/ فصل في وصف وجوه من البلاغة ذكر بعض أهل الأدب والكلام[1]: أن البلاغة على عشرة أقسام[2]: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان (3) .
فأما " الإيجاز " فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى، فيأتي باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة.
وذلك ينقسم إلى حذف، وقصر: / فالحذف: الإسقاط للتخفيف، كقوله: وَاسْأَلِ القَرْيَةِ)[4].
وقوله: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (5) .
وحذف الجواب كقوله: (وَلَوْ أَنَّ قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) (6) .
كأنه قيل: لكان هذا القرآن.
والحذف أبلغ من الذكر، لأن النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب (7) .
[1]هذا البعض الذى لم يشأ المؤلف أن يصرح باسمه هو معاصره أبو الحسن: على بن عيسى الرماني، المعتزلي (296 - 384 هـ) صاحب كتاب النكت في إعجاز القرآن، الذى نقل عنه المؤلف هذا الفصل الطويل.
راجع ترجمة الرماني في ابن خلكان 2 / 461، وبغية الوعاة 344 والامتاع والمؤانسة 1 / 133 ومعجم الادباء 14 / 73 - 78 وفهرست ابن النديم ص 14، 73، 78 ونزهة الالبا ص 389 - 392
[2]النكت ص 1 (3) قال الرماني بعد ذلك: " ونحن نفسرها بابا بابا: الايجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، وإذا كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة فالالفاظ القليلة إيجاز.
والايجاز على وجهين: خذف وقصر، فالحذف إسقاط كلمة للاجزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام.
والقصر: بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف ".
[4]سورة يوسف: 82 (5) سورة محمد: 21 (6) سورة الرعد: 31 (7) في النكت بعد ذلك: " ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذى تضمنه البيان ".
(*)
والايجاز بالقصر[1]كقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (2) .
وقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهمْ، هُمُ الْعَدُوُّ) (3) .
وقوله: (إِنَّمَا بغيكم على أنفسكم)[4].
وقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) .
(5) / والاطناب (6) فيه بلاغة، فأما التطويل ففيه على (7) .
* * * وأما التشبيه، فهو العقد (8) على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في
[1]قال الرماني ص 2: " وأما الايجاز بالقصر دون الحذف فهو أغمض من الحذف، وإن كان الحذف غامضا للحاجة إلى العلم بالمواضع التى تصلح من المواضع التى لا تصلح " (2) سورة البقرة: 179 (3) سورة المنافقون: 4
[4]سورة يونس: 23 (5) سورة فاطر 43.
وقال الرماني بعد استشهاده بالآيات السابقة: " وهذا الضرب من الايجاز في القرآن كثير.
وقد استحسن الناس من الايجاز قولهم: القتل أنفى للقتل.
وبينه وبين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة والايجاز.
وذلك يظهر من أربعة أوجه: أنه أكثر في الفائدة، وأوجز في العبارة، وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة، وأحسن تأليفا بالحروف المتلائمة.
أما الكثرة في الفائدة ففيه كل ما في قولهم: القتل أنفى للقتل، وزيادة معان حسنة: منها إبانة العدل لذكره القصاص، ومنها إبانة الغرض المرغوب فيه لذكر الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به، وأما الايجاز في العبارة، فإن الذى هو نظير: القتل أنفى للقتل - قوله تعالى " القصاص حياة " والاول أربعة عشر حرفا، والثانى عشرة حروف.
وأما بعده عن الكلفة بالتكرير الذى فيه على النفس مشقة، فإن في قولهم: القتل أنفى للقتل - تكريرا غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرير كذلك فهو مقصر في باب البلاغة عن أعلى طبقة.
وأما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة فهو مدرك بالحس، وموجود في اللفظ، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الالف إلى اللام، فباجتماع هذه الامور التى ذكرناها صار أبلغ منه وأحسن، وإن كان الاول بليغا حسنا " (6) س: " وإطناب " (7) قال الرماني في ص 3: " والايجاز بلاغة والتقصير عى، كما أن الاطناب بلاغة والتطويل عى.
والايجاز لا إخلال فيه بالمعنى المدلول عليه، وليس كذلك التقصير، لانه لا بد فيه من الاخلال.
فأما الاطناب فإنما يمكن في تفصيل المعنى وما يتعلق به في المواضع التى يحسن فيها ذكر التفصيل ... فأما التطويل فعيب وعى، لانه تكلف الكثير فيما يكفى فيه القليل، فكان كالسالك طريقا بعيدا جهلا منه بالطريق القريب.
وأما الاطناب فليس كذلك، لانه كمن سلك طريقا بعيدا لما فيه من النزهة الكثيرة والفوائد العظيمة، فيحصل له في الطريق إلى غرضه من الفائدة نحو ما يحصل له بالغرض المطلوب " (8) س، ك: " التشبيه بالعقد ".
والتصحيح من م والنكت ص 5 (*)
حسن أو عقل، كقوله: (وَالَّذِينَ كَفُرُواْ أَعْمَالُهُم كَسَرَابٍ بِقِيعةٍ يَحْسَبُهُ الْظَمْآنُ مَاءً، حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً)[1].
وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يوم عاصف) (2) .
وقوله: (وإذ نتفنا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّه ظُلَّةٌ) (3) .
/ وقوله: (إِنّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فاخْتَلَطَ به بنات الارض مما يأكل الناس والانعام، حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زَخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارَاً، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً، كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ)[4]وقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِّرٍ.
تَنْزِعُ النَّاسَ كّأَنَّهُم أعجاز نخل منقعر)[5].
[1]سورة النور: 39.
وقال الرماني بعد ذكره لهذه الآية ص 6: " وهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة، إلى ما تقع عليه الحاسة، وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة.
ولو قيل: يحسبه الرائى ماء، ثم يظهر أنه على خلاف ما قد رأى لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن، لان الظمآن أشد حرصا عليه، وتعلق قلب به.
ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذى يصيره إلى عذاب الابد في النار، نعوذ بالله من هذه الحال.
وتشبيه أعمال الكفر بالسراب من حسن التشبيه، فكيف إذا تضمن مع ذلك حسن النظم، وعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة " (2) سورة إبراهيم: 18.
وقال الرماني ص 7: " فهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة.
فقد اجتمع المشبه والمشبه به في الهلاك وعدم الانتفاع والعجز عن الاستدراك لما فات، وفى ذلك الحسرة العظيمة، والموعظة البليغة " (3) سورة الاعراف: 171.
وقال الرماني ص 7: " وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما
قد جرت به العادة، وقد اجتمعا في معنى الارتفاع في الصورة.
وفيه أعظم الآية لمن فكر في مقدورات الله تعالى عند مشاهداته لذلك أو علمه به، ليطلب الفوز من قبله، ونيل المنافع بطاعته ".
[4]سورة يونس: 24.
وقال الرماني ص 7: " وهذا بيان قد أخرج ما لم تجربه عادة إلى ما قد جرت به العادة.
وقد اجتمع المشبه والمشبه به في الزينة والبهجة، ثم الهلاك بعده.
وفى ذلك العبرة لمن اعتبر.
والموعظة لمن تفكر في أن كل فان حقير وإن طالت مدته، وصغير وإن كبر قدره ".
[5]سورة القمر: 19، 20.
وقال الرماني ص 8: " وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به العادة.
وقد اجتمعا في قلع الريح لهما، وإهلاكها إياهما.
وفى ذلك الآية الدالة على عظيم القدرة، والتخويف من تعجيل العقوبة ".
(*)
وقوله: (فَإِذَا اْنشَقَّتِ السَّماءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)[1].
وقوله: (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، كَمَثَلِ غِيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ / نَبَاتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامَاً)[2].
وقوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ) (3) .
وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارَ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (4) .
وقوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَث) (5) .
وقوله: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) (6) .
وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخّذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أولياء كمثل العنكبوت / اتخذت
[1]سورة الرحمن: 37.
وقال الرماني: " فهذا تشبيه قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به، وقد اجتمعا في الحمرة وفى لين الجواهر السيالة، وفى ذلك الدلالة على عظيم الشأن ونفوذ السلطان، لتنصرف الهمم إلى ما هنا لك بالامل "
[2]سورة الحديد: 20.
وقال الرماني ص 8: " فهذا تشبيه قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به، وقد اجتمعا في شدة الاعجاب، ثم في التغير بالانقلاب.
وفى ذلك الاحتقار للدنيا، والتحذير من الاغترار بها والسكون إليها " (3) سورة الحديد: 21.
وقال الرماني: " فهذا تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة وفى ذلك البيان العجيب بما قد تقرر في النفس من الامور، والتشويق إلى الجنة بحسن الصفة مع ما لها من السعة " (4) سورة الجمعة: 4.
وقال الرماني ص 8: " وهذا تشبيه قد أخرج فيه ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة، وقد اجتمعا في الجهل بما حملا.
وفى ذلك العيب لطريقة من ضيع العلم بالاتكال على حفظ الرواية من غير دراية "! (5) سورة الاعراف: 176.
وقال الرماني ص 7: " فهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه.
قد اجتمعا في ترك الطاعة على كل وجه من وجوه التدبير، وفى التخسيس، فالكلب لا يطيعك في ترك اللهث حملت عليه أو تركته.
وكذلك الكافر لا يطيعك بالايمان على رفق ولا عنف.
وهذا يدل على حكمة الله سبحانه في أنه لا يمنع اللطف " (6) سورة الحاقة: 7.
وقال الرماني ص 9 " هذا تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة.
وقد اجتمعا في خلو الاجساد من الارواح.
وفى ذلك الاحتقار لكل شئ يؤول به الامر إلى ذلك المآل " (*)
بَيْتَاً، وإِنَّ أَوْهَنَ الْبِيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)[1].
وقوله: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام) (2) .
وقوله: (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالفَخَّارِ) (3) .
ونحو ذلك.
* * * ومن ذلك: " باب الاستعارة " وذلك يباين (4) " التشبيه ".
كقوله تعالى: (وقد منا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءٍ مَنْثُوراً) (5) .
/ وكقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (6) .
وكقوله: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة)[7].
وقوله: (وَلَمَّا سَكَتَ عِن مُّوسَى الغضب) (8) .
[1]سورة العنكبوت: 41.
وقال الرماني: " فهذا تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة.
وقد اجتمعا في ضعف المعتمد ووهى المستند.
وفى ذلك التحذير من حمل النفس على الغرور بالعمل على غير يقين، مع الشعور بما فيه من التوهين " (2) سورة الرحمن: 24.
وقال الرماني: " فهذا تشبيه قد أخرج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له القوة فيها.
وقد اجتمعا في العظم، إلا أن الجبال أعظم.
وفى ذلك العبرة من جهة القدرة فيما سخر من الفلك الجارية مع عظمها، وما في ذلك من الانتفاع بها وقطع الاقطار البعيدة فيها " (3) سورة الرحمن: 14.
وقال الرماني: " وهذا تشبيه قد أخرج ما لا قوة له في الصفة إلى ماله القوة.
وقد اجتمعا في الرخاوة والجفاف، وإن كان أحدهما بالنار والآخر بالرياح " (4) كذا في ا، م.
وفى ك، س: " لاستعارة وهو بيان التشبيه " (5) سورة الفرقان: 23.
وقال الرماني ص 10: " حقيقة،، قدمنا،، هنا: عمدنا.
وقدمنا أبلغ منه، لانه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، لانه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم.
وفى هذا تحذير من الاغترار بالامهال.
والمعنى الذى يجمعهما العدل، لان العمد إلى إبطال الفاسد عدل.
القدوم أبلغ لما بينا.
وأما هباء منثورا فبيان قد أخرج ما لا تقع عليه حاسة إلى ما تقع عليه حاسة " (6) سورة الحجر: 94.
وقال الرماني ص 11: " حقيقته: بلغ ما تؤمر به.
والاستعارة أبلغ من الحقيقة، لان الصدع بالامر لابد له من تأثير كتأثير صدع الزجاجة.
والتبليغ قد يضعف حتى لا يكون له تأثير فيصير بمنزلة ما لم يقع.
والمعنى الذى يجمعهما الايصال، إلا أن الايصال الذى له تأثير كصدع الزجاجة أبلغ "
[7]سورة الحاقة: 11.
وقال الرماني ص 11: " حقيقته علا.
والاستعارة أبلغ، لان طغى علا قاهرا.
وهو مبالغة في عظم الحال " (8) سورة الاعراف: 154.
وقال الرماني ص 12 " حقيقته انتفاء الغضب.
والاستعارة بسكت أبلغ، لانه انتفى انتفاء مراصد بالعودة، فهو كالسكوت على مراصدة الكلام بما توجبه الحكمة في الحال، فانتفى الغضب بالسكوت عما يكره، والمعنى الجامع بينهما الامساك عما يكره " (*)
وكقوله: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً)[1].
وقوله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) (2) .
فالدمغ والقذف مستعار.
/ وقوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار)[3].
وقوله: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُم) (4) .
وقوله: (فذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (5) .
وقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (6) .
وقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) (7) .
وقوله: (مستهم البأساء والضراء وزلزلوا[8].
[1]سورة الاسراء: 11.
وقال الرماني ص 12: " فمبصرة ها هنا استعارة.
وحقيقتها: مضيئة.
وهى أبلغ من مضيئة، لانه أدل على موقع النعمة، لانه يكشف عن وجه المنفعة.
وقيل هو بمعنى ذات إبصار، وعلى هذا يكون حقيقة " (2) سورة الانبياء: 12.
وقال الرماني ص 13: " القذف والدمغ ها هنا مستعار.
وهو أبلغ، لان في القذف دليلا على القهر، لانك إذا قلت: قذف به إليه، فإنما معناه ألقاه إليه على جهة الاكراه والقهر.
فالحق يلقى على الباطل فيزيله على جهة القهر والاضطرار لا على جهة الشك والارتياب.
ويدمغه أبلغ من يذهبه، لما في يدمغه من التأثير فيه، فهو أظهر في النكأة وأعلى في تأثير القوة "
[3]سورة يس: 37.
وقال الرماني: " نسلخ مستعار، وحقيقته: نخرج.
والاستعارة أبلغ، لان السلخ إخراج الشئ مما لابسه وعسر انتزاعه منه لا لتحامه به، فكذلك قياس الليل " (4) سورة الانفال: 7.
وقال الرماني ص 13: " اللفظ هاهنا بالشوكة مستعار، وهو أبلغ.
وحقيقته: السلاح، فذكر الحد الذى به تقع المخافة واعتمد على الايماء إلى النكتة، وإذا كان السلاح يشتمل على ماله حد وما ليس له حد، فشوكة السلاح هي التى تبقى (5) سورة فصلت، 51.
وقال الرماني: " عريض هاهنا مستعار، وحقيقته: كثير.
والاستعارة فيه أبلغ، لانه أظهر بوقوع الحاسة عليه، وليس كذلك كل كثرة.
وقيل: عريض لان العرض أدل على الطول " (7) سورة محمد: 4.
وقال الرماني ص 14: " وهذا مستعار.
وحقيقته: حتى يضع أهل الحرب أثقالها، فجعل وضع أهلها الاثقال وضعا لها على جهة التفخيم لشأنها " (7) سورة التكوير: 18.
وقال الرماني 11: " وتنفس " هاهنا مستعار.
وحقيقته: إذا بدأ انتشاره.
وتنفس أبلغ منه، ومعنى الابتداء فيهما، إلا أنه في التنفس أبلغ، لما فيه من الترويح عن النفس ".
[8]سورة البقرة: 214.
وقال الرماني ص 14: " هذا مستعار.
وزلزلوا أبلغ من كل لفظ كان يعبر به عن غلظ ما نالهم.
ومعنى حركة الازعاج فيهما، إلا أن الزلزلة أبلغ وأشد ".
(*)
/ وقوله: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)[1].
وقوله: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارَاً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدَاً) (2) .
وقوله: (حَصِيدَاً خَامِدِينَ) (3) .
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) (4) .
وقوله: (وَدَاعِيَاً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجَاً مُنِيراُ) (5) .
وقوله: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) (6) .
/ وقوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ) (7) .
وقوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ) يريد: أن لا إحساس بآذانهم من غير صمم (8) .
[1]سورة آل عمران: 178.
وقال الرماني: " حقيقته: تعرضوا للغفلة عنه.
والاستعارة أبلغ، لما فيه من الاحالة على ما يتصور " (2) سورة يونس: 24.
وقال الرماني ص 16: " أصل الحصيد للنبات.
وحقيقته: مهلكة.
والاستعارة أبلغ، لما فيه من الاحالة على إدراك البصر " (3) سورة الانبياء: 15.
وقال الرماني: " أصل الخمود للنار، وحقيقته: هادئين.
والاستعارة أبلغ، لان خمود النار أقوى في الدلالة على الهلاك، على حد قولهم: طفئ فلان كما يطفأ السراج " (4) سورة الشعراء: 225.
وقال الرماني ص 16: " واد ها هنا مستعار.
وكذلك الهيمان.
وهو من أحسن البيان، وحقيقته: يخلطون فيما يقولون، لانهم ليسوا على قصد الطريق الحق.
والاستعارة أبلغ، لما فيه من البيان بالاخراج إلى ما يقع عليه الادراك من تخليط الانسان بالهيمان في كل واد يعن له فيه الذهاب " (5) سورة الاحزاب: 46.
وقال الرماني ص 16: " السراج ها هنا مستعار، وحقيقته: مبينا، والاستعارة أبلغ، للاحاطة على ما يظهر بالحاسة " (6) سورة الاسراء: 29.
وقال الرماني ص 17: " حقيقته: لا تمنع نائلك كل المنع، والاستعارة أبلغ، لانه جعل منع النائل بمنزلة غلق اليد إلى العنق، وذلك مما يحس الحال، والتشبيه فيه بالمنع فيهما، إلا أن حال المغلول اليد أظهر وأقوى فيما يكره " (7) سورة السجدة: 21.
وقال الرماني ص 17: " حقيقته: لنعذبنهم.
والاستعارة أبلغ، لان إحساس الذائق أقوى لانه طالب لادراك ما يذوقه ولانه جعل بدل إحساس الطعام المستلذ إحساس الآلام لان الاسبق في الذوق ذوق الطعام " (8) سورة الكهف: 11.
وقال الرماني ص 17: " حقيقته: منعناهم الاحساس بآذانهم من غير صمم.
والاستعارة أبلغ لانه كالضرب على الكتاب فلا يقرأ، كذلك المنع من الاحساس فلا يحس.
وإنما دل على عدم الاحساس بالضرب على الآذان دون الضرب على الابصار لانه أدل على المراد من حيث
كان قد يضرب على الابصار من غير عمى فلا يبطل الادراك رأسا، وذلك بتغميض الاجفان، وليس كذلك منع السماع من غير صمم في الآذان، لانه إذا ضرب عليها من غير صمم دل على عدم الاحساس من كل جارحة يصح بها الادراك، ولان الاذن لما كانت طريقا إلى الانتباه ثم ضرب عليها لم يكن سبيل إليه ".
(*)
وقوله: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيِهم)[1].
وهذا أوقع من اللفظ الظاهر، وأبلغ من الكلام الموضوع [له] (2) .
* * * / وأما " التللاؤم "، فهو: تعديل الحروف في التأليف.
وهو نقيض " التنافر " [الذى هو] (3) كقول الشاعر: وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرٍ * وليس قربَ قبرِ حربٍ قبرُ (4) قالوا: هو من شعر الجن! وحروفه متنافرة، لا يمكن إنشاده إلا بتتعتع فيه! (5) .
" والتلاؤم " على ضربين: أحدهما في الطبقة الوسطى، كقوله (6) : رمتني وستْرُ الله بيني وبينها * عشيةَ آرامِ الكناس رميمُ (7) رميمُ التي قالت لجارات بيتها: * ضمنتُ لكم أن لا يزال يَهِيمُ (8) / ألا رُبَّ يومٍ لو رمتني رميتُها * ولكن عهدي بالنضال قديم (9)
[1]سورة الاعراف: 149.
وقال الرماني ص 17: " هذا مستعار.
وحقيقته: ندموا لما رأوا من أسباب الندم.
إلا أن الاستعارة أبلغ للاحالة فيه على الاحساس لما يوجب الندم بما سقط في اليد، فكانت حاله أكشف في سوء الاختيار لما يوجب الوبال " (2) الزيادة من ا، ك، م (3) الزيادة من م (4) البيت مجهول النسبة، بل نسب إلى الجن، وحرب: هو حرب بن أمية بن عبد شمس، والد أبى سفيان بن حرب: راجع البيان والتبيين 1 / 65 والحيوان 6 / 207 وشرح شواهد الشافية ص 487
ونهاية الايجاز في دراية الاعجاز للرازي ص 26 والبداية والنهاية لابن كثير 2 / 277 (5) نص عبارة الرماني ص 18: " وذكروا أن هذا من أشعار الجن، لانه لا يتهيأ لاحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع.
وإنما السبب في ذلك ما ذكرناه من تنافر الحروف " (6) هو أبو حية النميري كما في الكامل للمبرد ص 19 وأمالى الشريف 2 / 102 وحماسة ابن الشجرى ص 153 وأمالى القالى 2 / 280 (7) في الكامل ص 19: " قيل: في ستر الله: الاسلام، وقيل: إنه الشيب، وقيل ما حرم الله ".
وفى الامالى: " عشية أحجار الكناس " وكذلك في اللسان 15 / 148 وفيه: " أراد بأحجار الكناس: رمل الكناس " والكناس: الموضع الذى تأوى إليه الظباء.
ورميم اسم جارية، مأخوذ من العظام الرميم، وهى البالية، كما قال الاخفش في زياداته على الكامل ص 19 وفى اللسان: " ورميم من أسماء الصبا وبه سميت المرأة، ثم أنشد البيت شاهدا على ذلك " (8) سقط هذا البيت من ا، م (9) قال أبو العباس المبرد: " يقول: رمتني بطرفها وأصابتني بمحاسنها، ولو كنت شابا لرميت كما رميت، وفتنت كما فتنت، ولكن قد تطاول عهدي بالشباب " (*)