بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 23

الذرابة والسلاقة[1]، والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته.
ويكرر (2) فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما يأتي به، ويقرّعهم ويؤنبهم عليه، ويدرك آماله فيهم، وينجح ما سعى له في تركهم (3) المعارضة.
وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه، وتفخيم أمره، حتى يتلو قوله تعالى: (قُلْ لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً) (4) ، وقوله: (يُنَزّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ
مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنا فَاتَّقُونِ) (5) ، وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِن الْمَثانِي وَالْقُرآنَ الْعَظِيمَ) ، (6) وقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (7) ، وقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوفَ تُسْئَلُونَ) (8) وقوله: (هُدىً لّلْمُتَّقِينَ)[9]، وقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) (10) .
إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن تعظيم شأن القرآن.
فمنها ما يتكرر في السورة في مواضع منها، ومنها ما ينفرد فيها.
وذلك مما يدعوهم إلى المباراة، ويحضهم على المعارضة، وإن لم يكن متحدياً إليه.
ألا ترى أنهم قد ينافر شعراؤهم بعضهم بعضاً؟ ولهم في ذلك مواقف معروفة، وأخبار مشهورة، وآثار منقولة مذكورة (11) .
وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة، ويتبجحون بذلك، ويتفاخرون بينهم.
[1]في اللسان 12 / 25: " وسلقه بلسانه يسلقه سلقا: أسمعه ما يكره فأكثر، وسلقه بالكلام سلقا: إذا آذاه، وهو شدة القول باللسان، وفى التنزيل: (سلقوكم بألسنة حداد) أي بالغوا فيكم بالكلام وخاصموكم في الغنيمة أشد مخاصمة وأبلغها " (2) ا، م " وتكرر " (3) س: " ما يسعى له يتركهم " (4) سورة الاسراء: 88 (5) سورة النحل: 2 (6) سورة الحجر: 87 (7) سورة الحجر: 9 (8) سورة الزخرف: 44
[9]سورة البقرة: 2 (10) سورة الزمر: 23 (11) س: " وأيام منقولة وكانوا " (*)
هو الكفر، فهذا يجوز تكليفه بما لا يطاق.
وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزا وصوابا، وقد أثنى الله تعالى على من سأله أن يكلفه ما لا يطيق، فقال عز وجل: (ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) ، لان الله تعالى له أن يفعل في ملكه ما يريد.
ثم تجاوز الاحدب الكلام إلى غيره، ومال الملك إلى قولى.
ثم سألني النصيبينى عن مسألة الرؤية: هل يرى الباري سبحانه بالعين؟ وهل تجوز الرؤية عليه أو تستحيل؟ وقال: كل شئ يرى بالعين، فيجب أن يكون في مقابلة العين.
فالتفت الملك إلى وقال: تكلم أيها الشيخ في المسألة.
فقلت: لو كان الشئ يرى بالعين لوجب أن يكون في مقابلة العين على ما قال: ولكن لا يرى الله بالعين.
فتعجب الملك من قولى، والتفت إلى قاضى القضاة، فقال: إذا لم ير الشئ بالعين، فبأى شئ يرى؟ فقال: يسأله الملك.
فقال أيها الشيخ
فبأى شئ يرى إذا لم ير بالعين؟ فقلت: يرى بالادراك الذى في العين، ولو كان الشئ يرى بالعين لكان يجب أن ترى كل عين قائمة، وقد علمنا أن الاجهر عينه قائمة ولا يرى شيئا.
فزاد الملك تعجبا، وقال للنصيبينى: تكلم.
فقال: إنى لم أعلم أنه يقول هذا، ولا بنيت إلا على ما نعرف، وظننت أنه يسلم أن الشئ يرى بالعين! فغضب الملك وقال: ما أنت مثل الرجل، لانك بنيت المسألة على الظن.
ثم التفت إلى وقال لى: تكلم أنت.
فقلت: العين لا ترى، وإنما ترى الاشياء بالادراك الذى يحدثه الله تعالى فيها، وهو البصر، ألا ترى أن المحتضر يرى الملائكة ونحن لا نراهم؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يرى جبريل عليه السلام ولا يراه من يحضره؟ والملائكة يرى بعضهم بعضا ولا نراهم نحن؟ والدليل على جواز رؤية الباري تعالى أنه ليس فيها قلب للحقائق، ولا إفساد للادلة، ولا إلحاق صفة نقص بالقديم تعالى، فوجب أن يكون كسائر الموجودات، لانه تعالى موجود، والشئ إنما يرى لانه موجود، لان المرئى لم يكن مرئيا لانه جنس، لانا نرى سائر الاجناس المختلفة، ولا لقيام معنى بالمرئى، لانا نرى الاعراض التى لا تحمل المعاني، وقد ثبت بالنص وجوب رؤية الحق سبحانه في الدار الآخرة.
ثم جرى


صفحه 24

فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها تحداهم أو لم يتحدهم إليها.
ولو كان هذا القبيل مما يقدر عليه البشر، لوجب في ذلك أمر آخر، وهو: أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا لقبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه، وتعمل نظمه في الحال.
/ فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق، وخطبة متقدمة ورسالة سالفة، ونظم بديع، ولا عارضوه به فقالوا: هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله - علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل، وأنه لم يوجد له نظير.
ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا، ولعرفناه، كما نقل إلينا أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، وأدى إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد، وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم، وصنوف فصاحاتهم.
فإن قيل: الذي بنى عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن: أنه وقع التحدي إلى الإتيان بمثله، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه، فإذا نظر الناظر وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب - وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه.
وما ذكرتم يوجب سقوط تأثير التحدي، وإن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل حال.
قيل: إنما احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة، وإظهار وجه البرهان [على الكافة] .
لأن المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه، ولا تظهر
على مدعٍ لها إلا وهي معلومة أنها من عند الله.
فإذا كان يظهر وجه الإعجاز فيها للكافة بالتحدي وجب فيها التحدي.
لانه تزول بذلك الشبهة عن الكل، وينكشف للجميع أن / العجز واقع في المعارضة.
وإلا كان[1]مقتضى ما قدمناه من الفصل أن من كان يعرف وجوه الخطاب، ويفتن في مصارف[2]الكلام، وكان كاملاً في فصاحته، جامعاً للمعرفة بوجوه الصناعة - لو أنه احتج عليه بالقرآن، وقيل له، إن الدلالة على النبوة والآية للرسالة ما تلوته[3]عليك منه،
[1]س: " وإلا فإن ".
[2]س: " ويتقن مصارف ".
[3]س: " على الرسالة ما أتلوه ".
(*)
في المجلس كلام كثير، وقال الملك على إثره لقاضي القضاة: ألم أقل لك: إن مذهبا طبق الارض لابد له من ناصر.
ولما انقضى المجلس صحبني بعض الحجاب إلى منزل هيئ لى فيه جميع ما أحتاج إليه، فسكنته.
ولما خرج الباقلانى قال الملك لقاضيه: فكرت بأى قتلة أقتله لجلوسه حيث جلس بغير أمرى، وأما الآن فقد علمت أنه أحق بمكانى منى.
ثم دفع ابنه صمصام الدولة، ليعلمه مذهب أهل السنة، فعلمه وألف له كتاب " التمهيد " ولم يزل الباقلانى مع عضد الدولة، إلى أن أقدم بغداد.
وكان دخوله أياها في
سنة 367، وظل الباقلانى أثيرا لديه، حتى إنه جعله رئيس البعثة التى أوفدها في سنة 371 إلى ملك الروم.
وقد قال الاستاذ " محمود محمد الخضيرى " والدكتور " محمد عبد الهادى أبو ريدة " في مقدمتهما لكتاب التمهيد: " إن هذه المناظرة جرت في مجلس الامبراطور باسيليوس الثاني، الذى حكم من سنة 365 إلى سنة 416 هـ ".
ثم قالا: " ومهما يكن أمر سفارة الباقلانى بين عضد الدولة وبين ملك الروم، فنحن لا نعرف ظروفها التاريخية، وربما كان ملك الروم قد أراد من يبين له أمر الاسلام، أو يجيب عن أسئلة النصارى بشأن ما يعتقده المسلمون.
ويتبين من تفصيل المناقشات أن مهمة الباقلانى كانت مدنية علمية، هي أشبة ببعثة تبادل الآراء ومعرفة وجهات النظر الدينية، ولا سيما أنه ليس عندنا في التاريخ ما يدل على اتصال وثيق بين عضد الدولة وبين الروم من شأنه أن يكون داعيا لبعثات سياسية أو حربية أو أشبه ذلك، وأن المؤرخين يشيرون إلى هذه السفارة باختصار، أو هم يذكرون ما يدل على صبغتها الفكرية الدينية الخالصة.
على أنه من الجائز أن يكون ظهور شأن السلطان الفاتح عضد الدولة، بعد حروب دامت طويلا بين البيزنطيين والمسلمين وبعد تمرد أحد قواد الروم على الامبراطور في الشرق، كان مما دعا الامبراطور البيزنطى إلى عقد صلات التعارف مع عضد الدولة " ثم قالا: " إن الغرض الذى رمى إليه عضد الدولة من بعثة الباقلانى إلى بيزنطة هو إرضاء شعور


صفحه 25

لكان ذلك بالغا[1]في إيجاب الحجة [عليه] ، وتماما في إلزامه فرض المصير إليه.
ومما يؤكد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الآحاد إلى الإسلام، محتجا عليهم بالقرآن، لانا نعلم [ضرورة] أنه لم يلزمهم تصديقه تقليداً، ونعلم أن السابقين الاولين إلى الاسلام لم يقلدوه، إنما دخلوا على بصيرة.
ولم نعلمه قال لهم: إرجعوا إلى جميع الفصحاء، فإن عجزوا عن الاتيان بمثله فقد ثبت حجتي.
بل لما رآهم يعلمون إعجازه، ألزمهم حكمه فقبلوه، وتابعوا الحق، وبادروا إليه مستسلمين، ولم يشكوا في صدقه، ولم يرتابوا في وجه دلالته.
فمن كانت بصيرته أقوى، ومعرفته أبلغ، كان إلى القبول منه / أسبق.
ومن اشتبه عليه وجه الاعجاز، أو خفى[2]عليه بعض شروط المعجزات وأدلة النبوات - كان أبطأ إلى القبول، حتى تكاملت أسبابه، واجتمعت له بصيرته
وترادفت عليه مواده.
وهذا فصل يجب أن يتمم القول فيه [من] بعد، فليس هذا بموضع له.
ويبين ما قلناه: أن هذه الآية علم يلزم الكل قبوله والانقياد له، وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه، ومعرفة وجه دلالته، لأن الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه.
وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة.
فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم، وجرى مجراهم في[3]توجه الحجة عليه.
وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان، من هذا الشأن، ما يعرفه العالي في هذه الصنعة.
فربما حل في ذلك محل الأعجمي، في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه.
وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده، أو الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما -[من] غور هذا الشأن - ما يعرف من استكمل معرفة
[1]س: " بلاغا ".
[2]س: " واشتبه ".
[3]ا: " من ".
(*)
المسلمين بالسعي في تحرير أسراهم المعذبين لدى الروم " وكان خليقا بالاستاذين الفاضلين ألا يكتبا هذا الكلام البيزنطى بعد نقلهما لقول ابن الاثير: إن عضد الدولة أرسل الباقلانى إلى ملك الروم في جواب رسالة وردت منه.
وكان حسبهما أن يسجلا على أنفسهما عدم " معرفة ظروفها التاريخية "
فإن ذلك كان أسلم لهما، وكان يمنعهما من أن يتورطا فيما تورطا فيه، فليس صحيحا ما قالاه من أنه " ليس في التاريخ ما يدل على اتصال وثيق بين عضد الدولة وبين الروم من شأنه أن يكون داعيا لبعثات سياسية أو حربية ".
وليس صحيحا كذلك أن المؤرخين أشاروا إلى هذه السفارة باختصار، ودلوا على صبغتها الدينية الخالصة.
وليس صحيحا مرة ثالثة أن عضد الدولة قد قصد من بعثة الباقلانى إرضاء شعور المسلمين بالسعي في تحرير أسراهم.
أجل إن هذه الاقوال كلها ليست من الصحة والصواب في شئ، فقد بين المؤرخون لتلك الفترة من الزمان الاتصال الوثيق بين عضد الدولة وملك الروم، وأن البعثات السياسية قد تبو دلت بينهما عدة مرات منذ سنة 369 حتى وفاة عضد الدولة في شوال سنة 372، وأن وفد الروم الثالث أدرك وفاة عضد الدولة وحضر مجلس صمصام الدولة وتسلم منه الهدايا وتمم عقد المعاهدة.
ومجمل ما فصله المؤرخون في ذلك: أنه لما توفى أرمانوس ملك الروم وقام بعده ابناه باسيل وقسطنطين، افترقت كلمة الروم، وطمع كبار القواد في الاستئثار بالملك.
وكان ممن طمع في ذلك السقلاروس المعروف بورد الرومي، فجمع الجموع واستجاش بالمسلمين من الثغور وكاتب أبا تغلب بن حمدان وواصله وصاهره، وأخرج إليه الملكان عسكرا بعد عسكر فكسرهم، وجرت بين الفريقين معارك طاحنة، انتهت في يوم الاحد لثمان بقين من شعبان سنة 368 هـ بانهزام السقلاروس، وقد توجه بعد هزيمته إلى ديار بكر، ونزل بظاهر ميافارقين، وأنفذ أخاه قسطنطين إلى عضد الدولة يستنصره على ملكى الروم، ويعده ببذل الطاعة وحمل الخراج إذا انتصر، فأحسن عضد الدولة استقباله، ووثق إليه بخطه ووعده بجميل إنجاده، وتطاول مقام قسطنطين لدى عضد الدولة، وانتهى خبره إلى الملكين الاخوين بقسطنطينية، فأنفذا إلى عضد


صفحه 26

جميع تصاريف الخطاب ووجوه / الكلام وطرق البراعة.
فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه لعجز[1]البارع في هذه العلوم كلها عنه.
فأما من كان متناهياً في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه.
وإن لم نقل ذلك أدى هذا القول إلى أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحي إليه، حتى سبر الحال بعجز أهل اللسان عنه! وهذا خطأ من القول.
فصح من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أوحي إليه القرآن عرف كونه معجزا، أو عرف - بأن[2]قيل له: إنه دلالة وعلم على نبوتك.
- إنه كذلك، من قبل أن يقرأه على غيره أو يتحدى إليه سواه.
ولذلك قلنا: إن المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها التفاصح، متى سمع القرآن عرف أنه معجز، لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه، وهو يعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو.
وإن كان يحتاج بعد هذا إلى / استدلال آخر على أنه علم على نبوته، ودلالة على رسالته[3]بأن يقال له: إن هذه آية لنبى، وإنها[4]ظهرت عليه، وادعاها معجزة له، وبرهاناً على صدقه.
فإن قيل: فإن من الفصحاء من يعلم عجز نفسه عن قول الشعر، ولا يعلم مع ذلك عجز غيره عنه.
فكذلك البليغ، وإن علم عجز نفسه عن مثل القرآن، فهو يخفى عليه عجز غيره.
قيل: هو مع مستقر العادة، وإن عجز عن قول الشعر، وعلم أنه مفحم، فإنه يعلم أن الناس لا ينفكون من وجود الشعراء فيهم.
ومتى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن، علم عجز غيره عنه، وأنه كهو، لأنه[5]يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواء.
[1]س: " يعجز ".
[2]س: " معجزا، وبأن قيل ".
[3]س: " على نبوة..على رسالة ".
[4]س: " لنبيه وإنما ".
[5]س: " غيره لانه كهو لانه (*)
الدولة كاتبا لهما وجيها أريبا، يسمى نقفور ويعرف بالاورانوس، ليفسد ما شرع
فيه مع السقلاروس، واجتمع الرسولان على بساط عضد الدولة يتنافسان في التقرب إليه، ويستبقان إلى التماس الذمام منه، ولم ينصرفا إلى أن انسلخت سنة تسع وستين وثلثمائة.
وذلك أمر لم يكن مثله قط، ويعده المؤرخون من مآثر عضد الدولة.
وكان طلب الاورانوس ينحصر في تسليم السقلاروس ولو بابتياعه، والوعد بتأمينه ومن معه، وإخراج كل أسير للمسلمين في بلاد الروم.
فمال عضد الدولة إلى ذلك، واحتال حتى حمل إليه عامله على ديار بكر السقلاروس مقبوضا عليه، فأكرمه بعد أن احتاط عليه، ووعده بإطلاقه وتجريد عساكر معه لنصرته، ثم وعد الاورانوس خيرا، وأخرج معه الباقلانى بجواب الرسالة، وعاد الباقلانى بمشروع معاهدة، ومعه رسول يعرف بابن قونس ليأخذ إمضاء عضد الدولة عليها، ولكن عضد الدولة بدا له أن يظفر في المعاهدة باسترجاع بعض الحصون، فأعاد ابن قونس وأرسل معه أبا إسحاق بن شهرام، ورجع ابن شهرام بمشروع المعاهدة الاخير، ومعه رسول يعرف بنقفور الكانكلى، ولكن وصولهما صادف اشتداد العلة على عضد الدولة وموته في الثامن من شوال.
ووقع المعاهدة صمصام الدولة على شرطين: أولهما عقد الهدنة لمدة عشر سنوات، وتسليم الحصون التى اشترط ابن شهرام استرجاعها، وثانيهما إطلاق نقفور بعد أخذ خط ملك الروم بتأمينه، وإرجاعه إلى مرتبته.
ذلك مجمل ما كان من أمر الصلة بين عضد الدولة وبين ملك الروم، والبعثات العديدة التى وكانت بينهما، والتى قال الاستاذ الخضيرى والدكتور أبو ريدة: إنه إنه ليس في التاريخ ما يدل عليها.
ورتبا على ذلك ما رتبا من شتى الفروض والاحتمالات، ولو قد فطنا لقول ابن الاثير في حوادث سنة 70: (إن عضد الدولة أرسل الباقلانى إلى ملك الروم في جواب رسالة) وقدرا قوله هذا حق قدره، ورجعا إلى كلامه في حوادث سنة 69 - لالفياه يفصل القول في السبب الذى دعا ملك الروم إلى
مراسلة عضد الدولة ومفاوضتة، وطلب عقد الهدنة 8، 255 - 256.


صفحه 27

إذ ليس في العادة مثل للقرآن يجوز أن[1]يعلم قدرة أحد من البلغاء عليه.
فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة - وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام، وأنواع الخطاب، ووجد القرآن مبايناً لها - علم خروجه عن العادة، وجرى مجرى ما يعلم أن إخراج اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات، فهو لا يجوزه من نفسه، وكذلك لا يجوز وقوعه من غيره، إلا على وجه نقض العادة، بل يرى وقوعه / موقع المعجزة.
وهذا وإن كان يفارق فلق البحر، وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه، فهو[2]أنه يستوي الناس في معرفة عجزهم عنه، بكونه[3]ناقضاً للعادة، من غير تأمل شديد، ولا نظر بعيد.
فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل، ويفتقر إلى مراعاة مقدمات، والكشف عن أمور نحن ذاكروها بعد هذا الموضع.
فكل واحد منهما[4]يؤول إلى مثل حكم صاحبه، في الجمع الذى قدمناه..ومما يبين ما قلناه -: من أن البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن، وتكون معرفته حجة عليه، إذا تحدى إليه وعجز عن مثله، وإن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره، وما لذى يصنع ذلك بالغير.
- فهو ما روي في الحديث أن جبير بن مطعم ورد على النبي صلى الله عليه وسلم في معنى حليف له، أراد أن يفاديه، فدخل والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة (وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) في صلاة الفجر، قال: فلما انتهى إلى قوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَّا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) ، قال: خشيت أن يدركني العذاب.
فأسلم[5].
وفي حديث آخر، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع سورة (طه) فأسلم[6].
وقد رُوي أن قوله عز وجل في أول (حم) السجدة إلى قوله (فأعرض أكثر هم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ)[7]نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل.
وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش، بعتبة بن ربيعة
[1]س: " للقرآن يجوز أو ".
[2]س: " وهو أنه ".
[3]س: " فكونه ".
[4]س: " منها ".
[5]راجع البخاري 7 / 249 (من الفتح) والاصابة 1 / 235 - 236.
[6]راجع الاصابة 4 / 280.
[7]سورة فصلت: 4.
(*)
وعند ما تهيأ الباقلانى للخروج إلى القسطنطينية، قال له أبو القاسم: المطهر بن عبد الله، وزير عضد الدولة: الطالع خروجك.
فسأله عن معنى هذا الكلام، فلما فسر له مراده، قال الباقلانى: لا أقول بهذا، لان السعد والنحس كله والشر والخير بيد الله عزوجل، وليس للكواكب ههنا مثقال ذرة من القدرة، وإنما وضعت كتب المنجمين ليتعيش بها الجاهلون من العامة، ولا حقيقة لها.
فقال الوزير: أحضروا إلى أبا سليمان المنطقي، فليست المناظرة من شأني، ولا أنا قائم بها، وأنما أنا أحفظ علم النجوم وأقول: إذا كان من النجوم كذا كان كذا، وأما تعليله فهو من علم المنطق.
فأحضر وأمر بمكالمة الباقلانى، فقال أبو سليمان للوزير: هذا القاضى يقول: إن الباري - سبحانه - قادر على أن يركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذى في دجلة، فإذا وصلوا الجانب الآخر يكون الله قد زاد فيهم آخر فيكونون أحد عشر، ويكون الحادى عشر قد خلقه الله في ذلك الوقت.
ولو قلت أنا: لا يقدر على ذلك، أو هو محال - قطعوا لساني وقتلوني، وإن أحسنوا إلى كتفوني ورموني في الدجلة.
وإذا كان الامر كما ذكرت لم يكن لمناظرتي معه معنى! فالتفت الوزير إلى الباقلانى وقال: ما تقول أيها القاضى؟ فقال: ليس كلامنا ههنا في قدرة الباري تعالى: والبارى قادر على كل شئ، وإن جحده هذا الجاهل، وإنما كلامنا في تأثيرات هذه الكواكب، فاتتقل إلى ما ذكر لعجزه وقلة معرفته، وإلا فأى تعلق للكلام في قدرة الباري عز وجل في مسألتنا؟ وأنا وإن قلت: إن القديم، تعالى، قادر على ذلك، ما أقول: إنه يخرق العادة ويفعل هذا، لانه لا يجوز عندنا أن يخلق اليوم إنسانا من غير أبوين، فإذا كان كذلك، فقد علم الوزير أن هذا فرار من الزحف.
فقال الوزير:
هو كما ذكرت.
وقال أبو سليمان المنطقي: المناظرات دربة وتجربة، وأنا لا أعرف مناظرات هؤلاء القوم، وهم لا يعرفون مواضعاتنا وعباراتنا، ولا تجمل المناظرة بين قوم هذا حالهم.
فقال له الوزير: قبلنا إعتذارك، والحق أبلج.
ثم مال إلى الباقلانى بوجهه، وقال له: سر في رعاية الله.
قال الباقلانى: " فخرجت فدخلنا بلاد الروم حتى وصلنا إلى ملك الروم بالقسطنطينية، وأخبر الملك بمقدمنا


صفحه 28

إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليكلمه، وكان حسن الحديث، عجيب البيان[1]بليغ الكلام،.
وأرادوا أن يأتيهم بما عنده فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة (حم) السجدة، من أولها حتى انتهى إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُم صَاعِقةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) ، فوثب مخافة العذاب، فاستحكوه ما سمع فذكر أنه لم يفهم (2) منه كلمة واحدة، ولا اهتدى لجوابه.
ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد.
فقال له عثمان بن مظعون: لتعلموا أنه من عند الله، إذ لم يهتد لجوابه (3) .
وأبين من ذلك قول الله عز وجل: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ استَجَارَكَ فَأَجِرْهُ، حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)[4]فجعل سماعه حجة عليه بنفسه، فدل على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه.
فإن قيل: لو كان [كذلك] على ما قلتم، لوجب أن يكون حال / الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه.
قيل له: لا يجب ذلك، لأن صوارفهم كانت كثيرة، منها أنهم كانوا يشكون: ففيهم (5) من يشك في إثبات الصانع، وفيهم من يشك في التوحيد،
وفيهم من يشك في النبوة.
ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب، لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم عام الفتح، قال له النبي عليه السلام: أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى.
فشهد، قال: أما آن لك أن تشهد أني رسول الله؟ قال: أما هذه ففي النفس منها شئ؟ ! فكانت وجوه شكوكهم مختلفة، وطرق شبههم متباينة، فمنهم من قلت شبههه، وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر، فأسلم.
ومنهم من كثرت شبهه، أو أعرض (6) عن تأمل الحجة حق تأملها، أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية، فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر، وراعى واعتبر، واحتاج إلى أن يتأمل (7) عجز غيره عن الاتيان بمثله، فلذلك وقف أمره.
[1]س: " عجيب الشأن " (2) س: " لم يسمع " (3) راجع تفسير القرطبى 1 / 338.
[4]سورة التوبة: 6 (5) س: " يشكون منهم " (6) م، س: " وأعرض " (7) م: " إلى تأمل " (*)
فأرسل.
إلينا من يلقانا، وقال: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم حتى تنزعوها، إلا أن تكون مناديل لطافا، وحتى تنزعوا أخفافكم.
فقلت: لا أفعل، ولا أدخل إلا بما أنا عليه من الزى واللباس، فإن رضيتم، وإلا فخذوا الكتب تقرءونها، وأرسلوا بجوابها، وأعود بها.
فأخبر بذلك الملك، فقال: أريد معرفة سبب هذا، وامتناعه عما مضى عليه رسمى من الرسل؟ فسئلت عن ذلك، فقلت: أنا رجل من علماء المسلمين، وما تحبونه منا ذل وصغار، والله تعالى قد رفعنا بالاسلام، وأعزنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأيضا فإن من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر رفع أقدارهم، لا إذلالهم، سيما إذا كان الرسول من أهل العلم، ووضع قدره إنهدام جانبه عند الله تعالى، وعند المسلمين.
فعرف الترجمان الملك بذلك، فقال دعوه يدخل ومن معه كما يشاءون.
فدخل الباقلانى ومن معه كما أرادوا، وسأله الملك عن السبب في امتناعه عن اتباع ما جرى به رسمه مع الرسل من قبل، فشرح وجهة نظره، وذكره: أن رسوله قد دخل بملابسه على أمير المؤمنين الطائع، وأدخل بها على السلطان عضد الدولة، ثم قال: " فما تنكرون على هذا، وأنا رجل من علماء المسلمين؟ فإن دخلت بغير هيئتي، ورجعت إلى حكمك أهنت العلم ونفسي، وذهب عند المسلمين جاهى " فقال الملك لترجمانه: قل له: قد قبلنا عذرك، ورفعنا منزلتك، وليس محلك عندنا كسائر الرسل، وإنما محلك عندنا محل الابرار الاخيار، وقد أخبرنا صاحبكم في كتابه أنك لسان المسلمين، والمناظر عنهم، وأنا أشتهى أن أعرف ذلك منك، كما ذكروه عنك.
فقلت: إذا أذن
الملك.
فقال: انزلوا حيث أعددت لكم، ويكون بعد هذا الاجتماع.
فنهضنا إلى موضع أعد لنا فلما كان يوم الاحد بعث الملك في طلبى، وقال لى من بعثه: من شأن الرسول حضور مائدة الملك، فيجب أن تجيب إلى طعامنا، ولا تنقض كل رسومنا.
فقلت له: أنا من علماء المسلمين، ولست كالرسل من الجند وغيرهم الذى يعرفون ما يجرى في هذا الموطن عليهم، والملك يعلم أن العلماء لا يقدرون أن يدخلوا في هذه الاشياء وهم يعلمون، وأخشى أن يكون على مائدته من لحوم الخنازير، وما حرمه الله تعالى، على رسوله وعلى المؤمنين.
فذهب الترجمان وعاد


صفحه 29

على، وقال: يقول لك الملك: ليس على مائدتي، ولا في شئ من طعامي شئ تكرهه، وقد استحسنت ما أتيت به، وما أنت عندنا كسائر الرسل، بل أعظم وما كرهت من لحوم الخنازير إنما هو خارج من حضرتي، بينى وبينه حجاب.
فنهضت على كل حال، وجلست وقدم الطعام، ومددت يدى وأوهمت الاكل ولم آكل منه شيئا، مع أنى لم أر على مائدته ما يكره.
فلما فرغ من الطعام بخر المجلس وعطره، ثم قال: هذا الذى تدعونه في معجزات نبيكم: من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ فقلت: هو صحيح عندنا، انشق القمر على عهد رسول الله حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال.
فقال الملك: وكيف: ولم يره جميع الناس؟ ! قلت لان الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره فقال: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة قرابة؟ لاى شئ لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟ ! قلت: فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس
والبراهمة وأهل الالحاد، وخاصة يونان جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم؟ فتحير الملك، وقال بكلامه: سبحان الله.
وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه، لان صاحبه قال: ما في مملكتي مثله، ولا للمسلمين في عصره مثله.
فلم أشعر إذ جاء برجل كالذئب، أشقر الشعر، فقعد، وحكيت عليه المسألة، فقال: الذى قاله المسلم لازم، وهو الحق، لا أعرف له جوابا إلا ما ذكره فقلت له: أتقول: إن الخسوف إذا كان يراه جميع أهل الارض؟ أم يراه أهل الاقليم الذى بمحاذاته؟ قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته.
فقلت: فما أنكرت من إنشقاق القمر إذا كان في ناحية أن لا يراه أهل تلك

ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة - لتوافوا إلى القبول جملة واحدة.
/ فإن قيل: فكيف يعرف البليغ الذي وصفتموه إعجاز القرآن؟ وما الوجه الذي يتطرق به إليه، والمنهاج الذي يسلكه، حتى يقف به على جلية الأمر فيه؟ قيل: هذا سبيله أن يفرد له فصل.
* * *
فإن قيل: فلم زعتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات، وتصرفهم في أجناس الفصاحات؟ وهلاّ قلتم: إن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه[1]من هذه الطرق الغريبة - كان على مثل نظم القرآن قادراً، وإنما يصرفه الله عنه ضرباً من الصرف، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضرباً من المنع، أو تقصر دواعيه [إليه] دونه، مع قدرته عليه.
ليتكامل ما أراده الله من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة، لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين، لم يعجز عن نظم مثلها، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة، حتى يتكامل قدر الآية والسورة؟ فالجواب: أن لو صح ذلك لصح لكل من أمكنه نظم ربع بيت، أو مصراع من بيت - أن ينظم القصائد ويقول الأشعار، وصح لكل ناطق - قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة - نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة! ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن.
على أن ذلك لو لم يكن معجزاً على ما وصفناه من جهة نظمه / الممتنع، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه، ومنع (2) من مقدار الفصاحة في نظمه، [كان] أبلغ في الاعجوبة (3) ، إذا صرفوا عن الاتيان بمثله، ومنعوا من (4) معارضته، وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع، وإخراجه في (5) المعرض الفصيح العجيب.
[1]س: " وتوجه " (2) س: " ووضع " (3) م: " في العجوبة " (4) س: " عن " (5) م: " على "
(*)


صفحه 30

على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه، لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف.
لأنهم لم يتحدوا إليه، ولم تلزمهم حجته.
فلما لم يوجد في كلامه من قبله مثله، علم أن ما ادعاه القائل " بالصرفة " ظاهر البطلان.
وفيه معنى آخر، وهو: أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلاماً مطمعاً لم يخف عليهم، ولم يشتبه لديهم.
ومن كان متناهياً في فصاحته لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال.
فإن قال صاحب السؤال: إنه قد يطمع في ذلك.
قيل له: أنت تزيد على هذا فتزعم أن كلام الآدمي قد يضارع القرآن، وقد يزيد / عليه في الفصاحة ولا يتحاشاه، ويحسب أن ما ألفه[1]في الجزء والطفرة هو أبدع وأغرب من القرآن لفظاً ومعنى! ولكن ليس الكلام على ما يقدره مقدر في نفسه، ويحسبه ظان من أمره.
والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء دون الآحاد.
ونحن نبين بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ، ونميزه في ذلك عن سائر أجناس الخطاب، ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ ببين الغلط، وإن هذا التقدير من جنس من حكى الله تعالى قوله في محكم كتابه: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتَلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرَ) (2) فهم يعبرون عن دعواهم: أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله، وأن (3) ذلك من قول
البشر، لأن ما كان من قولهم فليس يقع فيه التفاضل إلى الحد الذى يتجاوز إمكان معارضته.
ومما يبطل ما ذكروه من القول " بالصرفة " أنه لو كانت المعارضة ممكنة - وإنما منع منها " الصرفة " - لم يكن الكلام معجزاً.
وإنما يكون المنع هو المعجز (4) ، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه.
[1]م: " أن ما قد ألفه " (2) سورة المدثر: 18 - 25 (3) س: " بأن " (4) س: " المنع معجزا " (*)
الناحية ومن تأهب للنظر له، فأما من أعرض عنه، أو كان في الامكنة التى لا يرى القمر منها فلا يراه.
فقال: كما قلت لا يدفعك عنه دافع، وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه، فأما الطعن في غير هذا الوجه فليس بصحيح.
فقال الملك: وكيف يطعن في النقلة؟ فقال القسيس: شبه هذا من الآيات - إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير حتى يتصل بنا العلم الضرورى به، ولما لم نعلم ذلك بالضرورة، دل على أن الخبر مفتعل باطل.
فالتفت الملك إلى، وقال: الجواب؟ قلت: يلزمه في نزول المائدة، ما يلزمنى في إنشقاق القمر، ويقال: لو كان
نزول المائدة صحيحا لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودى ولا نصراني ولا وثنى إلا ويعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة دل أن الخبر مكذوب فبهت القسيس والملك ومن ضمه المجلس، وانفصل المجلس على هذا * * * قال الباقلانى: ثم سألني الملك في مجلس ثان، فقال: ما تقولون في المسيح عيسى بن مريم؟ قلت: روح الله وكلمته وعبده، ونبيه ورسوله، كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن.
فيكون، وتلوت عليه النص.
فقال: يا مسلم، تقولون: المسيح عبد؟ فقلت: نعم، كذا نقول، وبه ندين.
قال: ولا تقولون إنه ابن الله؟ قلت: معاذ الله، (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ، وَمَا كَانَ معه من إله) ، إنكم لتقولون قولا عظيما، فإذا جعلتم المسيح ابن الله فمن أبوه وأخوه وجده وعمه وخاله؟ وعددت عليه الاقارب - فتحير وقال: