الزكية شدّة مواظبته على أبحاثنا حتى أنّا سمعناه يشكر اللَّه سبحانه وتعالى على ما منحه إيّاه من عدم انقطاعه عن أبحاثنا الفقهية والاصولية ولا يوماً واحداً زهاء عشرين عاماً، فكان قدوة حسنة لزملائه في النشاط العلمي والانتاج القيّم، وقد سبقهم إلى طبع تقريراتنا في الاصول فخدم الهيئة العلمية وزوّدهم بكتابه (الدراسات) الذي لا يستغني عنه طلّاب العلم.
وانّ في آثاره العلمية التي خلّفها من تقريرات دروسنا لكفاية في تخليد ذكره والإشادة بفضله، نوّر اللَّه ضريحه وجزاه عن العلم وأهله خير جزاء المحسنين».
12 شوال المكرم 1376 ه.
وفي سنة 1376 ه ق ألمّ به مرض شديد لم يمهله طويلًا وتوفي على أثر ذلك، وقد شيّع تشييعاً مهيباً شارك فيه جمع كبير من المؤمنين يتقدّمهم مراجع الطائفة العظام السيد الحكيم والسيد الخوئي والسيد الشاهرودي وطلبة الحوزة العلمية، وصلّى عليه آية اللَّه العظمى السيّد محمود الشاهرودي قدس سره، ودفن في الصحن العلوي الشريف من جهة باب الطوسي الحجرة الملاصقة لمسجد عمران.
والدته:
والدته العلوية الصبورة الفاضلة، ربيبة بيت العلم والفقاهة، امّ الشهداء الثلاثة[1]، كريمة آية اللَّه العظمى السيّد علي مدد الموسوي القائيني.
جدّه لأبيه:
جدّه لأبيه السيّد علي أكبر السيّد محسن الهاشمي الحسيني، كان قد هاجر مدينة شاهرود وهو صبي مع بعض أرحامه إلى كربلاء المقدّسة؛ لمجاورة سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
وعندما كبر تزوّج واشتغل بالتجارة والكسب، وعرف بالتقوى والصلاح والورع وسلامة القلب، وقد وصفه آية اللَّه السيّد علي مدد الموسوي القائيني بأنّه سلمان زمانه.
كما عرف بحسن الضيافة والاستقبال؛ إذ كانت داره ملاذاً للمؤمنين والزائرين الوافدين إلى زيارة العتبات المقدّسة في كربلاء من العراق وايران، وكان يقيم مجلس عزاء الإمام الحسين عليه السلام من أوّل محرّم وإلى اليوم الثالث عشر منه، يحضره
[1]. السيد هادي( و هو خرّيج كلية اصول الدين، و كلّية اللغات، يتقن أربع لغات). و السيّد محسن( خرّيج كلّية الفقه الآداب). و السيّد مصطفى الهاشمي( خرّيج كليّة الطب البيطري، و هو يتقن ثلاث لغات).
جمع من طلبة الحوزة والعلماء، أمثال آية اللَّه العظمى السيّد الخوئي وآية اللَّه العظمى السيّد محمود الشاهرودي، وآية اللَّه السيّد حسين آل علي الشاهرودي، والعلّامة الحجّة السيّد عبد الرزاق المقرم، وآية اللَّه الشيخ معصومي امام جمعة مدينة (تربت حيدرية). وكان خطيب المجلس الشيخ مهدي خوجة، والشيخ عبد الزهرة الكعبي.
وقد ذكر سماحة آية اللَّه العظمى الشيخ بهجت رحمه الله: «كنّا إذا ذهبنا إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام مع بعض الطلبة نزلنا في دار السيّد علي أكبر رحمه الله، وكان يستقبلنا بالحفاوة والتكريم».
وفي أواخر عمره ضعف بصره، وانتقل إلى جوار ربّه، ودفن في مقبرة دار السلام في النجف الأشرف خلف مقبرة نبي اللَّه هود وصالح عليهما السلام.
جدّه لُامّه:
هو آية اللَّه العظمى السيّد علي مدد الموسوي قدس سره، درس المقدّمات في قرية سيد دان من توابع بيرجند، ثمّ انتقل إلى مشهد الرضا عليه السلام لاكمال دراسته الحوزوية، فحضر عند كبار علماء مشهد، أمثال: الفاضل البسطامي، والسيّد محمّد باقر الرضوي، ثمّ عاد إلى قريته لغرض الوعظ والارشاد. هاجر بعدها
إلى العراق قاصداً النجف الأشرف، وكان ذلك يوم سقوط البصرة بأيدي الثوّار في عام 1920 م، واستقرّ به المقام في النجف الأشرف، وأخذ يمارس صلاة الجماعة في محلّة الحويش، ثمّ التحق بأبحاث السيّد اليزدي، وآغا ضياء الدين العراقي، وشيخ الشريعة، والميرزا النائيني.
اجيز في الاجتهاد من العلمين الأخيرين، وفي الرواية من الشيخ محمّد باقر البيرجندي، والشيخ عباس القمي، والسيد محسن الأمين، والسيد أبي تراب الخوانساري، والسيّد عبد الحسين شرف الدين.
ثمّ عاد إلى مشهد الرضا عليه السلام سنة 1956 م وتصدّى للبحث والتدريس وإقامة صلاة الجماعة في الحرم الرضوي الشريف.
بعد مدّة عاد إلى النجف الأشرف زائراً وكان في أواخر عمره، فمرض واشتدّ به المرض، حتى توفاه اللَّه هناك، ودفن في الصحن العلوي الشريف في الحجرة رقم 29 من جهة باب القبلة طرف المشرق، وذلك سنة 1384 ه. ق[1].
[1]. نقباء البشر في أعلام القرن الرابع عشر: ص 1626، رقم الترجمة 2173.
(الشهداء السعداء البررة من إخوته)
1- الشهيد السيّد هادي الهاشمي
ولد الشهيد السيّد هادي الهاشمي في مدينة النجف الأشرف لسنة 1944 م. أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في المدرسة العلوية في النجف الأشرف، ثمّ انتقل إلى كلّية اصول الدين في بغداد، وأنهى كل هذه المراحل بتفوّق وامتياز. ثمّ بعدها دخل معهد اللغات. فكان الشهيد السيّد هادي يتقن أربع لغات:
العربية، والفارسية، والانكليزية، والفرنسية. وبعد طيّ كل هذه المراحل مارس العمل التجاري في بغداد.
لقد كان الشهيد ذو نفس طيّبة شديد الحياء هادئاً، خجولًا، لا يتكلّم إلّاعند الضرورة، وإذا تكلّم أوجز في الكلام، فكان رضوان اللَّه تعالى عليه حنوناً شديد العطف على إخوانه وأرحامه وخصوصاً على والدته، إذ كان يعظّم من شأنها ويكرمها عملًا بقوله تعالى:
«وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً»،
ناهيك عن أخلاقه وسعة صدره والتزامه بالعبادات والواجبات الشرعية.
متزوّج من العلوية الصبورة ابنة عمّه السيّد حسين الهاشمي رحمه الله.
أثناء حملة الاعتقالات الوحشية الشرسة التي عمّت أبناء العراق، تعرّض الشهيد هادي الهاشمي في أوائل عام 1980 م للاعتقال من محلّ عمله في بغداد، ونقل إلى مديرية الأمن العامّة، ولاقى فيها أشدّ أنواع التعذيب البدني والنفسي وبشتى الأساليب الوحشية من أزلام النظام الصدامي وجلاوزته أمثال المجرم (سعدون صبري، أبو أسماء) والسفّاح رائد عامر (منعم نصيف) ونال وسام الشهادة الرفيع.
ومنذ اعتقاله وإلى يومنا هذا لم يعثر على أثر له. فسلام عليه في علّيين مع محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
2- الشهيد السيّد محسن الهاشمي
ولد الشهيد السيّد محسن الهاشمي في مدينة النجف الأشرف سنة 1951 م، نشأ وترعرع في ظلّ اسرة كريمة ملتزمة مؤمنة على خط آل البيت عليهم السلام.
أتمّ دراسته الابتدائية والثانوية في المدرسة العلوية، ثمّ منتدى النشر في النجف الأشرف بتفوّق ليدخل بعدها كلّية الفقه قسم الآداب والتي أتمّها بنجاح باهر.
متزوّج من العلوية الصبورة ابنة عمّه السيّد عباس الهاشمي، والتي أنجبت له طفلين. كان رحمه الله مثال المؤمن الملتزم المثابر على
أداء التكاليف والواجبات الشرعية، فضلًا عن أخلاقه السامية التي كان يتمتع بها.
كان من المواظبين على زيارة الإمام الحسين عليه السلام في مواسم مختلفة، لا سيّما في يوم العاشر من محرم، وزيارة الأربعين مشياً على الأقدام. وكان من المعجبين بفكر الإمام الخميني والإمام الشهيد الصدر.
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وخروج التظاهرات المؤيّدة للثورة وقائدها الإمام الخميني بدعم وتأييد من الإمام الشهيد الصدر قام النظام الصدامي باعتقال الشهيد الصدر ومجموعة من العلماء وطلبة الحوزة العلمية وجملة من أبناء العراق الغيارى، وخلال هذه الحملة المسعورة قامت أجهزة الأمن باعتقال الشهيد البطل السيّد محسن الهاشمي من محلّ عمله في بغداد؛ وذلك في أوائل عام 1980 م ولاقى صنوف التعذيب الوحشي في أقبية المعتقلات البعثية في الأمن العامة إلى أن نال شرف الشهادة على يد المجرمين القتلة أمثال سعدون صبري (زهير)، والمجرم رائد عامر، ومنذ ذلك الحين لم يعرف عنه شيء.
فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.
3- الشهيد السيّد مصطفى الهاشمي:
ولد الشهيد المجاهد الدكتور السيّد مصطفى الهاشمي في مدينة النجف الأشرف في بيت ملؤه التقوى والورع والصلاح؛ وذلك عام 1957 م.
دخل المدرسة الابتدائية والمتوسطة في مدرسة الإمام علي عليه السلام، ثمّ انتقل إلى ثانوية الكندي في النجف الأشرف، ثمّ دخل كلية الطب البيطري في جامعة بغداد، ووصل في دراسته حتى المرحلة الرابعة في الكلية، وقد طوى كل هذه المراحل الدراسية بتفوّق وامتياز عالٍ.
كان رحمه الله فطناً ذكيّاً، جمع كل الصفات الخيّرة والجيّدة، مثالًا يحتذى به في النبل والوفاء والإخلاص والتضحية والشجاعة.
لم تكن الابتسامة تفارق شفتيه، يحبه كل من يلقاه أو يعايشه أو يتحدّث معه. وكان من أبرز سماته تفانيه في خدمة الإسلام، متطلّعاً لغدٍ مشرق إذ كان بيته مركزاً يجتمع فيه أصدقاؤه وزملاؤه في الجامعة، فيقوم بتوعيتهم وتثقيفهم وتوجيههم نحو طريق الحقّ ونشر الفكر الإسلامي الأصيل.
استطاع بأخلاقه العالية، وذكائه الفائق، وفطرته السليمة، وإيمانه الراسخ، وبيانه الساحر من التأثير على عدد كبير من الشباب بروح وثّابة مؤمنة لا تعرف الخوف والتردّد.