/ فصل إن قيل، هل من شرط المعجز أن[1]يعلم أنه أتى به من ظهر عليه؟ قيل: لا بد من ذلك، لانا إن (2) لم نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذى أتى بالقرآن، ظهر ذلك من جهته - لم يمكن أن نستدل به على نبوته.
وعلى هذا لو تلقى رجل منه سورة، فأتى بها بلداً، وادعى ظهورها عليه، وإنها معجزة له - لم تقم الحجة عليهم حتى يبحثوا ويتبينوا أنها ظهرت عليه.
وقد تحققنا (3) أن القرآن أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر من جهته، وجعله علماً على نبوته، وعلمنا ذلك ضرورة فصار حجة علينا.
[1]م: " وأنه " (2) سقطت من ك (3) كذا في م، ا، ب، ك.
وفى س " حققنا " (*)
/ فصل قد ذكرنا في الإبانة عن معجز القرآن وجيزاً من القول، رجونا أن يكفي، وأملنا أن يقنع.
والكلام في أوصافه - إن استقصى - بعيد الأطراف، واسع الأكناف، لعلو شأنه، وشريف مكانه.
والذي سطرناه في الكتاب، وأن كان موجزا، وما أملينا فيه، وإن كان خفيفاً - فإنه ينبه على الطريقة.
ويدل على الوجه، ويهدي[1]إلى الحجة.
ومتى عظم محل الشئ فقد يكون الإسهاب فيه عيَّاً، والإكثار في وصفه تقصيراً.
وقد قال الحكيم [وقد] (2) سئل عن البليغ: متى يكون عييا؟ فقال: متى وصف هوى أو حبيباً.
وضل أعرابي في سفر له ليلاً، وطلع القمر فاهتدى به، فقال: ما أقول لك؟ أقول (3) : رفعك الله؟ وقد رفعك، أم أقول: نورك الله؟ وقد نورك، أم أقول: جملك الله؟ وقد جملك! ولولا أن العقول تختلف، والأفهام تتباين، والمعارف تتفاضل - لم نحتج إلى ما تكلفنا، ولكن الناس يتفاوتون في المعرفة، ولو اتفقوا / فيها لم يجز أن يتفقوا في معرفة هذا الفن، أو يجتمعوا في الهداية إلى هذا العلم، لاتصاله بأسباب [خفية] وتعلقه بعلوم غامضة الغور، عميقة القعر (4) ، كثيرة المذاهب، قليلة الطلاب، ضعيفة الأصحاب، وبحسب تأتي (5) مواقعه تقع الإفهام دونه، وعلى قدر لطف مسالكه يكون القصور عنه.
أنشدني أبو القاسم الزعفراني، قال: أنشدني المتنبي، لنفسه، القطعة التي يقول فيها:
[1]م: " ويهديك " (2) الزيادة من م، ك (3) سقطت من م (4) الزيادة من م (5) م: " تنامى " (*)
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً * وآفته من الفهمِ السقيمِ (1)
ولكن تأخذُ الآذانُ منه * على قدر الفرائح والعلومِ وأنشدني الحسن بن عبد الله، قال: أنشدنا بعض مشايخنا، للبحتري: أهز بالشعر أقواماً ذوي سِنة * لو أنهم ضُربوا بالسيف ما شعروا (2) عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعها * وما عليّ لهم أن تفهمَ البقرُ (3) فإذا كان نقد الكلام كله صعباً، وتمييزه شديداً، والوقوع على / اختلاف فنونه[4]متعذراً، وهذا في كلام الآدميين (5) - فما ظنك بكلام رب العالمين؟ ! * * * قد أبنا لك أن من قدر أن البلاغة في عشرة أوجه من الكلام، لا يعرف من البلاغة إلا القليل (6) ، ولا يفطن منها إلا لليسير.
ومن زعم أن البديع يقتصر على ما ذكرناه من قبل عنهم (7) في الشعر، فهو متطرف.
بلى، إن كانوا يقولون: إن هذه من وجوه البلاغة وغرر البديع وأصول اللطيف، وإن ما يجري مجرى ذلك ويشاكله ملحق بالاصل، ومردود على القاعدة - فهذا قريب.
وقد بينا في نظم القرآن: أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة، والأسلوب يختص بمعنى آخر من الشرف.
ثم الفواتح والخواتم، والمبادئ والمثاني (8) ، والطوالع والمقاطع، والوسائط والفواصل.
(1) في ديوانه 2 / 379 (2) ديوانه 673 " ذوى وسن في الجهل لو ضربوا " (3) م: " من معادنها "
[4]م: " نعوته " (5) س، ك " الآدمى " (6) م: " إلا قليلا " (7) م: " ما قلناه من قبل عنهم " (8) م: " والمنادى والمباني " (*)
ثم الكلام في نظم السور والآيات، ثم في تفاصيل التفاصيل، / ثم في الكثير والقليل[1].
ثم الكلام الموشَّح والمرصَّع، والمفصّل والمصرّع، والمجنّس والموشع (2) ، والمحلّى والمكلّل، والمطوّق والمتوّج، والموزون والخارج عن الوزن، والمعتدل في النظم والمتشابه فيه.
ثم الخروج من فصل إلى فصل، ووصل (3) إلى وصل، ومعنى إلى معنى، ومعنى في معنى، والجمع بين المؤتلف والمختلف، والمتفق والمتسق.
وكثرة التصرف، وسلامة (4) القول في ذلك كله (5) من التعسف، وخروجه عن التعمق (6) والتشدق، وبعده عن التعمل والتكلف، والألفاظ المفردة، والإبداع في الحروف والأدوات، كالإبداع في المعاني والكلمات.
والبسط (7) والقبض، والبناء والنقض، والاختصار (8) والشرح، والتشبيه (9) والوصف.
/ وتمييز الابتداع (10) من الإتباع، كتميز المطبوع عن المصنوع (11) ، والقول الواقع من غير تكلف ولا تعمل.
* * * وأنت تتبين (12) في كل ما تصرف فيه من الأنواع أنه على سَمْت شريف، ومرقب منيف، يبهر إذا أخذ في النوع الربي (13) ، والأمر الشرعي، والكلام
الإلهي، الدال على أنه يصدر عن عزة الملكوت، وشرف الجبروت، وما لا يبلغ الوهم مواقعه: من حكمة (14) وأحكام، واحتجاج وتقرير، واستشهاد وتقريع، وأعذار وإنذار، وتبشير وتحذير، وتنبيه وتلويح، وإشباع (15) وتصريح، وإشارة ودلالة، وتعليم أخلاق زكية، وأسباب رضية، وسياسات
[1]م: " والقريب " (2) كذا في ا، ب، م، ك.
وفى س " والموشى " (3) م: " ومن وصل " (4) م: " وسلاسة " (5) م: " كله وسلامته من ".
وا " عن " (6) م: " العمق " (7) م: " والكلمات والاختصار والبسط " (8) م: " والاقتصار " (9) م: " والتشبيه والامثال والوصف " (10) س: " وتميز الابداع.
كتمييز " (11) م: " عن المصبوغ " (12) م: " ترى ".
ك " تتبينه " (13) م، ا " الدينى ".
وفى اللسان 1 / 388 " والربى: منسوب إلى الرب " (14) م: " من حكم " (15) م: " واتساع " (*)
جامعة، ومواعظ نافعة، وأوامر صادعة، وقصص مفيدة، وثناء على[1]الله عز وجل بما هو أهله، وأوصاف كما يستحقه، وتحميد كما يستوجبه، وإخبار عن
كائنات في التأتي صدقت، وأحاديث عن المؤتنف تحققت، ونواه / زاجرة عن القبائح والفواحش، وإباحة الطيبات، وتحريم المضار والخبائث، وحث على الجميل والاحسان.
تجد فيه الحكمة وفصل الخطاب، مجلوة عليك في منظر بهيج، ونظم أنيق، ومعرض رشيق، غير معتاص (2) على الاسماع ولا متلو[3]على الأفهام، ولا مستكره في اللفظ، ولا مستوحش (4) في المنظر.
غريب في الجنس غير غريب في القبيل، ممتلئ ماء ونضارة، ولطفاً وغضارة، يسري في القلب كما يسري السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضئ كما يضئ الفجر، ويزخر كما يزخر البحر، طموح العباب، جموح على المتناول المنتاب، كالروح في البدن، والنور المستطير في الافق، والغيث الشامل، والضياء الباهر (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (5) .
من توهم أن الشعر يلحظ (6) شأوه بان ضلاله، ووضح (7) جهله، إذ الشعر سمت قد تناولته الألسن، وتداولته القلوب، وانثالت عليه الهواجس، وضرب الشيطان فيه بسهمه، وأخذ منه بحظه.
وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلاً، وأقرب مأخذاً، وأسهل مطلباً، ولذلك / قالوا: فلان مفحم، فأخرجوه مخرج العيب، كما قالوا: فلان عيي (8) ، فأوردوه مورد النقص.
* * * والقرآن كتاب دل على صدق متحمله، ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها، وبرهان شهد له برهان الانبياء (9) المتقدمين، وبينة على طريقة من
[1]م: " عن " (2) س: " متعاص "
[3]كذا في ل، م.
وفى س " ولا مفلق " (4) س: " ولا متوحش " (5) سورة فصلت 42 (6) كذا في ل، م.
وفى س " يلحق " (7) س، ك " وصح " (8) س: " عى " (9) كذا في ا، ب، م.
وفى ك، س " براهين الاولياء " (*)
سلف من الاولين[1].
حيرهم (2) فيه، إذ كان من جنس القول الذي زعموا أنهم أدركوا فيه النهاية، وبلغوا فيه الغاية، فعرفوا عجزهم، كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من بلوغ أقصى الممكن في العلاج، والوصول إلى أعلى مراتب الطب، فجاءهم بما بهرهم: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكما أتى موسى بالعصا التى تلقفت ما دققوا (3) فيه من سحرهم، وأتت على ما أجمعوا عليه من أمرهم، وكما سخر لسليمان الريح (4) والطير والجن.
حين كانوا يولعون به من فائق الصنعة، وبدائع اللطف (5) .
ثم كانت هذه المعجزة / مما يقف عليها (6) الأول والآخر وقوفاً واحداً، ويبقى حكمها إلى يوم القيامة.
* * * أنظر وفقك الله لما هديناك إليه، وفكر في الذي دللناك عليه، فالحق منهج واضح، والدين ميزان راجح، والجهل لا يزيد إلا عمى (7) ، ولا يورث إلا ندماً.
قال الله عزّ وجلّ: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذينَ يَعْلَمُونَ والذينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنما يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلبَابِ) (8) .
وقال: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عِبَادِنَا) (9) .
وقال: (يُضَلُّ بِهِ كَثِيرَاً ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً) (10) .
وعلى حسب ما آتى من الفضل، وأعطى من الكمال والعقل - تقع الهداية والتبيين، فإن الأمور تتم (11) بأسبابها، وتحصل بآلتها، ومن سلبه
[1]كذا في م، ب.
وفى ك " ما سلف إلى الاولين " (2) كذا في ك، م، ا.
وفى س " تحداهم " (3) م: " التى تلقف ".
س: " تلقفت ما برعوا " (4) س، ل " لسليمان من الرياح " (5) ل، س " يولعون بدقائق الحكمة وبدائع من اللطف " (6) س، ك " عليه " (7) س: " الاغما " (8) سورة الزمر: 9 (9) سورة الشورى: 52 (10) سورة البقرة: 26 (11) م: " تستمر " (*)
/ التوفيق، وحرمة الارشاد[1]والتسديد - (فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (2) ، (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) (3) .
فاحمد الله على ما رزقك من الفهم إن فهمت (4) ، (وقل: رب زدنى علما) (5) ، [إن أنت علمت] (6) ، (وَقُلْ: رَبِّ أَعوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ
الشَيَاطِينِ وأعوذ بك رب أن يحضرون) (7) .
وإن ارتبت فيما بيناه فازدد في تعلم الصنعة، وتقدم في المعرفة، فسيقع بك على الطريق (8) الارشد، وسيقف (9) بك على الوجه الأحمد، فإنك إذا فعلت ذلك أحطت علماً، وتيقنت فهماً.
ولا[10]يوسوس إليك الشيطان بأنه قد كان ممن (11) هو أعلم منك بالعربية، وأدرب (12) منك في الفصاحة، أقوام [وأى] أقوام، ورجال [وأى][13]رجال، فكذبوا وارتابوا، لأن القوم لم يذهبوا عن الإعجاز، ولكن اختلفت أحوالهم، فكانوا بين جاهل وجاحد، وبين / كافر نعمة وحاسد (14) ، وبين ذاهب عن طريق الاستدلال بالمعجزات، وحائد (15) عن النظر في الدلالات، وناقص في باب البحث، ومختل الآلة (16) في وجه الفحص، ومستهين بأمر الأديان، وغاو (17) تحت حبالة الشيطان، ومقذوف بخذلان الرحمن.
وأسباب الخذلان والجهالة كثيرة، ودرجات الحرمان مختلفة.
وهلاَّ جعلت بإزاء الكفرة، مثل " لبيد بن ربيعة العامري " في حسن
[1]س: " وحرم الرشاد " (2) سورة الحج: 31 (3) سورة النساء: 98 (4) سقطت إن فهمت من م (5) سورة طه: 114 (6) الزيادة من ب (7) سورة المؤمنون: 97 - 98 (8) م: " السبيل " (9) س: " ويقف ".
م " وستقف على الوجه الاحمد "
[10]م: " فلا " (11) م: " من " (12) كذا في م.
وفى س، ك " وأرجح ".
وفى ا، ب " وأدهى ".
[13]الزيادة من م (14) ك: " وحامد " (15) س: " وحائر " (16) م: " ومخيل الالة " (17) م: " وعار " (*)
إسلامه، و " كعب بن زهير " في صدق إيمانه، و " حسان بن ثابت "[1]وغيرهم: من الشعراء والخطباء الذين أسلموا؟ على أن الصدر الأول ما فيهم إلا نجم زاهر، أو بحر (2) زاخر.
وقد بينا: أن لا اعتصام إلا بهداية الله (3) ، ولا توفيق إلا بنعمة الله.
(وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (4) .
فتأمل ما عرفناك في كتابنا، وفرغ له قلبك، وأجمع عليه (5) لبك، / ثم اعتصم بالله يهدك، وتوكل عليه يعنك (6) ويجرك، واسترشده يرشدك، وهو حسبي وحسبك، ونعم الوكيل[7].
[1]م: " في سلامة أنبايه " (2) م: " وبحر " (3) م: " الله تعالى " (4) سورة الجمعة: 4 (5) كذا في ا، م.
وفى ك، ب، س " له " (6) كذا في م، ب.
وفى س، ك " يغنك "
[7]جاء في آخر م، ا، ك بعد ذلك ما يلى: ا - في م: " تم كتاب الاعجاز، والحمد لله على نعمه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وسلم تسليما كثيرا ".
وبعد ذلك بخط مغاير: " هذا ما كتبه المؤلف لخزانة كتب عضد الدولة، وطالع فيه الحسن ابن المؤلف، سنة تسع وتسعين بعد الثلاثمائة ... " ب - في ا: " والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وكان الفراغ منه في غرة ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
نسخته من أصل الفقيه الامام أبى الحجاج يوسف بن عبد العزيز اللخمى، الذى عليه خط شيخه عمدة أهل الحق، أبى عبد الله التميمي، وأخبرني أنه نسخها من نسخة صحيحة، عليها مكتوب: فرغ من نسخها في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربع مائة.
وقال على: توفى القاضى المؤلف، رحمه الله، سنة أربع وأربع مائة.
وعارضت نسختي هذه بالاصل، وقرأتها عليه وهو يمسك أصله، والحمد لله رب العالمين " ج - وجاء في ك: " تم كتاب الاعجاز في القرآن العظيم.
وكان الفراغ من نسخه سلخ الشهر المعظم رجب سنة ثمنية عشر وستمائة.
علقه الشريف حسن، ابن الشريف محمد، ابن الشريف على، ابن الشريف حسين الحسينى، السمرقندى، الناسخ.
وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ".
إعجاز القرآن (*)