بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 291

/ فصل في كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، وأمور تتصل بالاعجاز إن قال قائل: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب - وقد قال هذا في حديث مشهور، وهو صادق في قوله - فهلا قلتم إن القرآن من نظمه لقدرته في الفصاحة على مقدار لا يبلغه غيره؟ قيل: قد علمنا أنه لم يتحدَّهم إلى مثل قوله وفصاحته.
والقدر الذي بينه وبين كلام غيره من الفصحاء[1]، كقدر ما بين شعر الشاعرين، وكلام الخطيبين في الفصاحة (2) ، وذلك مما لا يقع به الإعجاز.
وقد بينا قبل هذا: أنا إذا وازنا بين خطبه ورسائله وكلامه المنثور، وبين نظم القرآن - تبين من البون بينهما مثل ما بين كلام الله عز وجل و [بين] (3) كلام الناس، فلا (4) معنى لقول من ادعى أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم معجز وإن كان دون القرآن في الاعجاز.
فإن (5) قيل: لولا أن كلامه معجز لم يشتبه على ابن مسعود الفصل / بين المعوذتين وبين غيرهما من القرآن (6) ؟
[1]كذا في س، ك.
وفى م.
: " والقدر الذى بين كلامه وكلامهم من الفصاحة كقدر " (2) م: " وذلك م الا يقع الاعجاز به " (3) الزيادة من م " (4) س: " ولا " (5) م: " فلو " (6) يزعم بعض الرواة عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي أنه قال: " كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله "! ! ! وقال السيوطي في الاتقان 2 / 137: " وقال النووي في شرح المهذب: أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منها
شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح.
وقال ابن حزم في كتاب القدح المعلى، تتميم المحلى: هذا كذب على ابن مسعود وموضوع ".
وقد أبى ابن حجر إلا تصحيح تلك الرواية، فقال في شرح البخاري: " فقول من قال إنه كذب عليه مردود، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل بل الرواية صحيحة، والتأويل محتمل ".
ثم لم يستطع تأويلا مقبولا، والله يغفر لنا وله.
وانظر تأويل مشكل القرآن ص 20، 21، 33 - 35.
(*)


صفحه 292

وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت[1]في أنه هل هو (2) من القرآن أم لا؟ [قيل: هذا من تخليط الملحدين، لان عندنا أن الصحابة لم يخف عليهم ما هو من القرآن] (3) .
ولا يجوز أن يخفى عليهم القرآن من غيره: وعدد السور عندهم محفوظ مظبوط.
وقد يجوز أن يكون شذ عن مصحفه، لا لأنه نفاه من القرآن، بل عول على حفظ الكل إياه.
/ على أن الذي يروونه خبر واحد، لا يسكن إليه في مثل هذا، ولا يعمل عليه.
ويجوز أن يكتب على ظهر مصحفه دعاء القنوت لئلا ينساه، كما يكتب الواحد منا بعض الأدعية على ظهر مصحفه.
وهذا نحو ما يذكره الجهال: من اختلاف كثير بين مصحف ابن مسعود، وبين مصحف عثمان رحمة الله عليهما.
ونحن لا ننكر أن يغلط في حروف معدودة، كما يغلط الحافظ في حروف وينسى، وما لا نجيزه (4) على الحفاظ مما لم نجزه عليه.
ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا، لكانت الصحابة تناظره على
ذلك، وكان يظهر وينتشر، فقد تناظروا في أقل من هذا، وهذا أمر يوجب التكفير والتضليل، فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه؟ ! وقد (5) علمنا إجماعهم على ما جمعوه في المصحف، فكيف يقدح بمثل (6) هذه الحكايات الشاذة المولدة (7) في الاجماع المقرر، والاتفاق المعروف؟ ! ويجوز (8) أن يكون الناقل اشتبه (9) عليه، لانه خالف في النظم / والترتيب،
[1]م " هل بين من القرآن هذا من تخليط الملحدين " (2) اشتبه ذلك على أبى فزاده في مصحفه على أنه قرآن، لانه - كما قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص 33 - " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في الصلاة دعاء دائما، فظن أنه من القرآن، وأقام على ظنه، ومخالفة الصحابة جميعا، كما أقام على التطبيق " (3) الزيادة من ا، ب (4) ك: " وما لا يجيزه " م " وما لا يجيزه الحفاظ منا لم نجزه عليه " (5) م: " لقد " (6) م: " تقدح مثل " (7) م " الشاذة المؤلفة ".
س " بالاجماع " (8) م " فيجوز " (9) كذا في ا، م، ك.
وفى س " أشبه " (*)


صفحه 293

فلم يثبتهما في آخر القرآن، والإختلاف بينهم في موضع الإثبات غير الكلام في الأصل، ألا ترى أنهم قد اختلفوا في أول ما نزل من القرآن: فمنهم من قال: قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)[1].
ومنهم من قال: (يَا أَيُّهَا الْمُدثَّرُ) (2) .
ومنهم من قال: فاتحة الكتاب (3) .
واختلفوا أيضاً في آخر ما أنزل (4) : فقال ابن عباس: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ) (5) .
وقالت عائشة: سورة المائدة.
وقال البراء بن عازب (6) : آخر ما أنزل سورة براءة.
/ وقال سعيد بن جبير (7) : آخر ما أنزل قوله تعالى: (واتَّقُواْ يَومَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّهِ) (8) .
وقال السدي[9]: آخر ما أنزل (فَإِنْ تَوَلَّوا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، عليه توكلت) (10) .
[1]سورة العلق: 1 وهذا القول هو الصحيح، وهو أول قول أورده السيوطي في الاتقان 1 / 39 (2) سورة المدثر: 1 وهذا القول في الاتقان 1 / 40 (3) انظره في الاتقان 1 / 40 (4) راجع أقوال العلماء في ذلك في الاتقان 1 / 44 - 48 (5) سورة النصر: 1 (6) هو أبو عمارة البراء بن عازب بن الحارث بن عدى بن جشم بن مجدعة الاوسي الانصاري، استصغره الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر فرده، ثم غزا معه خمسة عشرة غزوة.
وتوفى سنة اثنتين وسبعين وقيل: سنة إحدى وسبعين.
راجع تاريخ الاسلام 3 / 139 وخلاصة تذهيب الكمال ص 39 والمعارف ص 142 (7) كتب سعيد بن جبير لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لابي بردة وهو على القضاء وبيت المال.
وخرج مع ابن الاشعث، فلما انهزم أصحاب ابن الاشعث من دير الجماجم، هرب سعيد إلى مكة، فأخذه خالد بن عبد الله القسرى، وكان والى الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعث به إلى الحجاج، فأمر الحجاج فضربت عنقه سنة أربع وتسعين، راجع المعارف ص 197 (8) سورة البقرة: 281
[9]هو إسماعيل بن عبد الرحمن، مولى قريش حجازى الاصل، رأى ابن عمر وابن عباس.
وروى عن أنس بن مالك.
توفى سنة سبع وعشرين ومائة، في إمارة ابن هبيرة على العراق.
انظر اللباب 1 / 537 وخلاصة تذهيب الكمال ص 30 (10) سورة التوبة: 129 (*)


صفحه 294

ويجوز أن يكون في مثل هذا خلاف[1]، وأن يكون كل واحد ذكر آخر ما سمع.
* * * ولو كان القرآن من كلامه، لكان البون بين كلامه وبينه مثل ما بين خطبة وخطبة ينشئهما (2) رجل واحد، وكانوا يعارضونه، لأنا قد علمنا أن القدر الذي بين كلامهم وبين كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلى حد الإعجاز، ولا يتفاوت التفاوت الكثير، ولا يخفى كلامه (3) من جنس أوزان كلامهم، وليس كذلك نظم القرآن، لانه خارج من جميع ذلك.
فإن قيل: لو كان على ما ادعيتم، لعرفنا بالضرورة أنه معجز (4) دون غيره؟ قيل: معرفة الفصل بين وزن الشعر [أو غيره من أوزان الكلام لا يقع ضرورة، ويحتاج في معرفة ذوق الشعر] (5) ووزنه، والفرق بينه وبين غيره من الاوزان يحتاج (6) إلى نظر وتأمل، وفكر وروية واكتساب.
وإن كان النظم المختلف الشديد التباين إذا وجد أدرك اختلافه بالحاسة.
إلا أن كل وزن وقبيل إذا أردنا تمييزه من غيره احتجنا فيه (7) إلى الفكرة والتأمل (8) .
فإن قيل: لو كان معجزاً لم يختلف أهل الملة (9) في وجه إعجازه؟ قيل: قد يثبت الشئ دليلاً وإن اختلفوا في وجه دلالة البرهان، كما قد
يختلفون في الاستدلال على حدوث (10) العالم من الحركة والسكون، والإجتماع والإفتراق.
/ فأما المخالفون، فإنه يتعذر عليهم أن يعرفوا أن القرآن كلام الله، لأن مذهبهم أنه لا فرق بين أن يكون القرآن من قبل الرسول أو من قبل الله عزَّ وجلَّ في كونه معجزاً، لأنه إن خصه بقدر من العلم لم تجر العادة بمثله،
[1]م: " اختلاف " (2) س: " ينشئها " (3) ج س " كلام " (4) م " لعرفنا أنه معجز ضرورة " (5) الزيادة من ا، م (6) س " تحتاج إلى " (7) سقطت من م (8) ا: " الفكر " (9) م " الملل " (10) م " حدث " (*)


صفحه 295

أمكنه أن يأتي بما له هذه الرتبة، وكان متعذراً على غيره، لفقد علمه بكيفية النظم.
وليس القوم بعاجزين عن الكلام، ولا عن النظم والتأليف.
والمعنى المؤثر عندهم في تعذر مثل نظم القرآن علينا: فقد العلم بكيفية النظم، وقد بينا قبل هذا أن المانع هو أنهم لا يقدرون عليه.
والمفحم قد يعلم كيفية الأوزان واختلافها، وكيفية التركيب، وهو لا يقدر على نظم الشعر.
وقد يعلم الشاعران[1]وجوه الفصاحة، وإذا قالا الشعر جاء شعر أحدهما في الطبقة العالية، وشعر الآخر في الطبقة الوضيعة.
وقد يطرد (2) في شعر المبتدي والمتأخر في الحذق - القطعة الشريفة والبيت النادر، مما لا (3) يتفق للشاعر المتقدم.
والعلم بهذا الشأن في التفصيل لا يغني، ويحتاج معه إلى مادة من الطبع، وتوفيق من الأصل.
/ وقد يتساوى العالمان بكيفية الصناعة والنساجة، ثم يتفق لأحدهما من اللطف في الصنعة، ما لا يتفق للآخر (4) .
وكذلك أهل نظم الكلام - يتفاضلون، مع العلم بكيفية النظم، وكذلك أهل الرمي يتفاضلون في الاصابة، مع العلم بكيفية الاصابة.
وإذا وجدت للشاعر بيتاً أو قطعة أحسن من شعر امرئ القيس، لم يدل (5) ذلك على أنه أعلم بالنظم منه، لأنه لو كان كذلك كان يجب أن يكون جميع شعره على ذلك الحد، وبحسب ذلك البيت في الشرف والحسن والبراعة، ولا يجوز ان يعلم نظم قطعة ويجهل نظم مثلها، وان (6) كان كذلك، علم أن هذا لا يرجع إلى قدره[7]من العلم، ولسنا نقول: إنه يستغنى عن العلم في النظم، بل يكفي علم به في الجملة، ثم يقف الامر على القدرة.
[1]م " الشاعرين " س " الشاعر " (2) كذا في ا، م، ك.
وفى س " ترد " (3) م، ا، ك: " وما لا يتفق " (4) س: " في الآخر " (5) كذا في ك، م.
وفى س " لا يدل " (6) م: " فإذا ".
س " وإن "
[7]كذا في ك، ب.
وفى ا، م " ما قدروه ".
س " إلى قدرة " (*)


صفحه 296

وهذا يبين لك بأنه قد يعلم الخط فيكتب سطراً، فلو أراد أن يأتي بمثله بحيث لا يغادر منه شيئاً لتعذر، والعلم حاصل.
وكذلك قد يحسن[1]كيفية الخط، ويميز (2) الجيد منه من الردئ، ولا يمكنه أن يأتي بأرفع درجات الجيد.
/ وقد يعلم قوم كيفية إدارة (3) الأقلام، وكيفية تصوير الخط، ثم يتفاوتون في التفصيل (4) ، ويختلفون في التصوير.
وألزمهم أصحابنا أن يقولوا بقدرتنا على إحداث الأجسام، وإنما يتعذر وقوع ذلك منا بأنا (5) لا نعلم الأسباب التي إذا عرفنا إيقاعها على وجوه اتفق لنا فعل الاجسام.
وقد ذهب بعض المخالفين إلى أن العادة انتقضت بأن أنزله جبريل، فصار القرآن معجزاً لنزوله على هذا الوجه، ومن قبله لم يكن معجزا! ! هذا قول أبي هاشم (6) ، وهو ظاهر الخطأ، لأنه يوجب[7]أن يكونوا قادرين على مثل القرآن، وأنه لم [يكن] (8) يتعذر عليهم فعل مثله، وإنما تعذر بإنزاله، ولو كانوا قادرين على مثل ذلك كان قد اتفق من بعضهم مثله.
وإن كانوا في الحقيقة غير قادرين قبل نزوله ولا بعده على مثله، فهو قولنا.
/ وأما قول كثير من المخالفين، فهو على ما بينا، لأن معنى المعجز عندهم تعذر فعل مثله، وكان ذلك متعذرا قبل نزوله وبعده.
فأما الكلام في أن التأليف هل له نهاية؟ فقد اختلف المخالفون من المتكلمين فيه:
فمنهم من قال: ليس لذلك نهاية، كالعدد، فلا (9) يمكن أن يقال: إنه
[1]سقطت هذه الكلمة من م (2) سقطت هذه الكلمة من ك (3) سقطت هذه الكلمة من م (4) كذا في ك، س.
وفى م، ا " يتقاربون في التشكيل ".
وب " في التشكل " (5) س: " لانا " (6) هو أبو هاشم عبد السلام بن أبى على محمد الجبائى (247 - 321) ، وكان يعتبر أن الواجب على المكلف هو الشك، لان النظر العقلي من غير سابقة شك تحصيل حاصل.
[7]كذا في ا، ب، ك، م.
وفى س " يلزم " (8) س: " وإن لم يتعذر " (9) م: " ولا " (*)


صفحه 297

لا يتأتى قول قصيدة إلا وقد قيلت من قبل.
ومنهم من قال: إن ما جرت به العادة فله نهاية، وما لم تجر به العادة فلا يمكن أن تعلم[1]نهاية الرتبة فيه.
وقد بينا: أن على أصولنا قد تقرر لكلامنا [ونظمنا] (2) حد في العادة، ولا سبيل إلى تجاوزه، ولا يقدر [عليه] (3) ، فإن القرآن خرق العادة فزاد عليها.
[1]س: " نعلم ".
م " يعلم " (2) م: " يقرر ".
س: " قد تقرر لكلامنا حد " (3) س: " ولا يقدر فإن " (*)


صفحه 298

/ فصل إن قيل، هل من شرط المعجز أن[1]يعلم أنه أتى به من ظهر عليه؟ قيل: لا بد من ذلك، لانا إن (2) لم نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذى أتى بالقرآن، ظهر ذلك من جهته - لم يمكن أن نستدل به على نبوته.
وعلى هذا لو تلقى رجل منه سورة، فأتى بها بلداً، وادعى ظهورها عليه، وإنها معجزة له - لم تقم الحجة عليهم حتى يبحثوا ويتبينوا أنها ظهرت عليه.
وقد تحققنا (3) أن القرآن أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر من جهته، وجعله علماً على نبوته، وعلمنا ذلك ضرورة فصار حجة علينا.
[1]م: " وأنه " (2) سقطت من ك (3) كذا في م، ا، ب، ك.
وفى س " حققنا " (*)