بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 106

ومنه قول السرى الرفاء: نزع الوشاة لنا بسهم قطيعة * يرمى بسهم الحين من يرمى به[1]ليت الزمان أصاب حب قلوبهم * بقنا ابن عبد الله أو بحرابه ونظيره من القرآن: (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون، ولله يسجد ما في السَّمَواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْملائكَةُ وهم لا يستكبرون) (2) ../ كأنه كان المراد من أن يجرى بالقول الاول إلى الاخبار عن أن كل شئ يسجد لله عز وجل، وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص.
* * * ومن البديع عندهم: " التكرار " كقول الشاعر: هلاّ سألت جموعَ كن * دةَ يومَ ولّوا أين أينا؟ (3) وكقول الآخر: وكانت فَزارة تَصلى بنا * فأولى فزارة أولى فزارا (4) ونظيره من القرآن [كثير، كقوله تعالى] (5) : (فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسراً) (6) .
وكالتكرار في قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (7) .
وهذا فيه معنى زائد على
التكرار، لانه يفيد الاخبار عن الغيب.
* * * ومن البديع عندهم ضرب من " الاستثناء " كقول النابغة:
[1]ديوانه ص 21 وفيه: " ترمى بسهم قطيعة ترمى به " (2) سورة النحل: 48 - 49 (3) البيت لعبيد بن الابرص كما في ص ديوانه ص 28 ومختارات ابن الشجرى 2 / 39 والصناعتين 144 وتأويل مشكل القرآن ص 143، 183 (4) البيت لعوف بن عطية بن الخرع الربابى كما في المفضليات 2 / 216 وفيها " فكادت فزارة " وفى س، ك " أولى لها " وهو في الصاحبى ص 194 وسيبويه 1 / 331 وتأويل مشكل القرآن ص 183 (5) الزيادة من اوفى م " ومن التكرار في القرآن كثير كقوله تعالى " (6) سورة الانشراح: 5 - 6 (7) سورة الكافرون: 1 (*)


صفحه 107

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بِهِنَّ فلولٌ من قراع الكتائبِ[1]وكقول النابغة الجعدي: فتى كملت أخلاقُهُ غير أنه * جوادٌ فلا يُبقي من المال باقيا.
(2) فتى تَمَّ فيه ما يَسُرُّ صديقَهُ * على أن فيه ما يسوءُ الأعاديا وكقول الآخر: حليمٌ إذا ما الحلمُ زّيَّنَ أهله * مع الحلم في عين العدو مهيبُ (3) وكقول أبي تمام (4) : تنصل ربها من غير جرمٍ * إليك سوى النصيحةِ والودادِ[5]* * * ووجوه البديع كثيرة جداً، فاقتصرنا على ذكر بعضها، ونبهنا بذلك على ما لم نذكر، كراهة التطويل، فليس الغرض ذكر جميع أبواب البديع.
* * * / وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه.
وليس كذلك عندنا، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له وأمكنه نظمه.
والوجوه التى تقول: إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال.
ويبين ما قلنا: أن كثيرا من المحدثين (6)
[1]ديوان النابغة الذبيانى ص 44 والصناعتين ص 324 والبديع ص 111 والعمدة 2 / 45 (2) الامالى 2 / 2 وفيه: " كملت خيرته " والشعر والشعراء 1 / 252 وأمالى المرتضى 1 / 194 وشرح الحماسة للتبريزي 3 / 19 والبديع ص 111 والصناعتين ص 324 والعمدة 2 / 46 (3) البيت لعريقة بن مسافع العبسى، كما في الاصمعيات ص 15 والامالي 2 / 149 (4) م: " كقول أبى التمام ".
[5]ديوانه ص 81 يعتذر إلى أحمد بن أبى دؤاد والموازنة ص 315.
(6) م: " قد تصنعوا لابواب الصنعة حتى حشى بعضهم شعره جميعا منها، واجتهد ألا يعن له بيت إلا وهو مملوء من الصنعة..في كلمته ".
(*)


صفحه 108

قد تصنع لأبواب الصنعة، حتى حشى جميع شعره منها، واجتهد ان لا يفوته بيت إلا وهو يملؤه من الصنعة، كما صنع أبو تمام في لاميته: متى أنت عن ذهلية الحى ذاهل * * وصدرك منها مدة الدهر آهل[1]تطل الطلول الدمع في كل موقف * وتمثل بالصبر الديار المواثل (2) دوارس لم يجف الربيع ربوعها * ولا مر في أغفالها وهو غافل (3)
/ فقد سحبت فيها السحاب ذيولها * وقد أخملت بالنور تلك الخمائل (4) تعفين من زاد العفاة إذا انتحى * على الحى صرف الازمة المتماحل (5) لهم سلف سمر العوالي وسامر * وفيهم جمال لا يغيض وجامل (6) ليالى أضللت العزاء وخزلت * بعقلك آرام الخدور العقائل (7) من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت * لها وشحا جالت عليه الخلاخل[8]مها الوحش إلا أن هاتا أوانس * قنا الخط إلا أن تلك ذوايل (9) هوى كان خلسا إن من أطيب الهوى * هوى جلت في أفيائه وهو خامل (10) ومن الادباء من عاب عليه هذه الابيات ونحوها على ما قد تكلف[11]فيها من البديع، وتعمل من الصنعة، فقال: قد أذهب ماء هذا الشعر / ورونقه وفائدته،
[1]ديوانه ص 255 وفيه " وقلبك منها " وذهلية: منسوبة إلى قبيلة ذهل (2) س " تطل طلول " ب " ويمثل " (3) في اللسان 14 / 11 " وكل ما لا علامة فيه ولا أثر عمارة من الارضين والطرق ونحوها: غفل، والجمع أغفال " (4) في الديوان " فيها السحائب ذيلها ... منها الخمائل " وم " فيها الخمائل " (5) م: " من دار العفاة " والديوان: " المتحامل " (6) سمر العوالي: الرماح.
وفى اللسان 13 / 131 " الجامل: قطيع من الابل معها رعيانها وأربابها، قال الخطيئة: فإن تلك ذا مال كثير فإنهم * لهم جامل ما يهدأ الليل سامره " (7) س، ك " وخذلت " م " وحولت " ا " وجولت ".
[8]راجع الموازنة 1 / 130 (9) راجع الموازنة 1 / 140 (10) م " في أثنائه " والديوان " إن من أحسن الهوى ".
[11]م " على ما تكلف " (*)


صفحه 109

اشتغالا بطلب التطبيق وسائر ما جمع فيه[1].
وقد تعصب " عليه أحمد بن عبيد الله بن عمار " وأسرف حتى تجاوز إلى الغض من محاسنه.
ولما قد أولع به من الصنعة ربما غطى على بصره حتى يبدع في القبيح، وهو يريد أن يبدع في الحسن.
كقوله في قصيدة له أولها: سرت تستجير الدمع خوف نوى غد * وعاد قتادا عندها كل مرقد[3]فقال فيها: لعمري لقد حررت يوم لقيته * لو أن القضاء وحده لم يبرد[4]وكقوله: لو لم تدارك مسن المجد مذ زمن * بالجود والبأس كان المجد قد خرفا[5]فهذا من الاستعارات القبيحة، والبديع المقيت[6]! ! / وكقوله: تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت * أعمارهم قبل نضج التين والعنب (7) وكقوله: لو لم يمتْ بين أطرافِ الرماحِ إذاً * لمات، إذ لم يمتْ، من شدةِ الحزَنَ (8)
[1]في الموازنة ص 13 " روى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح قال: حدثنى محمد بن القاسم بن مهرويه قال: سمعت أبى يقول: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، ثم أتبعه أبو تمام، واستحسن مذهبه وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الاصناف، فسلك طريقا وعرا، واستكره الالفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه " (2) م " ابن عبد الله " وهو خطأ.
[3]ديوانه ص 101 وفيه " غدت تسجير ".
[4]م " لقد حردت ... لم يجرد " والموازنة 259 والوساطة 68 والموشح 308
[5]ديوانه ص 204 وفيه: " لو لم تفت ... كان الجود " والوساطة 69 والموشح 308 والصناعتين 236 والموازنة 231.
[6]م " المعيب " (7) ديوانه ص 11 والموشح 308، 322 وأخبار أبى تمام ص 30 (8) ديوانه ص 388 والوساطة ص 69 وفى الموشح ص 309 " فكأنه لو نصر أيضا وظفر كان يموت من الغم حيث لم ينصر ويقتل، فهذا معنى لم يسبقه أحد إلى الخطأ في مثله "! ! (*)


صفحه 110

وكقوله: * خشنتِ عليه أختَ بني خشين[1]* وكقوله: ألا لا يمد الدهر كفا بسيئ * إلى مجتدى نصر فتقطع من الزِند (2) وقال في وصف المطايا: / لو كان كلّفها عبيد حاجة * يوماً لزنَّى شدقماً وجديلا[3]وكقوله: فضربت الشتاء في أخدعيه * ضربة غادرته عودا ركوبا (4) فهذا وما أشبهه إنما يحدث من غلوه في محبة الصنعة، حتى يعميه عن وجه الصواب، وربما أسرف في المطابق والمجانس ووجوه البديع من الاستعارة وغيرها، حتى استثقل نظمه، واستوخم رصفه، وكان التكلف[5]بارداً، والتصرف جامداً.
وربما اتفق مع ذلك في كلامه النادر المليح، كما يتفق البارد القبيح.
* * * وأما البحتري فإنه لا يرى في التجنيس ما يراه أبو تمام، ويقل التصنع له.
فإذا وقع في كلامه كان في الأكثر حسناً رشيقا، وظريفا جميلا.
وتصنعه
[1]هذا الشطر مطلع قصيدة له، وعجزه كما في ديوانه ص 321 * وأنجح فيك قول العاذلين * وقد ورد في الصناعتين ص 262 والموشح ص 324 في ص 310 " وهذا الكلام لا يشبه خطاب النساء في مغازلتهن، وإنما أوقعه في ذلك محبته ها هنا للتجنيس، وهو بهجاء النساء أولى "! وفي الموازنة ص 437 " فأما قوله: خشنت عليه، فهو لعمري من تجنيساته القبيحة، وعهدت مجان البغداديين يقولون فيه: قليل نورة يذهب بالخشونة " (2) ديوانه ص 115 من قصيدة يمدح بها أبا العباس، نصر بن منصور بن بسام، وفيه " فتقطع للزند " والبيت في الصناعتين 236 والوساطة 68 والموازنة ص 229 والموشح ص 311.
[3]ديوانه ص 243 وفيه " لانسى شدقما " والوساطة ص 65 وفى الموشح ص 311 ما أخس قوله: " لزنى شدقما وجديلا، وما معنى تزنيته ناقة أو بهيمة "؟ وفى اللسان 13 / 112 " وجديل وشدقم: فحلان من الابل كانا للنعمان بن المنذر ".
ويشير أبو تمام إلى قول عبيد الراعى النميري: شم الحوارك جنحا أعضادها * صهبا تناسب شدقما وجديلا (4) ديوانه ص 27 وفيه " غادرته قودا " والوساطة ص 68 والصناعتين ص 236 والموشح ص 313.
والقود، والعود: البعير المسن.
[5]س: " واستوخم رصعه وكان التكليف ".
(*)


صفحه 111

للمطابق كثير حسن، وتعمقه في وجوه الصنعة على وجه طلب السلامة، والرغبة في السلاسة، فلذلك يخرج سليماً من العيب في الأكثر.
/ وأما وقوف الألفاظ به عن تمام الحسنى، وقعود العبارات عن الغاية القصوى، فشئ لا بد منه، وأمر لا محيص عنه.
كيف وقد وقف على من هو أجل منه وأعظم قدراً في هذه الصنعة، وأكبر في الطبقة، كامرئ القيس، وزهير، والنابغة، وابن هرمة[1].
ونحن نبين تميز كلامهم، وانحطاط درجة قولهم، ونزول طبقة نظمهم عن بديع نظم القرآن، في باب مفرد، يتصور به ذو الصنعة ما يجب تصوره، ويتحقق (2) وجه الإعجاز فيه، بمشيئة الله وعونه.
* * * / ثم رجع الكلام بنا إلى ما قدمناه، من أنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادعوه في الشعر ووصفوه فيه.
وذلك: أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعلم والتدرب به والتصنع له، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة.
وله طريق يسلك، ووجه يقصد، وسلم يرتقى فيه إليه، ومثال قد يقع طالبه عليه.
فرب إنسان يتعود أن ينظم جميع كلامه شعرا، وآخر يتعود (3) أن يكون جميع خطابه سجعاً، أو صنعة متصلة، لا يسقط من كلامه حرفا (4) ، وقد يتأتى له لما قد تعوده (5) .
وأنت ترى أدباء زماننا يضعون (6) المحاسن في جزء.
وكذلك يؤلفون أنواع البارع، ثم ينظرون فيه إذا أرادوا إنشاء قصيدة أو خطبة فيحسنون (7) به كلامهم.
ومن كان قد تدرب وتقدم في حفظ ذلك - استغنى عن هذا التصنيف، ولم يحتج إلى تكلف هذا التأليف، وكان ما أشرف عليه من هذا الشأن باسطاً من باع كلامه، وموشحاً بأنواع البديع ما يحاوله من قوله.
[1]في جميع الطبعات السابقة " والنابغة وإلى يومه ونحن نبين "! ! ! (2) م " ويتيقن " (3) س، ك " شعرا أو يتعود " (4) س، ك " حرف وقد يباده به ما قد " (5) س، ك " يضيفون " (6) س، ك " فيحشون " (7) س، ك " اشتغل " (*)


صفحه 112

/ وهذا طريق لا يتعذر، وباب لا يمتنع، وكل يأخذ فيه مأخذا ويقف منه موقفا[1]، على قدر ما معه من المعرفة، وبحسب ما يمده من الطبع.
فأما شأو نظم القرآن، فليس له مثال يحتذى عليه (2) ولا إمام يقتدي به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا، كما يتفق للشاعر البيت النادر، والكلمة الشاردة، والمعنى الفذ الغريب، والشئ القليل العجيب، وكما يلحق من كلامه (3) ، بالوحشيات، ويضاف من قوله إلى الأوابد، لأن ما جرى هذا المجرى ووقع هذا الموقع، فإنما يتفق للشاعر في لمع من شعره، وللكاتب في قليل من رسائله، وللخطيب في يسير من خطبه.
ولو كان كل شعره نادراً، ومثلاً سائراً، ومعنى بديعاً، ولفظاً رشيقا، وكل كلامه مملوءا من رونقه ومائه، ومحلى (4) ببهجته وحسن روائه، ولم يقع فيه المتوسط بين الكلامين، والمتردد بين الطرفين، ولا البارد (5) المستثقل، والغث المستنكر - لم يبن الإعجاز في الكلام، ولم يظهر (6) التفاوت العجيب بين النظام والنظام.
/ وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل (7) ، ومبهم قد يحتاج في بعضه إلى تفسير (7) .
وسنذكر ذلك بمشيئة الله وعونه.
ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وأنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا[8]أورد هذا المورد، ووضع هذا الموضع - كان جديراً.
وإنما لم نطلق القول إطلاقاً، لأنا لا نجعل الإعجاز متعلقاً بهذه الوجوه الخاصة ووقفاً عليها، ومضافاً إليها، وإن صح أن تكون هذه الوجوه مؤثرة في الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف المستبشع والتعمل المستشنع.
[1]س، ك " ويقف فيه " (2) س، ك " يحتذى إليه " (3) س " بكلامه بالوحشيات " (4) س، ك " ومملا " (5) م " ولا يشاركه البارد " (6) س، ك " ولم يبن " (7) م " إلى التفصيل ومنهم من يضطر في بعضه إلى التفسير ".
[8]م " فإذا ورد ... جديرا به " (*)


صفحه 113

/ فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن[1]يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك.
فإذا عرفوا هذا - بأن علموا أنهم قد تحدوا إلى (2) أن يأتوا بمثله، وقرعوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به - تبينوا أنهم عاجزون عنه.
وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز.
وكذلك نقول:، إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، وما يعدونه فصيحاً بليغا بارعاً من غيره - فهو كالأعجمي: في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره، وهو ومن ليس من أهل اللسان، سواء.
فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها -
فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج عن الوسع، ويتجاوز حدود القدرة - / فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر، وكما يميز بين الشعر الجيد والردئ، والفصيح والبديع، والنادر والبارع والغريب.
وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره، ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره، وإن كان يبقى مع معرفة هذا الشأن أمر آخر، وربما (3) اختلفوا فيه: لأن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين، والقول الرصين.
ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه، وتروع بهجته ورواؤه،
[1]س، ك " إلا أن " (2) س، ك " تحملوا على " (3) ا، م " آخر ربما " (*)