بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 56

وما اتفق في ذلك من القرآن مختلف الروي، ويقولون: إنه / متى اختلف الروي خرج عن أن يكون شعرا.
وهذه الطرق التى سلكوها في الجواب، معتمدة أو أكثرها.
ولو كان ذلك شعراً لكانت النفوس تتشوف إلى معارضته، لان طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد، وأهله يتقاربون فيه، أو يضربون فيه بسهم.
* * * فإن قيل: في القرآن كلام موزون كوزن الشعر، وإن كان غير مقفّى، بل هو مزاوج متساوي الضروب، وذلك أحد[1]أقسام كلام العرب.
قيل: من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر، والسواكن والحركات.
فإن خرج عن ذلك لم يكن موزوناً، كقوله: رب أخٍ كنتُ به مغتبطا * أشد كفى بعرا صحبته تمسكاً مني بالودّ ولا * أحسبُهُ يزهدُ في ذي أملِ[2]تمسكاً مني بالودّ ولا * أحسَبُهُ يُغَيِّرُ العهدَ ولا يحُول عنه أبدا * فخاب فيه أملى وقد علمنا أن القرآن ليس من هذا القبيل، بل هذا قبيل غير ممدوح، / ولا مقصود من جملة الفصيح، وربما كان عندهم مستنكراً، بل أكثره على ذلك.
وكذلك[3]ليس في القرآن من الموزون الذى وصفناه أو لا وهو الذي شرطنا فيه التعادل والتساوي في الأجزاء، غير الاختلاف الواقع في التقفية.
ويبين[4]ذلك أن القرآن خارج عن الوزن الذي بينا، وتتم فائدته بالخروج منه.
وأما الكلام الموزون فإن فائدته تتم بوزنه.
[1]س: " وذلك آخر " (2) م، ا: " أحسبنى أزهد ".
[3]م: " وليس ".
[4]م: " وبين ".
(*)
ويتلاقون متخادعين، ويصنفون متحاملين، جذ الله عروقهم، واستأصل شأفتهم، وأراح البلاد والعباد منهم، فقد عظمت البلوى بهم، وعظمت آفاتهم على صغار الناس وكبارهم، ودب داؤهم، وعسر دواؤهم، وأرجو ألا أخرج من الدنيا حتى أرى بنيانهم متضعضعا، وساكنه متجعجعا ".
وقد يكون أبو حيان مدفوعا إلى تلك العداوة بتأثير العداوة بين الباقلانى وبين أستاذه أبى سليمان المنطقي من جهة، وبينه وبين أبى أحمد الاسفرايينى من جهة أخرى، وكلاهما له في نفس أبى حيان منزلة سامية، وإجلال بالغ.
ومهما يكن من أمر عداوة أبى حيان للباقلاني، وأيا كان مبعثها ومأتاها، فلا مراء في أنه قد ظلمه ظلما مبينا، إذ نسبه إلى طائفة الخرمية، وهو منها برئ براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
(22) وثالثه الاثافي التى رمى بها الباقلانى، تلك الاقوال المنكرة التى قالها عنه ابن حزم الظاهرى (384 - 456) في كتاب: " الفصل في الملل والاهواء والنحل " فهو عنده: " كافر أصلع الكفر! مشرك يقدح في النبوات! ملحد خبيث المذهب ملعون، يلحد في أسماء الله، ويخالف القرآن ويكذب الله! نذل يوجب الشك في الله وفى صحة النبوة! مظلم الجهالة، من أهل الضلالة، ممرور فاسق أحمق، يكيد للاسلام ويسخف به! قد صدق فيه قول القائل: شهدت بأن ابن المعلم هازل * بأصحابه والباقلاني أهزل وما الجعل الملعون في ذاك دونه * وكلهم في الافك والكفر منزل " هذه بعض أقوال ابن حزم في الباقلانى، نقلتها بألفاظها كما أثبتها في مواضع مختلفة من كتابه.
ولو صدق بعض هذه الاقوال عليه لوجب على المسلمين البراءة منه، ونبذ كتبه، وعده في طليعة أعداء الاسلام، فكيف إذا صدقت كلها؟ ! ويجدر بنا - قبل أن نعرض للحكم عليها - أن نتبين: هل كان ابن حزم نزيها في حكمه، منصفا في قوله، أمينا في نقله، سليم الصدر من دواعى الهوى والعصبية؟ أم كان غير ذلك؟


صفحه 57

فصل في نفى السجع من القرآن ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره [الشيخ] أبو الحسن الاشعري [رضى الله عنه] في غير موضع من كتبه.
وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن.
وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التى تعرف بها الفصاحة.
وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هرون عليهما السلام، ولمكان[1]السجع قيل في موضع (هرون وموسى)[2].
ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون، قيل: (موسى وهرون) (3) .
قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصوداً إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى نسميه (4) شعراً، وذلك القدر ما يتفق وجوده من المفحم، كما يتفق / وجوده من الشاعر.
وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله غير المقصود إليه.
ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى " السجع ".
قال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على وزن واحد.
وقال ابن دريد: " سجعت الحمامة " معناه: رددت صوتها.
وأنشد: طرِبتَ فأبكتك الحمامُ السواجِعُ * تميل بها ضَحْواً غصونُ نوائعُ النوائع: الموائل، من قولهم: جائع نائع، أي متمايل ضعفا (5) .
وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز.
[1]م: " ولكان "
[2]سورة طه: 70 (3) سورة الاعراف: 122 (4) س: " يسمى " والبيت غير منسوب في اللسان 209 19 وفيه: " طربت وهاجتك ... يوانع " (5) نقل المؤلف هذا النص من كتاب الجمهرة لابن دريد 2 - 93.
(*)
ومما يدعوا إلى الدهشة والعجب حقا، ويملا النفس بالاسف الممض، أن يكون ابن حزم عريا عن ذلك كله، متنكبا سبيل العلم والاخلاق والدين في حديثه عن الباقلانى لانه أشعرى، وهو ظاهري يبغض الاشاعرة جميعا، ويصفهم بخبث
المقالة وفساد الدين واستسهال الكذب على الله جهارا، وعلى رسوله بلا رهبة، ويقول عنهم: " والحمد لله الذى لم يجعلنا من أهل هذه الصفة المرذولة، ولا من هذه العصابة المخذولة " ويحمد الله على ضعفهم في عصره، فيقول: " وأما الاشاعرة فكانوا ببغداد والبصرة، ثم قامت لهم سوق بصلقية والقيروان والاندلس، ثم رق أمرهم، والحمد لله رب العالمين! " وهو ينسب إليهم أقوالا لم يقولوها، ومذاهب لم يذهبوا إليها، ثم يندفع في تكفيرهم، وكيل الشتائم لهم، كما صنع في باب الرد على من زعم أن الانبياء والرسل ليسوا اليوم أنبياء ولا رسلا، حيث يقول 1 / 88: " حديث فرقة مبتدعة، تزعم أن محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، ليس هو الآن رسول الله، ولكنه كان رسول الله.
وهذا قول ذهب إليه الاشعرية.
وهذه مقالة خبيثة، مخالفة لله تعالى ولرسوله، ولما أجمع عليه جميع أهل الاسلام منذ كان الاسلام إلى يوم القيامة.
ونعوذ بالله من هذا القول، فإنه كفر صراح لا ترداد فيه " ثم اندفع في إبطال هذا القول في شدة وعنف، ونسى أو تناسى أن هذا القول لم يقل به أحد من الاشاعرة، وإنما نسبه إليهم بعض الكرامية، واشتد نكيرهم على من نسبه إليهم، وبينوا إنه مختلق على إمامهم الاجل أبى الحسن الاشعري.
وفى ذلك يقول أبو القاسم القشيرى (376 - 475) في كتابه: " شكاية أهل السنة " -: " فأما ما حكى عنه وعن أصحابه أنهم يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم، ليس بنبى في قبره، ولا رسول بعد موته، فبهتان عظيم، وكذب محض، لم ينطق به أحد منهم، ولا سمع في مجلس مناظرة ذلك عنهم، ولا وجد ذلك في كتاب لهم.
" وليس أدل على كذب هذا القول على الاشاعرة من قول الباقلانى عنه - في كتاب رسالة الحرة المسمى بالانصاف ص 55: " ويجب أن يعلم أن نبوات


صفحه 58

ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز.
وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافى النبوات، وليس كذلك الشعر.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: كيف ندى من لا شرب ولا أكل[1]، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل؟ فقال: " اسجاعة كسجاعة الجاهلية؟ " / وفي بعضها: " أسجعاً كسجع الكهان " فرأى[2]ذلك مذموماً لم يصح أن يكون في دلالته.
والذي يقدرونه (3) أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع.
وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى.
وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ.
ومتى ارتبط المعنى بالسجع، كانت إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى انتظم (4) المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلبا لتحسين (5) الكلام دون تصحيح المعنى.
فإن قيل: فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعاً، فيجب أن تسموا أحدهما سجعاً.
قيل: الكلام في تفصيل هذا خارج عن غرض كتابنا، وإلا كنا نأتى على فصل فصل من أول القرآن إلى آخره، ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من الفوائد ما لا يخفى، ولكنه / خارج عن غرض كتابنا.
وهذا القدر يحقق الفرق بين الموضعين.
ثم إن سلم لهم مسلّم موضعاً أو مواضع معدودة، وزعم أن وقوع ذلك موقع (6) الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها، وهى الطريقة
[1]في الاصول: " من لا أكل ولا شرب " راجع البيان والتبيين 1 / 287 - 288.
[2]م: " فرأى أن ذلك " (3) م: " تقررونه " (4) س: " ومتى ارتبط " (5) س: " مستجلبا لتجنيس " (6) م: " وقوع " (*)
الانبياء، صلوات الله عليهم، لا تبطل ولا تنخرم بخروجهم عن الدنيا وانتقالهم.
إلى دار الآخرة، بل حكمهم في حال خروجهم من الدنيا كحكمهم في حالة نومهم، وحالة اشتغالهم إما بأكل أو شرب، أو قضاء وطر.
والدليل عليه: أن حقيقة النبوة لو كانت ثابتة لهم في حالة اشتغالهم بأداء الرسالة، دون غيرها من الحالات - لكانوا في غيرها من الاحوال غير موصوفين بذلك.
وقد غلط من نسب إلى المحققين من الموحدين - إبطال نبوة الانبياء عليهم السلام بخروجهم من دار الدنيا.
وليس ذلك بصحيح، لان مذهب المحققين، أن الرسول ما استحق شرف الرسالة بتأدية الرسالة، وإنما صار رسولا، واستحق شرف الرسالة والنبوة، بقول مرسله - وهو الله تعالى -: أنت رسولي ونبيى، وقول الله تعالى قديم لا يزول ولا يتغير.
والدليل على صحة هذا أيضا: أنه صلى الله عليه وسلم، سئل فقيل له: متى كنت نبيا؟ فقال: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " فحاصل الجواب في هذا: أن شرف النبوة وكمال المنصب ثابت للانبياء، صلوات الله عليهم أجمعين الآن حسب ما كان ثابتا لهم في حال الحياة، لم ينثلم ولم ينتقض، سواء نسخت شرائعهم أو لم تنسخ.
ومن راجع نفسه، ولم يغالط حسه، عرف وتحقق أن النبي، صلى الله عليه وسلم، الآن لم يخاطب شفاها، ولا يأمرهم، ولا يكلمهم من غير واسطة، لكن حكم شريعته وصحة نبوته، ثابت لم ينتقض لاجل خروجه من الدنيا، ولم تزل مرتبته، ولا انخرمت رسالته، ولا بطلت معجزته.
فاعلم ذلك وتحققه ".
ولست أدرى: كيف يقرأ ابن حزم كلام الباقلانى هذا في كتابه هذا، ثم يستسيغ ضميره أن يزعم بعد ذلك أن الاشاعرة قالوا هذه المقالة الخبيثة، مع قوله: إن الباقلانى كبيرهم؟ حقا إن هذا لشئ عجاب!
وما أكثر التهم التى ألصقها ابن حزم بالاشاعرة إلصاقا، وما أوفر عبارات القذف والسباب التى قذفهم بها وسبهم، والتى بلغت أقصى حدود الافحاش والاقذاع، وقد اختص الباقلانى منها بأعظم قسط، وأجزل نصيب.
ولعل مرد ذلك إلى أن الباقلانى قد نقد داود الظاهرى (200 - 270) ، كما يشعر بذلك قول


صفحه 59

التى يباين القرآن بهسائر الكلام، وزعم أن الوجه في ذلك أنه من الفواصل، أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه - فإن[1]ذلك إذا اعترض في الخطاب لم يعد سجعا، على ما قد بينا في القليل من الشعر، كالبيت الواحد، والمصراع، والبيتين من الرجز، ونحو ذلك يعرض فيه، فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع مقصوداً إليه، وإنما يقع مغمورا في الخطاب، وكذلك حال السجع الذى يزعمونه ويقدرونه.
ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعاً،: لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه، كان قبيحاً من الكلام.
وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط (2) ، متى أخل به المتكلم
وقع (3) الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة.
كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئاً، وكان شعره مرذولاً، وربما أخرجه عن كونه شعراً.
/ وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعاً متقارب (4) الفواصل، متداني المقاطع، وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، وهذا في السجع غير مرضى ولا محمود.
فإن قيل: متى خرج السجع [من] المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه، خرج من أن يكون سجعاً، وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعاً، بل يأتي به طوراً ثم يعدل عنه إلى غيره، ثم قد يرجع إليه.
قيل: متى وقع أحد مصراعي البيت (5) مخالفاً للآخر، كان تخليطاً وخبطاً، وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطاً.
[وقد] علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل، فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا الوجه من الاضطراب (6) .
[1]س: " وأن " (2) م: " والسجع منهج قريب ... وطريقة مضبوطة " (3) س: " أوقع " (4) م: " متفاوت " (5) م: " الشعر " (6) م: " من الاختلال " (*)
ابن حزم في الفصل 4 / 225: " ومن العجب أن هذا النذل الباقلانى قطع بأن دواد خالف الاجماع في قوله بإبطال القياس، أفلا يستحى هذا الجاهل من أن يصف العلماء بصفته، مع عظيم جهله؟ ولكن من يضلل الله فلا هادى له " ومما أحفظه عليه أيضا، وأرث نار عداوته في صدره، أنه كان لا يعبأ بالظاهرية، ولا يعدهم من العلماء، وقد نقل شيخ الازهر الشيخ حسن العطار، (المتوفى سنة 1250) في حاشيته على شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع 2 / 221 - أن أبا إسحاق الاسفرايينى قال: " كل مسلك يختص به أصحاب الظاهر عن القياسيين، فالحكم بحسبه منقوض، وبحق قال حبر الاصول القاضى أبو بكر: إنى لا أعدهم من علماء الامة، ولا أبالى بخلافهم ولا وفاقهم ".
ولست أربد أن أقبس هنا سائر ما أورده من قول، وما نحله من رأى، ثم أبين ما صنعه فيه من تحريف كلمه عن مواضعها، ولى عباراته عن معانيها، وقطع مقدماته عن نتائجها، وأخذه من ظاهر لفظه ما يتفق وهوى نفسه، ويتسق وما يريد أن يلزمه من إلزامات شائنة، تذهب بسمعته ومكانته.
لست أريد ذلك لان بيانه يحتاج إلى بسط وإطناب لا سبيل إليهما في هذا المقام.
ولكني أذكر من ذلك ما لا مناص من ذكره، وهو ما يتعلق بقوله في القرآن.
قال ابن حزم في معرض حديثه عن الاشاعرة 4 / 221: " ومن شنعهم قول هذا الباقلانى في كتابه المعروف بالانتصار في القرآن، إن تقسيم آيات القرآن،
وترتيب مواضع سوره، شئ فعله الناس وليس هو من عند الله، ولا من أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
فقد كذب هذا الجاهل وأفك، أتراه ما سمع قول الله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، في آية الكرسي: وآية الكلالة، والخبر: أنه عليه السلام كان يأمر إذا نزلت آية كذا، أن تجعل في سورة كذا، وموضع كذا.
ولو أن الناس رتبوا سوره، لما تعدوا أحد وجوه ثلاثة:.
إما أن يرتبوها على الاول فالاول نزولا، أو الاطول فما دونه، أو الاقصر فما فوقه.
فإذا ليس ذلك كذلك، فقد صح أنه أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذى لا يعارض، عن الله عز وجل، لا يجوز غير ذلك أصلا ".


صفحه 60

ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت
الطباع تدعو إلى المعارضة، لأن السجع غير ممتنع عليهم، بل هو عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز[1]منها؟ وقد يتفق في الشعر كلام [متزن] على منهاج السجع / وليس بسجع عندهم.
وذلك نحو قول البحتري: تَشَكًّى الوَجى، والليل ملتبس الدجا * غريرية الانساب مرت بقيعها (2) وقوله[3]: قريب المدَىَ، حتى يكون إلى الندى * عدو البنى، حتى تكون معالى[4]ورأيت بعضهم يرتكب هذا، فيزعم (5) أنه سجع مداخل! ونظيره من القرآن قوله تعالى: (ثَمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ، وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُم تَشَاقُّونَ فِيهِمْ) (6) .
وقوله: (أَمَرْنا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا) (7) .
وقوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي / سَبِيلِهِ) (8) .
وقوله: (وَالتَّوْرَاةَ والاْنجِيلَ، وَرَسُولاً إلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) (9) .
وقوله: (إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) (10) .
ولو كان ذلك عندهم سجعاً لم يتحيروا فيه ذلك التحير، حتى سماه بعضهم سحراً، وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه.
وهم في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقه، وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم، المألوفة لديهم.
والذي تكلمنا به في هذا (11) الفصل كلام على جملة دون التفصيل.
[1]س: " مميز " (2) ديوانه 1 - 5 والوجى: أن يشتكى البعير باطن خفه.
الغرير: فحل من الابل، والابل الغريرية: منسوبة إليه.
ومكان مرت: قفر لا نبات فيه.
والبقيع من الارض: المكان المتسع فيه أروم شجر من ضروب شتى.
وفى س: " نقيعها "
[3]ديوانه 2 / 785 يمدح به محمد بن عمر.
[4]س، م " يكون " وفى م بعد البيت: " وقوله غريرية الانساب مرت بقيعها، ورأيت " إلخ (5) م: " حتى يزعم " (6) سورة النحل، 27 (7) سورة الاسراء: 16 (8) سورة التوبة: 24 (9) سورة آل عمران: 48 - 49 (10) سورة مريم: 4 (11) م: " على هذا " (*)
وما كذب الباقلانى ولا أفك في مسألتي ترتيب الآيات، وترتيب مواضع السور في القرآن، وما خرج بقوله فيهما عما قاله أعلام الائمة وأجمعوا عليه.
فقد أجمعوا جميعا على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة فيه، وأيد إجماعهم ما تاردف في ذلك من النصوص.
ولم تجتمع كلمتهم على أن ترتيب السور توقيفي، فمنهم من قال به، ومنهم من قال: إنه باجتهاد من الصحابة، كمالك بن أنس.
وأنصع دليل على صدق الباقلانى وبراءته مما رماه به ابن حزم، قوله في كتاب: " الانتصار لنقل القرآن ": " ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا موضع كذا ".
وقوله أيضا في ذلك الكتاب (ورقة 4 - ب) : " والذى نذهب إليه في ذلك أن جميع القرآن الذى أنزله الله، وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ويرفع تلاوته بعد نزوله - هو هذا الذى بين الدفتين، الذى حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شئ، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله، من آى
السور، لم يقدم من ذلك مؤخرا، ولا أخر منه مقدما، وأن الامة ضبطت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ترتيب آى كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها: كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم، قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان، ويمكن أن يكون قد وكل ذلك إلى الامة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه.
وأن هذا القول الثاني أقرب وأشبه أن يكون حقا ".
ولن يمترى إنسان - بعد قراءة هذا الكلام - في تكذيب ابن حزم في قوله، إن الباقلانى يقول: " إن ترتيب الآيات والسور شئ فعله الناس، وليس هو من عند الله ولا من أمر رسول الله.
فقد كذب هذا الجاهل وأفك! " ولن يمترى كذلك في أنه نص صريح في تكذيب ابن حزم في قوله عن الاشاعرة: " وقالوا كلهم: إن القرآن لم ينزل به قط جبريل على قلب محمد، عليه الصلاة والسلام، وإنما نزل عليه بشئ آخر هو العبارة عن كلام الله، وإن القرآن ليس عندنا ألبتة إلا على هذا المجاز، وإن الذى نرى في المصاحف ونسمع


صفحه 61

ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل، ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع.
ومن جنس السجع المعتاد عندهم، قول أبي طالب[1]لسيف بن ذي يزن: " أََنْبَتَكَ مَنْبِتاً (2) طابت أرومتُهُ، وعَزَّت جُرْثُومته، وثَبَتَ أصله، وبَسَقَ فرعُه ونبت زَرْعه، في أكرم مَوْطِن، وأطيب مَعْدِن ".
وما يجرى هذا المجرى من الكلام.
والقرآن مخالف لهذه (3) الطريقة مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر بينهم.
/ ولا معنى لقولهم: إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد وروي غير مختلف، لأن ما جرى هذا المجرى لا يبنى على الاشتقاق وحده، ولو بني عليه لكان الشعر سجعاً، لأن رويه يتفق ولا يختلف، وتتردد القوافي على طريقة واحدة.
وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام، فإنها تختلف: فربما كان ذلك
يسمى (4) قافية، وذلك إنما يكون في الشعر، وربما كان ما ينفصل عنده (5) الكلامان (6) مقاطع السجع، وربما شمى (7) ذلك فواصل.
وفواصل القرآن - مما هو مختص بها (8) لا شركة بينه وبين سائر الكلام فيها ولا تناسب.
وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع، وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوى مقاطع الكلام - فليس بصحيح، لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه.
وهي (9) : أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنى واحداً من الامر الصعب، الذى تظهر به الفصاحة، وتتبين به (10) البلاغة.
وأعيد كثير من القصص في مواضع [كثيرة] مختلفة، على ترتيبات / متفاوتة، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الاتيان بمثله مبتدأ به ومكرراً.
ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ
[1]في دلائل النبوة 1 / 24: " قول عبد المطلب " مع اختلاف في الرواية قليل (2) م: " منبتك منبت " (3) س: " لنحو هذه " (4) ا، ب: " مسمى " (5) س: " عنده " (6) هكذا في ا، ب، م (7) م: " يسمى " (8) م: " ما يختص بها " (9) م: " وهو " (10) س: " فيه " (*)
من القراء، ونقرأ في الصلاة، ونحفظ في الصدور - ليس هو القرآن ألبتة، ولا شئ منه كلام الله ألبتة، بل شئ آخر، وإن كلام الله لا يفارق ذاته.
وإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله عز وجل، ومخالفة القرآن والنبى، صلى الله عليه وسلم، ومخالفة جميع أهل الاسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة ".
وهذا افتراء قصد به التشنيع والتلبيس على الناس، يدحضه قول الباقلانى في " رسالة الحرة " ص 62: " اعلم أن الله تعالى متكلم له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق، ولا مجعول، ولا محدث، بل كلامه قديم، صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته، ونحو ذلك من صفات
الذات.
ولا يجوز أن يقال: كلام الله عبارة ولا حكاية، ولا يوصف بشئ من صفات الخلق، ولا يجوز أن يقول أحد: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق، ولا إنى أتكلم بكلام الله ".
وقوله ص 82: " ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة كما قال: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) ، وهو في مصاحفنا مكتوب على الوجه الذى هو مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) .
لكن نحن نعلم وكل عاقل أن كلام الله الذى هو مكتوب في اللوح المحفوظ، هو والقرآن المكتوب في مصاحفنا شئ واحد، لا يختلف ولا يتغير، وأن اللوح غير أوراق مصاحفنا، وأن الخط الذى فيه غير الخطوط التى في مصاحفنا، وأن القلم الذى كتب في اللوح المحفوظ غير أقلامنا.
وكذلك ما اختلف وغاير غيره، واختص بمكان دون مكان، وزمان دون زمان فهو مخلوق مربوب، وكل ما هو على صفة واحدة لا يختلف ولا يتغير، ولا يجوز عليه شئ من صفات الخلق.
فكذلك هو كلام الله تعالى القديم وجميع صفات ذاته.
وكذلك القرآن محفوظ بالقلوب على الحقيقة، كما قال تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) .
لكن نعلم قطعا أن زيدا الحافظ غير عمرو الحافظ، وأن قلب هذا غير قلب هذا، وأن حفظ هذا غير حفظ هذا، لكن المحفوظ لهذا بحفظه هو المحفوظ للآخر بحفظه، وهو شئ واحد لا يختلف ولا يتغير،


صفحه 62

لهم تؤدى تلك المعاني ونحوها[1]، وجعلوها بازاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه، وإلى مساواته فيما [حكى و] جاء به.
وكيف وقد قال لهم: (فَلْيَأْتُواْ
بِحَدِيثً مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ) (2) .
فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات[3]وتأخيرها - إظهار الإعجاز (4) على الطريقين جميعا، دون السجع (5) الذى توهموه.
فإن قال قائل: القرآن مختلط من أوزان كلام العرب، ففيه من جنس خطبهم، ورسائلهم [وشعرهم] وسجعهم، وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى، ولكنه أبدع فيه ضرباً من الابداع، لبراعته وفصاحته.
قيل: قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر، وكلام مقفى غير موزون [وكلام موزون غير مقفى] (6) ، ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع، ونظم مقفى موزون له روي.
/ ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس، فتناوله أقرب، وسلوكه لا يتعذر.
ومنه ما هو أصعب تناولا، كالموزون عند بعضهم، والشعر عند الآخرين (7) .
وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين: إما بتعمل وتكلف وتعلم (8) وتصنع، أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه.
ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع، لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك منهم، ويعرض (9) على ألسنتهم، وتجيش به خواطرهم، ولا ينصرف (10) عنه الكل، مع شدة الدواعي إليه.
ولو كان طريقه التعلم لتصنعوه ولتعلموه (11) والمهلة لهم فسيحة، والامد واسع.
[1]س: " وتحويها " (2) سورة الطور: 34
[3]م: " الكلام " (4) إظهار للاعجاز " (5) س: " التسجيع " (6) ما بين المعقوفين ساقط من م (7) س: " أو الشعر عند الآخرين " (8) سقطت هذه الكلمة من م (9) ا: " ويعترض " س " ويتعرض " (10) م: " ولا يتصرف " (11) م: " طريقه التعمل لتصنعوا فيه وتعلموه " (*)
إذ هو صفة لله تعالى، قديم غير مخلوق.
وكذلك نقول: إنه مقروء بألسنتنا، نتلو بها على الحقيقة، لكن نعلم أن زيدا القارئ غير عمرو القارئ، وأن لسان زيد غير لسان عمرو، وأن قراءة زيد غير قراءة عمرو، ولكن المقروء لزيد هو المقروء لعمرو، شئ واحد لا يختلف ولا يتغير، بل هو كلام الله القديم الذى
ليس بمخلوق ولا يجوز عليه صفات الخلق.
وهذا كما قال تعالى: (أنما أنزل بعلم الله) يعلمه زيد بعلمه، ويعلمه عمرو بعلمه، ويعبده زيد بعبادته، ويعبده عمرو بعبادته، ويدعوه زيد بدعائه، ويدعوه عمرو بدعائه، ويذكره زيد بذكره، ويذكره عمرو بذكره، ويسبحه زيد بتسبيحه، ويسبحه عمرو بتسبيحه، فزيد غير عمرو، وذكره غير ذكر عمرو، وعبادته غير عبادة عمرو، ولكن المعبود لهذا هو المعبود لهذا، والمذكور لهذا هو المذكور لهذا، والمسبح لهذا هو المسبح لهذا، والله تعالى هو القديم الواحد الذى ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير ".
وقوله ص 83، 85: " ويحب أن يعلم أن كلام الله تعالى مسموع لنا على الحقيقة، لكن بواسطة، وهو القارئ..ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى منزل على قلب النبي صلى بالله عليه وسلم، نزول إعلام وإفهام، لا نزول حركة وانتقال "، و " أن جبريل عليه السلام علم كلام الله وفهمه، وعلمه الله النظم العربي الذى هو قراءته، وعلم هو القراءة نبينا، صلى الله عليه وسلم، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ولم يزل ينقل الخلف عن السلف ذلك، إلى أن اتصل بنا فصرنا نقرأ بعد أن لم نكن نقرأ ".
ويستبين من سائر هذه النصوص أن ابن حزم لم يكن أمينا في نقله، ولا صادقا في قوله، وإنما خان أمانة العلم، وكذب فيما ادعاه على الباقلانى والاشاعرة، ليتسنى له تكفيرهم، وسبهم بما يرضى نفسه الظامئة إلى الطعن والسباب.
وقد عرف ذلك عنه، حتى قال فيه ابن العريف: " كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين " وسجل عليه ذلك المؤرخون له، كابن خلكان، الذى يقول في وفيات الاعيان: " وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف لفقهاء وقته، فتماثلوا على بغضه، وردوا


صفحه 63

* * * وقد اختلفوا في الشعر كيف اتفق لهم؟ فقد قيل: إنه اتفق في الأصل غير مقصود إليه، على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام، ثم لما استحسنوه واستطابوه ورأوا أنه قد تألفه / الأسماع وتقبله النفوس - تتبعوه[1]من بعد وتعملوه.
وحكى لي بعضهم عن أبي عمر: غلام ثعلب عن ثعلب: أن العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول، يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * ويسمون ذلك الوضع " المتير "[2]واشتقاقه من المتر، وهو الجذب أو القطع، يقال: مترت الحبل، أي (3) قطعته أو جذبته.
ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره، فيحتمل ما قاله (4) .
وأما ما وقع السبق إليه فيشبه أن يكون على ما قدمنا ذكره أولاً.
وقد يحتمل - على قول من قال: إن اللغة اصطلاح - أنهم تواضعوا على هذا الوجه من النظم.
وقد يمكن أن يقال مثله على المذهب الآخر، وأنهم وقفوا على ما يتصرف إليه القول
من وجوه التفاصح، وتواقفوا (5) بينهم على ذلك.
/ ويمكن أن يقال: إن التواضع وقع على أصل الباب، وكذلك التوقيف، ولم يقع على فنون تصرف الخطاب، وأن الله تعالى أجرى على لسان بعضهم من النظم ما أجرى، وفطنوا لحسنه فتتبعوه من بعد، وبنوا عليه وطلبوه، ورتبوا فيه المحاسن التى يقع الاطراب (6) بوزنها، وتهشُّ النفوس إليها، وجمع دواعيهم وخواطرهم على استحسان وجوه من ترتيبها، واختبار طرق نم تنزيلها، وعرفهم محاسن الكلام، ودلهم على كل طريقة عجيبة، ثم أعلمهم عجزهم عن الاتيان [بمثل] (7) القرآن، [وأن] القدر الذى تتناهى إليه قدرهم هو ما لم يخرج عن لغتهم (8) ، ولم يشذ من جميع كلامهم، بل قد عرض في خطابهم، ووجدوا أن
[1]م: " فتتبعوه ... وتعلموه " (2) م: " الممتر " (3) س: " بمعنى " (4) م: " فحمل ما قالوه " (5) س: " أو تواقفوهم " (6) س: " الاضطراب بوزنها "! (7) س: " الاتيان: بالقرآن " (8) ا، م: " هو ما لم يفتهم " (*)
قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والاخذ عنه، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده ".
وكالحافظ الذهبي الذى قال عنه في سير أعلام النبلاء: " لم يتأدب مع الائمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الائمة وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقته " وإذا كان ذلك كذلك فيجب ألا يلتفت إنسان إلى قول ابن حزم في الباقلانى، ولا ينظر بعين الاعتبار إلى طعنه عليه، وتكفيره له.
(23) قال ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد (732 - 808) في مقدمته، في أثناء حديثه في فصل علم الكلام ص 465: "..وكثر أتباع الشيخ أبى الحسن الاشعري، واقتفى طريقته من بعده تلاميذه، كابن مجاهد وغيره، وأخذ عنهم القاضى أبو بكر الباقلانى، فتصدر للامامة في طريقتهم وهذبها، ووضع المقدمات العقلية التى تتوقف عليها الادلة والانظار، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم، وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الايمانية في وجوب اعتقادها، لتوقف تلك الادلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول.
وحملت هذه الطريقة، وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية، إلا أن صور الادلة تعتبر بها الاقيسة، ولم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشئ، فلم يأخذ به المتكلمون، لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة، فكانت مهجورة عندهم لذلك.
ثم جاء بعد القاضى أبى بكر الباقلانى إمام الحرمين أبو المعالى، فأملى في الطريقة كتاب الشامل، وأوسع القول فيه، ثم لخصه، في كتاب الارشاد، واتخذه الناس إماما لعقائدهم.
".
(24) قال ابن تيمية في كتاب " بغية المرتاد " ص 107 في معرض حديثه
عن مصادر معارف أبى حامد الغزالي (450 - 505) وأستاذه أبى المعالى الجوينى، إمام الحرمين (419 - 478) -: " وأبو حامد مادته الكلامية من كلام شيخه في " الارشاد " و " الشامل " ونحوهما، مضموما إلى ما تلقاه من القاضى أبى بكر