتك حرمة المولى والطغيان عليه، والأظهر لدى التأمل هو الثالث وهو موجود في صورة التجري أيضا كالمعصية الحقيقية وهذا القول قوى.
الثاني: ان هنا عنوانا آخر يسمى بالانقياد يضاهى التجري ويماثله، وهو الفعل أو الترك لما يقطع أو يتخيل كونه طاعة للمولى ومطلوبا له مع عدم كونه في الواقع كذلك، ويقابله الطاعة الحقيقية وهو الاقدام على طاعة المولى فيما صادف الواقع.
والبحث في الانقياد نظير البحث في التجري; في أنه هل هو عنوان ينطبق على القصد أو على الفعل الخارجي، وانه هل يكون حسنا عقلا ومطلوبا شرعا وسببا لاستحقاق المثوبة أم لا. والحاصل انهما متماثلان توأمان مرتضعان من أم واحدة بلبن واحد.
التخصص هو في الاصطلاح خروج مورد عن موضوع دليل خروجا حقيقيا وجدانيا بلا وساطة تعبد ولا معاونة دليل كخروج الخل عن موضوع دليل حرمة الخمر وخروج زيد الجاهل عن دليل وجوب اكرام العلماء.
فنقول مثلا في مقام بيان: ان الحرمة مترتبة على افراد الخمر واما الخل فهو خارج عن موضوع ذلك الدليل تخصصا، ونقول في مقابل من تخيل ان زيدا عالم يجب اكرامه ان الواجب هو اكرام العالم واما زيد فهو خارج عن موضوع الوجوب تخصصا; فيطلق على هذا النحو من الخروج التخصص وعلى الدليل المخرج عنه المتخصص (بالفتح) وعلى المورد المحكوم بالخروج الخارج بالتخصص والفرق بينه وبين الورود سيجئ تحت عنوان الورود.
التخطئة والتصويب التخطئة: في الاصطلاح عبارة عن أن يكون لحكم أو موضوع ذي حكم وجود واقعي محفوظ قد يخطئه المجتهد المريد للوصول إليه بطريق معتبر من علم أو امارة وقد يصيب فالقائلون بواقع محفوظ للشئ قد يصيبه طالبه وقد لا يصيبه يسمون بالمخطئة.
والتصويب: عبارة عن تبعية واقع الشئ لما أدى إليه الطريق المعتبر والقائلون بذلك يسمون مصوبة.
ثم إن التخطئة والتصوب تارة يلاحظان في الحكم العقلي وأخرى في الحكم الشرعي وثالثة في الموضوع المرتب عليه الحكم، وعلى كل تقدير اما ان يلاحظا فيما إذا حصل للمجتهد القطع بهذه الأمور أو يلاحظا فيما إذا قامت الامارة المعتبرة عليها، واما الأصول العملية فهي ليست طرقا إلى الواقع فلا يلاحظ فيها عنوان التخطئة والتصويب.
اما الأول: أعني العقليات سواء كان الطريق إليها علما أو غير علم فلا اشكال بل لا خلاف ظاهرا في التخطئة فيها، فالعقل يحكم بامتناع اجتماع الضدين والنقيضين وحسن الاحسان وقبح الظلم وغيرها مما استقل به العقول والمعتقد على وفق تلك الأمور مصيب وعلى خلافها مخطئ، وليس اجتماع الضدين وامتناعهما تابعين لعلم
الناس فمن اعتقد الامتناع امتنع في حقه ومن اعتقد الجواز جاز.
وكذا الكلام في الموضوعات سواء كانت عرفية محضة أو شرعية مستنبطة فإنه لا يعرف القائل بالتصويب فيها; فلكل موضوع كالغنى والفقير والبيع والإجارة والكرو القليل بل والطهارة والنجاسة واقع محفوظ يصيبه الطريق تارة ويخطئه أخرى لا ان البيع مثلا عند المعتقد بيعيته بيع وعند الجاهل ليس ببيع.
واما الأحكام الشرعية فقد وقع الاختلاف فيها على أقوال: الأول: التصويب مطلقا في صورة العلم بالواقع وقيام الامارات عليه، الثاني: التخطئة كذلك، الثالث:
التفصيل بين العلم والامارات بالقول بالتخطئة في الأول واما الثاني فبالنسبة إلى الحكم الواقعي الانشائي القول بالتخطئة أيضا وبالنسبة إلى الظاهري الفعلي القول بالتصويب.
ومنشأ القولين الأخيرين هو الاختلاف في أن حجية الامارة هل هي بنحو الطريقية أو السببية، فمن قال بالأول ذهب إلى القول الثاني ومن قال بالثاني ذهب إلى القول الثالث.
مثلا إذا أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعة وأمر الشارع بتصديقه فبناء على الطريقية يكون امره بتصديقه عبارة عن جعل قوله طريقا إلى الواقع من دون جعل حكم آخر في قبال الواقع وهذا الطريق قد يكون مصيبا منجزا للواقع وقد يكون مخطئا معذرا عن تركه فلنا واقع ثابت أصبناه تارة وأخطأناه أخرى.
واما بناء على السببية يكون مفاد وجوب التصديق هو جعل حكم نفسي على طبق اخباره صادف قوله الواقع أو خالفه ويرجع الواقع إلى المرتبة الانشائية فهذا الطريق بالقياس إلى الواقعي الانشائي وان كان يلاحظ فيه الخطاء والصواب الا انه بالقياس إلى الفعلي الظاهري لا معنى له بل ذلك الحكم تابع لقيامه وهذا ما قالوا من التخطئة والتصويب الإضافيين.
تنبيهات:
أولها: ان مراد القائلين بالتصويب مطلقا يتصور على أقسام:
الأول: أن لا يكون في فعل المكلف الجاهل بالحكم مصلحة ولا مفسدة أصلا تقتضيان جعل الحكم في حقه فلم ينشأ الله تعالى بالنسبة إليه حكما واللوح المحفوظ المكتوب فيه حكم كل شئ خال عن حكم فعل هذا المكلف لخلوه عن علل الاحكام ومصالحها، فإذا تتبع وتفحص وقام عنده طريق معتبر على حكم من الاحكام انشاء الله وأوجده في حقه وأمر بان يكتب في اللوح المحفوظ. وحينئذ إذا قام عند أحد طريق على وجوب الجمعة مثلا وعند آخر طريق على حرمتها وعند ثالث على استحبابها، تولد في فعل الأول المصلحة الملزمة فينشأ الله تعالى وجوبها في حقه وفى فعل الثاني المفسدة الملزمة فينشأ حرمتها في حقه وهكذا.
الثاني: أن يكون في الواقع في كل فعل من الأفعال الاقتضائية مصلحة أو مفسدة ملزمة أو غير ملزمة، وتكون احكام الأفعال أيضا منشأة على حسب اقتضاء تلك المصالح والمفاسد سواء في ذلك العالم والجاهل، لكنه إذا تفحص الجاهل فأصاب الواقع كان ذلك هو حكمه الثابت غير المتغير; وان أخطأ طريقه وادى إلى غير الواقع زال الملاك الواقعي من المصلحة والمفسدة وانتفى الحكم المسبب عنه أيضا انشاء وفعلية وحدث ملاك على طبق تأدية طريقه وحدث حكم مناسب للملاك الحادث أو غلب الملاك الحادث على الملاك السابق فتبعه الحكم، فلو كانت الجمعة ذات مفسدة ومحرمة وقام طريق عنده على وجوبها زالت المفسدة بالكلية أو غلبت المصلحة عليها بحيث كان المقدار الزائد بحد الالزام فصارت واجبة في حقه.
الثالث: أن يكون الفعل كالصورة السابقة ذا ملاك وحكم في الواقع وبعد قيام الطريق على خلافه أيضا لم يزل ملاكه باقيا ولم يحدث فيه نقص أصلا ولم ينتف الحكم الواقعي أيضا إلا عن مرتبة الفعلية فالجمعة المحرمة واقعا محرمة وان قامت الامارة على خلافها الا ان الحادث بسبب قيام الامارة أمور:
أحدها: سقوط الحكم الواقعي عن الفعلية ورجوعه إلى مرتبة الانشاء.
ثانيها: حدوث مصلحة في امر الشارع بتبعية تلك الطريق كمصلحة تسهيل الامر على المكلف أو احترام العادل مثلا ليجبر بها ما فات من الواقع.
ثالثها: حدوث حكم ظاهري مسبب عن تلك المصلحة الحادثة.
ثانيها: قد ادعى الاجماع وتواتر الاخبار على بطلان التصويب بالمعنى الأول والثاني وتسالموا على أن لله في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل، ومن قامت عنده الامارة على وفاته أو خلافه، واما التصويب بالمعنى الثالث فلا دليل على بطلانه بل يمكن أن يكون مراد القائلين بالسببية من أصحابنا الامامية هو هذا المعنى. فراجع عنوان السببية والطريقية.
ثالثها: الفرق بين التصويب بالمعنى الأول والثاني من وجوه:
أحدها: انه قبل قيام الامارة لدى الجاهل لا حكم له في الواقعة أصلا على الأول وله حكم واقعي كالعالمين على الثاني.
ثانيها: ان قيام الامارة الموافقة يؤثر في توليد المصلحة والمفسدة والحكم على الأول ولا تأثير له فيها على الثاني.
ثالثها: انه بعد قيام الامارة المخالفة لا مقتضى لغير حكم الامارة على الأول دون الثاني فان فيه قد يكون ملاك الحكم الواقعي موجودا وان كان غير مؤثر شيئا ومغلوبا لملاك حكم الامارة.
رابعها: ان قيام الامارة على الوجهين الأولين سبب لجعل الحكم الواقعي وعلى الوجه الثالث سبب لجعل الحكم الظاهري.